أريد حلا.. فيلم انتصر لحقوق المرأة... سيمفونية تناغم بين فاتن حمامة وحُسن شاه وسعيد مرزوق

06/10/2014 - 12:44:20

فيلم أريد حلا فيلم أريد حلا

كتبت - نيفين الزهيرى

جاء فيلم "أريد حلا" فى المرتبة الـ «21» لقائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، فهو أول فيلم عربي حاول الكشف عن الثغرات التي يحتويها قانون الأحوال الشخصية في مصر وساهم في تغييره، فهو نموذج للسينما الملتزمة الجادة التي ناقشت قضايا حيوية مصيرية في المجتمع المصري، كما أن قصة الفيلم تتسم بالجرأة والشجاعة في مواجهة الموروث الراكد الآسن الذي يلجأ إلى فهم مغلوط للدين بحثًا عن قداسة لا موضع لها. الفيلم مأخوذ عن قصة الكاتبة الصحفية القديرة الراحلة حسن شاه، وحوار الموهوب المتمكن سعد الدين وهبة، وقدمه المخرج الراحل سعيد مرزوق في مارس سنة 1975، ويعد ثالث أفلامه.


"أريد حلا" علامة بارزة في مشوار سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، حيث استمر عرضه 16 أسبوعاً، فى الوقت الذى لم تكن أفلام الفنانة القديرة فاتن حمامة تستمر لأكثر من 6 أسابيع في دور العرض حسبما ذكر سعيد مرزوق في مذكراته، ويعتبر "أريد حلا" أول حوار وجدل بين السينما وقانون الأحوال الشخصية ، فهو يفجر قضية اجتماعية بالغة الخطورة وهي الطلاق ، وتكمن الخطورة في أن مرزوق قد ناقش حق المرأة في طلب الطلاق، بل وقف بجانبها في المطالبة بالتعامل معها كإنسان له مطلق الحرية في تقرير مصيره. كما أنه حاول الكشف عن الثغرات التي يحتويها قانون الأحوال الشخصية.


قصة الفيلم كتبتها الصحفية حُسن شاه باتفاق مع الفنانة فاتن حمامة، التي بدورها رشحت سعيد مرزوق لإخراجها. وبعد مشاورات طويلة مع المخرج وافق بشرط إعادة الصياغة عند كتابة للسيناريو، وقد اعتمد في ذلك على ملفات وكتب قانونية، وزيارات متكررة، قام بها طوال ثلاثة أشهر لقاعات المحاكم، كان خلالها يحضر الجلسات ليدرس ويراقب ما يدور فيها، وكل هذا بالطبع يحسب لصالح سعيد مرزوق كمخرج ملتزم وواع بدور السينما الاجتماعي وتأثيرها الجماهيري وساعده هذا على نجاح الفيلم تجارياً بسبب قوة الموضوع وجرأته، فقد وضع هذا الفيلم مرزوق في تحد كبير ومباشر، واختار أن يقدم الفيلم الجماهيري، متخلياً عن الكثير من نمطه السينمائى، علماً بأنه في هذا الفيلم قد ناقش بشكل جاد مشاكل المرأة العربية وحقوقها، مع محاولته إبراز الظروف القمعية التي تعيشها في ظل القوانين الوضعية. جدل واسع


أثار الفيلم جدلاً واسعًا، وتعرض لحملة دعائية من الإخوان المسلمين عبر مجلتهم "الدعوة"، وتم تصوير الأمر وكأنه مؤامرة ضد الشريعة، والصحيح هو أن الفيلم انتصار لصحيح الدين قبل أن يخضع للمؤثرات الاجتماعية والتقاليد الموروثة.


وقالت الكاتبة الراحلة حسن شاه في مذكراتها: "أريد حلا" هو أول فيلم سينمائى كتبته، بعد أن عرضت على الفنانة فاتن حمامة البدء فى كتابة القصص السينمائية، فقالت لي ما رأيك أن نقوم بعمل فيلم معا، وتكتبين قصته، فأجبت: لا مانع.. قالت لـي ألاحظ أنك مهتمة بقانون الأحوال الشخصية، فما رأيك فى تقديم قصة سينمائية فى هذا الصدد، فاستجبت لمبادرتها، فأنا على دراية بقانون الأحوال الشخصية جيدا، ويعود ذلك إلى دراستى في كلية الحقوق، ثم إننا كنا على علاقة قوية جداً بصديقتنا صاحبة القصة الحقيقية، وكانت أيضاً زميلتي في آخر سـاعة، وكانـت من عائلة كبيرة فعرضت على فاتن كتابة قصتها، وتناولها من منظور سينمائى، فأعجبتها جداً، وفكرنا كثيرا في الاسم المناسب للفيلم.


الجلسة سرية


وأضافت "فكرنا فى اسم "الجلسة سرية"، وبعد ذلك ظهر فيلم يحمل نفس الاسم ، كما فكرنا فى أسماء عديدة أخرى وفي النهاية جاءت فكرة "أريد حلاً"، كنت مترددة جداً في هـذا الاسم لأنه صعب، وليس جذاباً ثم بعدها عرضت عليها أسماء أخرى، ولكنها صممت على "أريد حلا"، وكانت الفنانة القديرة فاتن حمامة لها رؤية صائبة فى الاختيار، حيث إن الاسم ترسخ فى أذهان الناس، وارتبطوا به، ثم بدأنا نبحث عن منتج للفيلم، لم يوافق أحد على إنتاجه بسهولة، لأن الكثير من الأعمال فى ذلك الوقت كانت من الأفلام التجارية التى لا تكترث بالمضمون الهادف، كما أن القصة كانت جديدة مقارنة بما تم تقديمه من قبل فى السينما، فمن بدايتها إلى نهايتها تركز على امرأة تريد الطلاق وتقاتل للحصول عليه.


وأكدت شاه أن الفنانة فاتن حمامة دلتها على بعض المنتجين بعينهم، فقالت " رشحت فاتن حمامة بعض الأسماء لإنتاج فيلم أريد حلا، من بينهم المصور الكبير عبد العزيز فهمي، وكان منتجا كبيرا، وعندما اتصلت به قال لي لا يا حسن لا هذا الموضوع لا يصلح في السينما نهائيا، وبدأت أتخوف أن يكون مصير ورق الفيلم إلى القمامة، بعد أن رفضه المنتجون، لكن فاتن كان لها الفضل فى خروج الفيلم إلى النور، وظلت تبحـث واقنعت صلاح ذو الفقار بإنتاجه، وكانت هى المرة الأولى التى يقوم فيها سعيد مرزوق بإخراج عمل للنجمة فاتن حمامة التى أرادت تغييـر طاقمها القديم بشبان جدد يغيرون دم الإخراج والتمثيل" .


قانون جيهان


وأشارت حسن في مذكراتها إلى أن الفيلم حقق نجاحا غير مسبوق فقالت " تم عمل الفيلم وكانت النساء متأثرات جداً به لدرجة البكاء في القاعة، وجاءت الدكتورة زينب السبكي وكانت أمينة المرأة، فأقامت احتفـالا كبيـرا جـداً، وطبعت تذاكر ووزعتها على السيدات، تحت عنوان "أمينة المرأة زينب السبكي تدعوكم لحضور عـرض فـيلم أريد حلاً"، دعتنى أنا وفاتن وتكلمنا مع السيدات، ثم بدأت جيهان السادات عندما يسألها أحد عن أحسن فيلم فتقول "أريد حلاً" كما أن الرئيس أنور السادات تحدث فى أحد المؤتمرات عن رغبته فى إصدار قرار بتغيير قانون الأحوال الشخصية، الأمر الى استساغه المجتمع بعد رؤية الفيلم، وأذكر أني قابلت أنيس منصور على سلم جريدة أخبار اليوم وقال لي أنا لم أكن أتصور أن النساء تتعذب بهـذه الدرجـة فـي المحاكم، بالفعل كانت تلك القضايا من المسكوت عنها فى المجتمع المصرى، وبدأ الرئيس السادات وزوجته يفكران في تغييـر قانون الأحوال الشخضية سنة 87 بعد إجراء عدة تعديلات وأطلقوا عليه اسم قانون جيهـان ".


تليفون أم كلثوم


وقالت أيضا حسن شاه " من بين ردود الأفعال التي وصلتني كانت من الرائعة كوكب الشرق أم كلثوم، فقد رن جرس التليفون ووجدت صوتا أجش ، فقالت: حسن شاه موجودة، وتعجبت كثيرا، من منادتها لى بحسن شاه دون أى تكليف، فقلت بعنف: مين عاوزها قالت لي: أنا أم كلثوم، وكنت وقتها في حالة قطيعة طويلة مع أم كلثوم بسبب موضوع صحفي، كانت نتجته قطيعة استمرت من أوائل الستينات حتى أوائل السبعينات أى ما يقرب من عشر سنين، تتصل بى، فقلت لها: أهلاً يا فندم فقالت: اتصلت بك بعد أن شاهدت بالأمس فيلم أريد حلاً والفيلم سيكون له بصمة تاريخية فى السينما وفي تاريخ المرأة، فـانظر إلـى عظمة هذه السيدة رغم أنها استبعدتنى وغضبت منى لفترة طويلة لكن تقديرها للفن دفعها للاتصال بى لتبلغنى برأيها فى الفيلم ، فتأثرت بهذا الموقف جداً".


بيت الطاعة


أما المخرج الراحل سعيد مرزوق، فأكد في مذكراته أن لهذا الفيلم قصة تعود إلى السنة التي التحق فيها بكلية الحقوق، ودخل وقتها في العديد من المناقشات التي يسجل فيها استنكاره للمعاملة المهينة التي تتلقاها الزوجة عندما تقاد إلي بيت الطاعة، وقال "ظلت تساؤلاتي بلا إجابة الى أن جاءتني الفرصة لأطرح القضية في فيلم "اريد حلا" وعندما عرضته علي الأستاذ عبد العزيز فهمي لإنتاجه، فقال لي( عايز تعمل فيلم عن واحدة عايزة تتطلق!!) وعندما لمست إعجاب فاتن حمامة بالقصة عرضت عليها إنتاج الفيلم معي، ولكن صلاح ذو الفقار هو الذي أنتجه وراهنت علي نجاحه الجماهيري.


أما رشدي أباظة حينما عُرض عليه فيلم «أريد حلاً» مع فاتن حمامة، لم يخف فرحته عندما جاءه دور دبلوماسي خرج في حركة التطهير التي أعقبت ثورة يوليو 1952، ولاحظ خلال تصوير الفيلم أنه يذوب في الشخصية التي يجسدها، والأكثر من هذا طلب من زوجته وقتها سامية جمال بأن تناديه بلقب «إكسلانس»، وهو يعادل جناب السفير، اللقب الذي كان يعشقه وطالما تمنى أن يكون حقيقة.


أمينة رزق تُبكى الجماهير


وقالت سيدة الشاشة العربية في أحد حواراتها عن اختيارها للفيلم بدأت فكرة فيلم «أريد حلا» من قصة الكاتبة أمينة السعيد، وهي قصة سيدة طلقها زوجها بعد ثلاثين سنة زواج، وطردها من المنزل وكل ما فعله أنه قدم لها نفقة سنة، وكانت زوجة موظف كبير في الدولة، و تزوج بأخري صغيرة السن، واضطرت السيدة المطلقة بعد أن عاشت طوال عمرها ميسورة الحال، إلى أن تعمل فراشة في إحدى المدارس!!، وهذه الحكاية قدمتها أمينة رزق في الفيلم في الحقيقة هذه القصة أوجعت كل الحضور.. وكان تأثير ما قالته شديدا وأبكتنى.. وكانت هناك سيدة أخري تعيش ماساة الزوجة التي تتعذب بسبب استحالة الحياة مع زوجها وفشلها لسنوات فى الحصول علي الطلاق وهروبها المستمر من تنفيذ حكم الطاعة بقوة الشرطة في الحقيقة هذه القصة أوجعت كل الحضور .


وتكمل فاتن حمامة: واتصلت في اليوم التالي بالكاتبة حسن شاه، وطلبت منها كتابة قصة فيلم تناقش هذه القضايا الرهيبة باعتبارها دارسة للقانون، فهذه القصص تحتاج الي بحث دقيق وواف في أحكام الشريعة، وأي خطأ في هذه المنطقة غير مسموح به علي الإطلاق، وبالفعل قامت حسن شاه ببحث ودراسة شديدة العمق، وقامت بزيارات كثيرة ميدانية للمحاكم المصرية ، وسجلت معاناة السيدات المصريات التي يتعرضن لعذاب شديد تارة من أزواج غير شرفاء، وتارة أخري من الثغرات القانونية وبطء التقاضي، وكان عملا حساسا جدا، فلو وقع في أي خطأ خاص بالشريعة أو الفقه أو المذاهب الدينية " كانت الدنيا اتقلبت علينا".


حالة غضب


وأكلمت فاتن حمامة كلامها قائلة:


"اتذكر أنه في اليوم الأول لعرض الفيلم في السينما، ذهبت مجموعة من السيدات ومعهن مذيعة مشهورة في التليفزيون آنذاك، وكن في حالة غضب شديد من طرح فكرة بهذا الشكل، وظللن يبحثن عن أى خطأ في تناول أحكام الدين أو الشريعة ، لكن بعد انتهاء العرض، علقن على الفيلم بشكل إيحابى، وقلن "أريد حلاً عرض القضية بمنتهي الأمانة، ولا يوجد خطأ واحد في الطرح والمعالجة، وطبعا المخرج سعيد مرزوق كان (هايل) فقبل التصوير ذهب الي المحكمة عدة مرات ليشاهد معاناة السيدات، ورصد الانتظار في المحاكم وتكدس القاعات، والاحتكاكات بين الازواج والزوجات، وبكاء الصغار وتلاعب بعض المحامين، وتلاعب أصحاب شهادات الزور ودورهم في تعثر العدالة.


والكاميرا كانت تتحدث بلغة إنسانية شديدة الصدق، وصنعة الفيلم كانت مضبوطة، والرسالة وصلت".


كما أكدت فاتن في تصريحات لها بأن المشهد الأخير من الفيلم هو من أكثر المشاهد التي أبكتها بشكل حقيقي طوال تاريخها الفني، وقالت:


" في المشهد الأخير من الفيلم استقدم سعيد مرزوق نساءً يبكين بالفعل، وعندما شاهدتهن شاركتهن البكاء حقيقة".


ويعتبر فيلم "أريد حلاً" أول فيلم يتكلم في مصـرعـن الخلع، وذلك من خلال المشهد الذي دار بين فاتن حمامة ووزير العدل، عندما اشتكت للوزير، وقالت له إن الرسول جاءت له زوجة ثابت بن قيس، وقالت لا أعترض عليه في خلق أو ديـن، وإنما لا أطيقه بغضاً، فأمر الرسول بتطليقها