المخرج محمد خان .. النموذج والإبداع

31/10/2016 - 10:21:47

نور الشريف يتوسط خان والشيمى نور الشريف يتوسط خان والشيمى

بقلم: سعيد شيمى مدير تصوير سينمائى

تبدأ معرفتنا وصداقتنا من الطفولة.. ترعرعنا معاً وأحببنا السينما معاً.. وكل منا سلك طريقه بشكل ما، عندما سافر مع والديه إلى لندن عام 1959 ونحن في سن الشباب، قرر هناك أن يدرس السينما حيث أيقن أن هذا هو طريقه فى الحياة.. كان يحبها بشدة.. شدة تصل إلى الحب الجنونى.. لأنه يملك خيالاً متسعاً ورؤية تنمو باستمرار وتزداد ثقافة ومعرفة وهو هناك.. لندن عرض مفتوح على سينمات العالم من أمريكا الجنوبية والكتلة الشرقية.. وفرنسا وإيطاليا والشمال الأوروبى.. تبلورت ثقافته السينمائية بجانب الدراسة إلى بوتقة انصهر فيها فكره وأمله أن يصنع أفلاماً سينمائية مختلفة فى بلده.. مصر.
كانت دائماً العقبة أنه أجنبى.. بالرغم أنه لا يعلم ولا يشعر إلا بالبلد التى ولد بها وأحبها ويشعر بنبض شعبها وأرضها.. تمر السنوات فى كفاح بطولى من أجل أن يرجع إلى بلده ويحقق حلمه.. وينجح في ذلك بالعودة النهائية فى خريف عام 1977، وكأن القدر أصبح رحيماً به بعدما أصبح فى منتصف العمر، حيث يعجب الفنان الراحل نور الشريف بالسيناريو المقدم له منه ويقرر إنتاجه فى باكورة أفلام محمد خان الروائية الطويلة حيث عرض الفيلم "ضربة شمس" عام 1980، بعدما حصل على عدة جوائز محلية ودولية.. ومن هنا كتب النجاح لمحمد خان كمخرج جديد له نظرة مختلفة سينمائية وقتها خاصة فى شكل التكنيك والحركة وأسلوب غريب عن السينما المصرية، حيث إن الفيلم بالكامل مصور فى شوارع وأزقة القاهرة، وهذا لم يكن من سمات الفيلم المصرى وقتها، إلا فى فيلم وحيد عام 1954 للمخرج الكبير كمال الشيخ باسم "حياة أو موت".
وبدأت مسيرة خان السينمائية بـ 24 فيلماً روائياً وبعض الأفلام القصيرة.. وهى مسيرة تشرف أى فنان يحترم فنه وقيمه الإنسانية وبلده ويعمل بكل حب وإخلاص لرفع هذه القيم.
طوال حوالى عشرين عاماً وهو فى الغربة لم تنقطع أواصر الصداقة والمحبة بيننا بالخطابات وشرائط الكاسيت المسجلة والزيارات المتبادلة.. ولم يخفت حديثنا ومناقشتنا.. بل أحيانا شجارنا.. ومحوره الأفلام والسينما.. آمنت بموهبة خان من زمن كبير.. فى الصبى حيث كان يكتب القصص.. فى كراسة ويأتى لمنزلنا يجمعنا أنا وأختاى.. ليقرأ لنا أفكاره.. وكانت أغلبها مأساوياً.. أو بوليسىاً، وأختى الصغرى تبكى من قصصه.. ونهم بإفهامها أنها قصص وليست حقيقية!!
فى لندن يرسل لى أفكاراً عديدة وينشد ويتمنى أن ينفذها فيلماً فى يوم ما.. وفى عام 1972 يحضر لمصر ونصنع معاً فيلماً روائياً قصيراً مقاس 35 مللى باسم "البطيخة".. بعدما أصبحت أنا مصوراً محترفاً ودرست السينما والتصوير بالمعهد العالى للسينما، ومحاولات عديدة مر بها خان ليكون مقيماً وصانع أفلام هنا.. ولا مكان آخر إلا هنا.. بمصر.
كتب لى يوماً فى أحد خطاباته وهو فى أشد الألم واليأس "ولكن فى الكتابة لك أجد ملجأ للاتصال مع وجه آخر لنفسى".
كنت أنا الوحيد القريب له وجدانياً وعاطفياً والذى يؤمن بأنه يملك موهبة حقيقية ولكن ظروف هجرته ومرض والده والحياة الأسرية حيث إنه الولد الوحيد لوالديه تحتم عليه أن يرعاهما بكل ما يملك من جهد ومال.. ولذلك كان يعمل فى لندن باستمرار حتى يسدد ديون والده ويدفع أقساط المنزل المقيمين به.. ظروف صعبة دائماً تبعده عن حلمه السينمائى الذى لم يخبو يوماً ما عن فكره أو عقله.
وفى أحد المواقف التى فشل فيها فى استمرار العمل السينمائى هنا وأوصلته للرجوع بالباخرة من مدينة بورسعيد إلى لندن .. كتبت له خطابا.. هو ذكرنى به بعد سنوات فى أحد خطاباته لى.. حين كنت أعمل كمصور محترف.. وهو هناك يكافح من أجل حياة أسرته.. وأعتقد أنى نسيت حلمنا المشترك من الشباب فى صنع أفلام تعبر عما نحبه ونعتقده ونرضى به.. كتبت إليه "حاول أن تتمتع بأيامك على ظهر الباخرة.. فإنها فرصة لتحاسب نفسك فى هدوء البحر وسحره.. فرصة لتفكر فى مستقبلك الباسم.. لاشك أنه مستقبل باسم.. وحين تصل إلى ذلك المستقبل سأذكرك بكلماتى هذه، وسأقول لك أنا ولا فخر، أنا أول من تنبأ لك بذلك، وأول من يهنيك بكل قلبه وشعوره، أخى ما أقرب الأمس باليوم.. بضع أيام ونلتقى.. ثم بضع سنين نعيش.. وبضع آلاف تبقى.. تبقى الذكرى.. وسيقولون فى يوم من الأيام محمد خان، الذى أحيى السينما العربية، الذى أسس مدرسة الواقعية فى مصر، الذى كان له الفضل فى وصول الفيلم العربى إلى العالم، لأنه اقترب من الحياة وصورها ونقلها كما هى.. إن لغة السينما يا خان ليست الإنجليزية أو الفرنسية، أو الإيطالية أو العربية.. أو أى لغة.. لغة السينما الحقيقة والواقع ولو اختلفت المجتمعات.. لأن النفس البشرية واحدة، لا تختلف كثيراً فى الجنس أو النوع فى الصين أو أمريكا.. الإنسان هو الإنسان.. والواقع الذى يلمسه بيده كل يوم ولا يشعر به.. يجب أن يلمسه ويراه على الشاشة، ومن هنا تأتى اللغة.. ربما لا تفهمنى" كتبت له هذا عام 1963، وكنا فى حلمنا الكبير معاً أن نصنع أفلاماً تعبر عنا.
كل أفلام خان أو سينما خان من بعد هى أفلام من الناس ويعطيها مذاقه ويرجعها لهم مرة أخرى.. الناس العادية والحياة بكل ما بها من تناقض هذا ما يميزه.. فإن له نظرة خاصة ويستخلص لقطات مختارة هو الذى يراها بحرفة وفهم فى إثراء فيلمه.. وعمل منها نسيجاً يغزل بمهارة مؤثرة جامعاً الدراما والصورة وشريط الصوت فى سيمفونية أحبها جمهوره ومن يستحسن فهم فن الفيلم.. خان جمع بين ثقافة الشرق وثقافة الغرب.. وهذا جعل من أفلامه شيئاً فريداً ومختلفاً ومميزاً.. وحتى أيامه الأخيرة كان يحلم بالعمل بفيلم جديد وموضوع فريد.. وأعيد مقولة كتبتها من قبل فى نهاية كتابى عن أفلامى مع عاطف الطيب" 1999، وهى مقولة من تاريخنا العريق للحكيم المصرى "سنب حوتب" ومنذ 2697، من الأسرة الرابعة، يقول "حافة القبر ليست نهاية الوجود، بل هى باب يغلق على الحياة ويفتح على الخلود" ومع كل التكريمات التى صاحبت وفاتك فى مصر والوطن العربى.. نعى قيمتك وخلودك.