أمراء الأمل.. ومعارف الدكاترة الملفقة

02/11/2016 - 10:49:07

  ديانا ديانا

بقلم: د. محمد فتحى

قبل عشر سنوات كتبت فى هذا المكان عن محمد يونس «أمير الأمل» يوم فاز بجائزة نوبل، ولكنى أحب اليوم، لسبب يخصك أنت القارئ، ويخص الشباب ويخص ظروف مجتمعنا ويخص...، أن أسوق قصة محمد يونس كما رواها.


كانت بنجلادش تعانى المجاعة، بينما أقوم بتدريس الاقتصاد فى جامعتها. وبت أشعر بالأسى، لأنى أدرس النظريات الاقتصادية «المعتبرة»، مختالا بشهادة الدكتوراة التى حصلت عليها من الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن عندما أغادر محاضراتى أرى حولى هياكل عظمية لأناس ينتظرون الموت!


شعرت أن كل ما تعلمته وما أقوم بتدريسه قصص ملفقة، لا أثر لها على حياة الناس. لذلك حاولت اكتشاف كيف يعيش الناس فى القرية المجاورة لحرم الجامعة. لأعرف إن كان باستطاعتي– كإنسان- القيام بأى عمل يؤخر أو يوقف ولو موت شخص واحد. تخليت عن نظرة الطائر الذى يرنو إلى كل شيء، وهو يحلق فى السماء، وتبنيت نظرة الدودة فى التوجه إلى ما أمامى مباشرة، أشمه وأتلمسه وأرى إن كان باستطاعتى أن أفعل شيئاً إزاءه.


قابلت امرأة تصنع كراسى الخيزران، واكتشفت أنها تكسب سنتين أمريكيين فقط كل يوم. لم أستطع أن أصدق أن شخصاً ما يمكن أن يعمل بكل هذا الجد وأن يصنع كراسى بمثل هذا الجمال، ثم لا يحصل فى النهاية إلا على هذا القدر الضئيل من الربح. ومع تقصى الأمر عرفت أن المرأة لا تملك المال الكافى لشراء الخيزران، لذلك تقترضه من تاجر يشترط عليها بيع الكراسى بالسعر الذى يحدده، وهنا تفسير السنتين اللذين كانت تكسبهما، فقد كانت فى الحقيقة تعمل لمصلحة ذلك الشخص بالكامل. سألتها وكم يكلف شراء الخيزران؟ أجابت: حوالى عشرين سنتاً!


ذهلت. هل يمكن أن يعانى إنسان بسبب عشرين سنتاً وألا يكون باستطاعة أحد مساعدته؟ وهكذا فكرت أن أكتب قائمة بأسماء من يحتاجون إلى مال زهيد، على غرارها، فى القرية.


اصطحبت أحد تلاميذى وتجولنا هناك عدة أيام. وخرجنا بقائمة تتضمن اثنين وأربعين اسماً. وعندما حسبت المبلغ الذى يحتاجونه لتتحسن أحوالهم فوجئت بأكبر صدمة فى حياتي.. سبعة وعشرون دولاراً. شعرت بالعار لكونى أنتمى لمجتمع لا يستطيع تأمين ٢٧ دولاراً لاثنين وأربعين من الطامحين الماهرين.


ولكى أخفف الشعور بالعار أعطيت المبلغ لتلميذي: «اعط لهؤلاء الأشخاص ما يحتاجونه، وأخبر كل منهم أنه سلفة، وأن باستطاعته إعادته عندما يتمكن من ذلك، وإنه يستطيع بيع ما ينتجه فى المكان الذى يحصل منه على سعر جيد».


بعد أن أخذوا المال تبدلت أحوالهم، ودفعنى ذلك إلى التفكير: ماذا يمكننى أن أفعل أكثر؟ ذهبت إلى مدير فرع المصرف الواقع فى حرم الجامعة، واقترحت عليه أن يقرض المال للفقراء الذين قابلتهم فى القرية.


ذهل المدير: «هل أنت مجنون؟ هذا مستحيل. كيف يمكننا أن نقرض المال لمعدمين؟ لا ائتمان لديهم. إنهم غير جديرين بالدين».. توسلت إليه: «دعنا نحاول على الأقل، إن ذلك لن يكلف إلا القليل». أجابني: «قوانينا لا تسمح بذلك. إن المعدمين لا يستطيعون تأمين ضمانة للقرض، كما أن قدراً قليلاً من المال كهذا لا يستحق من البنك عناء الإقراض»، وأمام إلحاحى اقترح علىّ أن أقابل موظفين أعلى منه فى مركز المصرف.


حملت طلبى إلى ذوى الشأن الأكبر فى المصرف تباعا، وكنت دائماً أتلقى الرد نفسه. وبعد محاولات كثيرة قدمت نفسى ككفيل.. سوف أوقع على أى شيء لآخذ المال وأعطيه للفقراء. حذرونى طويلا: «الفقراء الذين سيأخذون المال لن يعيدوه أبداً». قلت: «سوف أجرب» وكانت المفاجأة أنهم أعادوا كل بنس استدانوه. شعرت بالإثارة وذهبت للمدير: «انظر لقد أعادوا المال ولم تحدث أى مشكلة». فأجاب: «أوه.. إنهم يخدعونك؛ وعندما تعطيهم مزيداً من المال لن يعيدوه أبداً». فأعطيتهم المزيد من المال وأعادوه كاملاً. قالوا: «حسناً ربما ينجح ذلك فى قرية لكنه لن ينجح فى قريتين». ومباشرة جربته فى قريتين، ونجح.


وهكذا استمرت مباراة يونس مع المصارف، حتى قرر إنشاء «مصرف جرامين» الذى لا يقدم إلا القروض الصغيرة وللفقراء، وبات حجم أعماله يضاهى المصارف البنجلاديشية الكبرى، وبات نموذجا تحتذى نشاطه بنوك كثيرة فى مشارق الأرض ومغاربها و... .


● ● ●


وأنا لا أقصد بكلامى هنا مجرد شخص محمد يونس ولا مصرف جرامين ولا مصارف قروض الفقراء ولا حتى كما جاء فى العنوان معارف الدكاترة المستوردة، التى لا تصلح لمجتمعاتنا، ولكنى أقصد كل فرد، بما فى ذلك جنابك شخصيا، وكيف يمكن أن يسهم فعليا بمنطق الدودة وليس بعين الطائر فى مواجهة الشيطان، ليس بالتصدق على الفقراء، وإنما بالسعى إلى جعل الناس، والشباب على وجه الخصوص، أكثر فعالية وإنتاجية وصحة واستقلالاً ووعيا و... أى أكثر إنسانية فى نهاية المطاف.


فبدون ذلك نظل كالفلاسفة السفسطائيين، الذين لا يسهمون فى تقدم مجتمعاتهم قيد أنملة، رغم كل ما لديهم من معارف وثقافات وشهادات ونتاجات، يسرى عليها مقولة ضجيج بلا طحن.


أسمع من يقول إن تجربة يونس حالة نادرة أو شاذة، لكن الأمثلة كثيرة وبينها أمثلة مصرية مدوية.. وما عليك إلا أن تستعيد ما حاوله حسن فتحى لإسكان الفقراء، وفق «نظام مجموعة التضامن» الذى يشجع المقترضين على التقدم بطلباتهم فى مجموعات صغيرة، يكون أفرادها لا ضامنين الواحد للآخر فقط، وإنما مؤازرون الواحد للآخر فى السعى للخروج من دائرة الفقر. وحين دعا إلى تعاون عشرة أفراد يستطيعون مجتمعين أن يبنوا عشرة منازل، بينما يعجز الواحد منهم عن بناء أى شيء.. أو نرى ما يفعله حاليا مجدى يعقوب فى مؤسسته العلاجية، ليس فى أسوان وحدها وإنما فى مدن عديدة من عالمنا.. لقد راعه الفارق الشاسع فى أمل الشفاء بين القادرين وغير القادرين، فقام بتدشين مؤسسة «سلاسل الأمل» الخيرية، وسعى عبرها لإجراء جراحات القلب للمرضى فى الدول الفقيرة، وبالذات للأطفال الذين يعانون من عيوب خلقية فى القلب. وقد استقطب مجدى يعقوب لهذه المؤسسة العالمية (أكثر من ٣٠ فرعا فى مختلف البلدان)، جهود كثير من المتنفذين والمشاهير، فى حجم ديانا التى عرفت بـ «أميرة القلوب» بعد استحواذها على حب وإعجاب الملايين. والتى وصفت يعقوب فى حينه بـ «ملك القلوب»، ودعمته فى حملات جمع التبرعات، وكانت ضيفة الشرف فى عدد من مناسباته الطبية، بل وحضرت وقائع بعض الجراحات فى حجرة العمليات، وكانت تحرص على زيارة مرضاه ليلا- هربا من مطاردة العدسات- لتشارك الأطفال آمال الشفاء‏.


إن كل ما يحتاجه أمراء الشر لكى يحققوا الانتصار هو أن يجلس الأخيار، وأيديهم على خدودهم فى مظهر المفكرين المتأسين، دون أن يفعلوا شيئا!.