بعد حوار «السيسي» ... كيف يمكن النهوض بالأداء الإعلامي؟ .. الخبراء والمتخصصون : الإعلام المصرى فى مأزق

31/10/2016 - 10:19:44

الرئيس السيسى مع مقدمى التوك شو الرئيس السيسى مع مقدمى التوك شو

تحقيق: عمرو والي

لايكاد يخلو حديث أو خطاب للرئيس عبد الفتاح السيسي دون تناول الإعلام ودوره وأهميته، وكان آخرها حواره مع رؤساء تحرير الصحف الأسبوع قبل الماضى والذي أكد خلاله أنه لايوجد سياق إعلامي يعكس حقيقة ما يجري فى الدولة المصرية، متهماً البعض بتبني حالة تكرس للإحباط، وتؤدي إلى تغييب الأمل لدى المواطن، لاسيما مع تداول قضايا وموضوعات قائمة علي معلومات مغلوطة أو رؤي غير سليمة، مما يضر الأمن القومي للبلاد، فيما ألمح السيسي لأول مرة بشكل صريح عن مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي، ودورها فى بث الشائعات ...«الكواكب» تطرح تساؤلاً حول المشهد الإعلامي الراهن، وكيف يمكن النهوض به؟ وما مدي قدرة المواطن العادي على التفريق بين ما هو حقيقي ومزيف للمواد الإعلامية المعروضة عليه؟ وذلك من خلال المتخصصين عبر السطور القادمة.
يقول الدكتور سامي عبد العزيز، عميد كلية إعلام القاهرة الأسبق، إن المحلل لخطب، وحوارات الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ أن تم انتخابه بل وقبل انتخابه، يستخلص أن الإعلام وأهمية دوره يأتي في مرتبة متقدمة جداً في قائمة اهتمامه، لافتاً إلى أن هذا الاهتمام المتواصل يعكس تقدير الرجل للتأثير المتزايد للإعلام في اتجاهات الرأي العام المصري بكل مستوياته، وإدراكه قدرة الإعلام في بناء الوجدان المصري وامتداد ذلك لصورة مصر الدولة في الداخل والخارج، موضحاً أن هذا الإهتمام يعود في جزء كبير منه الى أن الأداء الإعلامي يأتي أيضا في مقدمة أجندة الرأي العام سواء علي مستوي النخبة والخبراء أو علي المستوي الجماهيري، مدللاً علي ذلك بأحاديث الرجل العادي فى الشارع.
تساؤلات مشروعة
ويضيف عبد العزيز أن المشهد الراهن يجعلنا نطرح الكثير من التساؤلات منها كم من المتصدرين للعمل الإعلامي متأهل بالفعل ويعرف ماذا يعني الرأي العام ويعرف الفرق بين الرأي والمعلومة والحقيقة؟ هل هذا السيل الهائل من القنوات التليفزيونية والإذاعية والصحفية والاليكترونية قام علي دراسات تؤكد الاحتياج إليها أساسا أو توجه مساراته وتحدد لها أولوياتها أم التمويل المجهول أحيانا والاحتكار الإعلاني الوهمي هي أسباب استمراره رغم الخسائر الفادحة التي يعرفها القاصي والداني؟ وأسال هل الدولة ومعها الإعلام الوطني يدركان حجم الهدم الخفي والمعلن الذي يحققه الإعلام الاليكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي وتتعامل معه بجدية واحترافية حقيقية؟ وهل يلتزم إعلامنا بكل أنماط ملكيته بأجندة وطن يعاني ويكافح ويسعي للنهوض بعد 5 سنوات عجاف، هل يمتلك الإعلامي المصري الحس السياسي ليعرف ماذا ومتى وكيف يقول والعكس أيضا؟.
فيما يشير عبد العزيز إلى أن الإعلام ساهم جهلاً أو عمداً فى تشويه علاقة مصر بدول شقيقة وصديقة، لاسيما مع التهور فى نقل المعلومات بحثاً عن السبق فقط، وهو ما جعله يحرج الدولة المصرية، لاسيما ان ملف مثل العلاقات الخارجية يحتاج إلى لغة شديدة الخصوصية، خاصة وأن الإعلام الغربي يستمد بعض معلوماته من الإعلام المصري، وهنا يجب عليه تناول القضايا من منطلق وطني، وبشكل أكثر إيجابية ووعيًا في مواجهة الأزمات لأن كل مجتمع لديه تحديات ولكن لا يجب أن يحولها الإعلام لعقبات، وهنا يجب التأكيد علي أن الإعلام يركز بجرعات زمنية علي السلبيات، بينما يتناول الإيجابيات بشكل مؤقت دون عرض تداعياتها.
ووجه عبد العزيز الدعوة إلى ضرورة عقد مؤتمر يجمع الباحثىن المتخصصىن فى الشأن الإعلامي، ونجوم الإعلام الحاليين من القائمين علي الصناعة وممثلى الدولة وأعضاء مجلس النواب لبحث الخروج بإعلام يأخذ بيد البلاد إلى الأمام.
دور الدولة
يؤكد الخبير الإعلامي الدكتور ياسر عبد العزيز، أن المشهد الإعلامي فى الوقت الراهن مثل بقية الأطر الخاصة الأداء الوطني فى مجمل القطاعات، لافتاً إلى أنه يعاني من التراجع، ويتعرض للكثير من الضغوط، ويتسبب فى الكثير من الأضرار وهي حقيقية لايمكن إنكارها أو الالتفاف حولها، متسائلاً ما هو دور الدولة حيال الأداء الإعلامي؟.
ويضيف عبد العزيز أن دور الدولة يتخطي فكرة التشخيص وتوجيه اللوم والانتقاد، حيث يتسع ليشمل التخطيط ووضع السياسات الإعلامية، ويتضمن إصدار القوانين والتشريعات المنظمة للمجال الإعلامي، موضحاً أن الدولة مسئولة عن محاربة الشائعات والمعلومات المغلوطة، من خلال إصدار قانون حرية تداول المعلومات، وهي مسئولة عن إعادة هيكلة كل وسائل الإعلام المملوكة لها، والتي أضحت تعاني من الفساد والعجز وضعف التأثير.
ويشير عبد العزيز إلى أن هناك اعتراف من الجميع بأن الأداء الإعلامي متراجع ودوره مترد للغاية، وأن هذا الوضع سبب الكثير من المشكلات، خلال الفترة الأخيرة، ولكن يبقي علي الدولة واجب فى النظر إلى تلك المشكلات ومعالجة الأوضاع بشكل فوري، هذا من ناحية ومن الناحية الأخرى فالقطاع الخاص يجب أن يتحول القائمون عليه إلى رجال صناعة بعيداً عن منطق تحقيق المصالح الضيقة، والمكسب والخسارة فقط.
مسئولية مشتركة
مؤكداً من جانبه أن معظم المعترضين لوسائل الإعلام، والقطاع العريض من المتفاعلين مع وسائل التواصل الاجتماعي، لا يمتلك التأهيل او الخبرة أو الأدوات اللازمة لكي يفرق بين الأداء الجيد أو المفبرك، أو أن يفزر الشائعات عن الأخبار الصحيحة، لأن فكرة المعلومات المغلوطة أو الفبركة والاصطناع هي درجات متفاوتة فى النهاية، وبالتالي فالحاجة أصبحت ماسة إلى وجود برامج تسمي برامج التربية الإعلامية ، وهي عبارة حزم من الأنشطة التوجيهية والتثقيفية التي توجه للجمهور العادي بغرض تعزيز قدرته علي الفرز بين الصحيح والمغلوط، والمزيف من الأصيل، لاسيما ما يتعلق بوسائل الإعلام الاجتماعي، وتعريف الجمهور بأبسط العناصر المهنية مثل مصادر الأخبار، وتقييم جودة وسيلة الإعلام، وتحري الدقة عند مشاهدة الأخبار أو التعرض لها.
ويوضح أيضا أن الأمر برمته مسئولية مشتركة بين صناع الإعلام والدولة والمجتمع المدني، والتعليم مثل المعاهد والجامعات حتي يمكن النهوض بالأداء الإعلامي لأن صناعة الإعلام حالياً تعمل بلا أي معايير واضحة أو ثابتة وهو ما تسبب فى المشهد الراهن فى حوادث متكررة لاستبعاد إعلاميين من الساحة أو حدوث مشكلات معهم طالما أنه لا توجد قواعد لممارسة مهنة الإعلام، يمكن أن يقوم بدوره الحقيقي فى البناء.
تحديات الدولة المصرية
فيما ترى الدكتورة هويدا مصطفي، عميد المعهد الدولى للإعلام بأكاديمية الشروق، أن الفترة الحالية من عُمر الدولة المصرية تتطلب أن يقوم الإعلام بدوره ووظيفته ومسئوليته الاجتماعية، حيث تواجه الدولة المصرية الكثيرمن التحديات والمشكلات على المستويين الداخلي والخارجي التي تستوجب على الإعلام رفع درجة وعي المواطن بخطورة تلك المرحلة، وأهمية الدور الذي يقوم به، بالإضافة إلى شرح الكثير من السياسات التي ربما لاتصل بالشكل الصحيح نتيجة وجود عوامل عائقة مثل الشائعات التي يتم ترويجها، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي فى بث أفكار أو أخبار مغلوطة، وهنا يجب أن يلعب الإعلام دوره فى تماسك الجبهة الداخلية، وإبراز الخطط التي تتخذها الدولة في مواجهة التحديات.
وتضيف مصطفي أن الجميع متفق تماماً علي أن حرية الإعلام مكفولة، ولكن هناك مسئولية وطنية فى تلك الظروف تستوجب تناول المعلومات بشكل صحيح ودقيق، لا أن يكون هناك تسرع دون التحقق، كذلك عدم الانجراف وراء كل ما تبثه وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي لأن غالبيتها غير صحيح، وهي فى النهاية ليست وسيلة إخبارية، بل أداء للنقاش والتعبير عن الأفكار، إلا أن البعض أصبح يعتبرها مصدره الاساسي وينقل منه بحثاً عن السبق فقط.
وعي المواطن
فيما تؤكد مصطفي أن المشاهد العادي أصبح لديه وعي أكبر عن ذي قبل لاسيما مع مرور البلاد بأحداث عديدة سياسية واجتماعية على رأسها ثورتي 25 يناير و30 يونيه، وهو ما أدى إلى اهتمامه بالشأن العام، وما يجري حولنا من أحداث، وساعد على رفع درجة الوعي لديهم، محذرة من خطورة الشائعات وانتشارها مثل النار فى الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، لافتة إلى أن فكرة المشاركة على تلك المواقع تحقق عامل الانتشار السريع دون تحقق، وهو ما يستوجب علي الجهات المسئولة والمهتمة بالشأن العام بضرورة مواجهة الأمر بالرد عليها بشكل سريع ودقيق وبمعلومات صحيحة موثقة، حتي لايتم ترك أي ثغرة لمرور الشائعة من خلالها.
وتؤكد على أن الإعلام ضمن أدواره الرئيسية هو الكشف عن أي سلبيات أو فساد، وإذا لم يقم به أصبح بلاقيمة، لأن الإعلام هو الوسيط بين الشعب ومتخذ القرار، ولكن تبقي نقطة هامة وهي أن فكرة التركيز علي السلبيات بغرض الإثارة والتضخيم فقط كما حدث فى بعض الوقائع خلال الفترة الماضية أمر غير مقبول، لأنه يجب تناول الموضوعات فى إطار الموضوعية والمهنية، ومنها علي سبيل المثال تناول أخبار ارتفاع أسعار السلع التموينية فكما نبرز حديث المواطن، يجب تسليط الضوء أيضاً علي الحملات التي تقوم به الجهات الأمنية لضبط المخالفين، حتي يساعد الإعلام فى فكرة الإصلاح.
تحكم رأس المال
يقول الدكتور سامي الشريف،الأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة، والرئيس الأسبق لاتحاد الإذاعة والتليفزيون، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي سبق وأن تعرض لدور الإعلام ومسئوليته فى أكثر من حديث له خلال الآونة الأخيرة، لافتاً إلى أن الإعلام يمر بحالة من الفوضي غير المسبوقة، نتيجة خلل فى تنظيمه، ودخول الكثيرمن الدخلاء علي مهنة الإعلام فغابت المهنية وتحكم رأس المال الذى تسعي إليه بعض وسائل الإعلام الخاصة، عبر الإثارة بعيداً عن الموضوعية والمهنية. ومن هنا فالمراقب لوسائل الإعلام المصرية يجد حالة من التردي لأن القطاع الخاص يتحكم فى وسائل الإعلام المقروءة، والمسموعة، والمرئية وبالتالي لايمكن أن نعتبرها وسائل إعلام يمكن استخدامها فى عمليات التنمية للدولة المصرية.
ويضيف الشريف أن الرئيس السيسي ناشد هذه الوسائل أن تقف بجانب الدولة وأن تحمي كيانها من أجل بناء مستقبل الوطن، وهذا الأمر لايأتي بالأمنيات ولكن بالضوابط والتشريعات، التي تحكم الأداء الإعلامي، موجهاً حديثه للرئيس السيسي قائلاً: «بدلاً من أن مطالبة وسائل الإعلام أن تقف بجوار الدولة يجب أن يتم إصدر قرارات عاجلة وفورية بتشكيل هيئات الإعلام والتي نص عليها الدستور المصري، حيث أنها لم تنشأ إلى الآن لسر لا يعلمه إلا الله، و كذلك إنشاء نقابة الإعلاميين التي يمكن من خلالها تحديد من هو الإعلامي ، ومن هو الذى يستطيع أن يطالع الجمهور علي شاشة التليفزيون وأن يتم وضع الضوابط والتشريعات التي تحكم الأداء الإعلامي هنا نستطيع محاسبة وسائل الإعلام».
سائق التوك توك
وأشار الشريف إلى أن الأمور حالياً أصبحت مغلوطة حيث اختلط الحابل بالنابل، وأصبح المشاهد العادي لايستطيع التفريق بين الحقيقي والمفبرك، فى وقت اعتمد فيه الجميع علي مواقع التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات للصحف والقنوات التليفزيونية بل وصانع القرار فى بعض الأحيان، مما يتيح الانتشار الواسع لتلك المواد والأخبار المغلوطة كما حدث فى واقعة سائق التوكتوك، الذى خرج بحديث انتشر جراء قيام وسائل الإعلام بتداوله وهنا يجب النظر والتمعن لتوقيت نشره ومن ألقى الضوء عليه؟، وما هي الأهداف من انتشاره الواسع، لأنه لولا عدم تعرض الإعلام له أو تسليط الضوء عليه لأصبحت الواقعة نكرة، لن ينتبه إليها أحد، فكان الغرض هو الشو الإعلامي، لأن هناك قنوات ليس لديها محتوى فتسعي إلى الإثارة فقط جذبا للانتباه.
التليفزيون المصري
وقال الدكتورمحمود علم الدين، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة إن المشهد الإعلامي الراهن يحتاج الكثير من المراجعة، لاسيما بعدما أصابه من حالة انفلات واضحة، وارتباك وخروج على المعايير المهنية، وزيادة حالة الاستقطاب، وتعميق الخلافات السياسية وتوتر العلاقات المصرية مع بعض الدول العربية، موضحاً أن أحاديث الرئيس عبد الفتاح السيسى عن مؤامرة تحاك ضد مصر واستقرارها من خلال عدد من المواقع الإخبارية والفضائيات الممولة من تنظيم الإخوان يعطى رسالة قوية وموجهة إلى الداخل والخارج، مشدداً علي أن هذه الرسالة موجهة إلى بعض وسائل الإعلام المصرية الباحثة عن الترويج لنفسها من خلال افتعال بعض الموضوعات ، وتضخيم بعض الأزمات، لذا هنا يجب توخى الحذر وألا تنساق وراء المعلومات المغلوطة.
وأضاف علم الدين أن الحرب الإعلامية ضد مصر تعتمد على تزييف الحقائق ونشر الكراهية و العنف، فهي لا تراعي المسئولية الاجتماعية أو العمل المهني والأخلاقي ، مشيراً إلى أن أخطر ما تواجهه مصر حاليا هو حروب الجيل الرابع وفى المرحلة الأخطر منها والتى تعتمد على الترويج للشائعات وهدم النفسية المصرية وذلك بوسائل الإعلام الحديثة من مواقع التواصل الاجتماعى ومواقع اليوتيوب وغيرها من المواقع.
وأوضح علم الدين أن التليفزيون المصري يواجه منافسة حادة من القنوات التي لديها تمويل ويشهد التليفزيون في الفترات الأخيرة السابقة الكثير من المشاكل ولكن هذا يضع التليفزيون في موقف حرج ومن الضروري إن يراجع التليفزيون خريطة برامجه هذا بالإضافة إلي احتياجه الي فكر ابداعي يغير شكل الشاشة المصرية ويمنع التكرار كما يوجد الكثير من القنوات في التليفزيون المصري تحتاج إلي دمج ودراسة ما يحتاج ان يراه المشاهد وإنشاء قنوات جديدة تعبر عن أهداف واحتياجات المشاهدين.