زوجتى والكلب .. وعالم سـعيد مرزوق

06/10/2014 - 12:40:23

فيلم زوجتى و الكلب فيلم زوجتى و الكلب

كتب - طارق الشناوى

جاء للسينما بروح المغامر.. كانت هذه المغامرة ممكنة في أفلامه التسجيلية الأولى، ولكن عندما يدخل إلى مضمار السينما الروائية فإن المغامرة هنا لها مخاطرها غير مأمونة العواقب.


من الواضح أن سعيد مرزوق في أول أفلامه الروائية "زوجتي والكلب" لم يكن يريد سوى أن يكون نفسه.. لهذا جاء فيلمه تعبيراً عن رؤيته وأحاسيسه.. إن سعيد يحب دائماً أن يعزل شخصياته لنراها وكأنها خلف حاجز زجاجي لنكتشف مشاعرها وطموحاتها وإحباطاتها.. ولهذا يختار المكان الشفاف النائي الذي يتيح له ذلك.. شخصياته تقيم على البحر - تحقيقاً لهذا الانعزال - سعاد حسني ومحمود مرسي في شهر العسل.. والجنس بين بطلي الفيلم يعبران به عن الوحدة والوحشة.


يبدأ الفيلم _ الذي كتبه أيضاً سعيد مرزوق _ بضحكات للقاء جنسي بين محمود مرسي وسعاد حسني، اللقاء الذي نتعرف به على الشخصيات.. امرأة في مطلع العشرينيات ورجل في الأربعين، رجل محمل بكل تجاربه وتاريخه، إنه يقف في منتصف العمر حيث إن الماضي دائماً له جاذبيته لكنه لا يخرج تماماً عن اللحظة، امرأة تعيش لحظة الحب الأول والجنس الأول.


في ذروة اللقاء الجنسي بينهما كانت كاميرا مدير التصوير عبد العزيز فهمي تنقل برؤية المخرج سعيد مرزوق نظرات عينيه المليئتين بالتوجس، بينما عينيها ليس فيهما إلا الشبق الجنسي الزائد وسعادة غامرة برجل يمنحها ما تريده، وهذا ما يزيد الأمر حيرة لدى المشاهدين لقطة لعيون رجل كلها توجس وامرأة كلها ارتياح. موسيقى سيد درويش بتوزيع إبراهيم حجاج تجيب عن هذا التساؤل وهي تردد "زروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة"، ثم محمود مرسي يحيل نظرات عينيه إلى كلمات عندما يقول لسعاد حسني "ح تفتكريني مش كده؟" السؤال المذعور الذي يحمل الإجابة بداخله.


صوت البحر يأتي في نهاية هذا المشهد لننتقل إلى مشهد تال ومحمود مرسي في البحر متجهاً إلى الفنار حيث يعمل.


إنه الكبير لهؤلاء بحكم أنه رئيسهم في العمل، إلا أنه أقرب إلى الزعيم، المكان موحش يحرك دائماً في الشخصيات تلك الروح بأن يتولي أحدهم مسئولية القائد بل والزعيم متجاوزا دور رئيس العمل.


نور الشريف شاب في مطلع العشرينيات من عمره، لا يملك سوى أن يجمع صور النساء الجميلات ليلصقها على الحائط، أو ينظر إليها من خلال مجلة ويحلم بها في لقاء يحققه في خياله. المكان المنعزل والرغبة الجنسية المكبوتة تحرك لسان نور الشريف لكي يسأل على استحياء وبضحكة تكشف بقدر ما تدعي أنها تخفي هذا الاستحياء عن تفاصيل ليلة الزفاف الأولى. محمود مرسي يرفض، لكن سعيد مرزوق لا يقدم لنا حكيا للرواية فقط، إنه يقدم أيضاً ما يجري في خيال شخصياته ولهذا فإن الرفض الواقعي لمحمود مرسي تحول إلى خيال متحقق وإجابة نور الشريف التي يراها ولا يستمع إليها في الواقع يسمح بها البناء السينمائي القائم على تحقيق الخيال، نشاهد التفاصيل بين محمود مرسي وسعاد حسني ، في جرأة سينمائية ممزوجة ببلاغة تعبيرية تتجاوز بخطوة بعيدة حال السينما وقتها مطلع السبعينيات.


نور الشريف يقف في حضرة أستاذه ومعلمه وعرابه يريد أن يستفيد أكثر يريد أن يروي ظمأه الدائم للجنس غير المشبع، ولهذا يطلب منه أن يحكي عن غزواته النسائية والأصدقاء الذين خانهم وقد كان محل ثقتهم، إن النساء كما يراهم محمود مرسي من السهل خداعهن والرجال الأزواج لا يدققون كثيراً!! الكبت الجنسي لدى نور الشريف يزداد كلما استمع إلى حكاية من تلك التي يرويها محمود مرسي، فهو في تلك السن المتقدمة يميل كثيراً إلى أن يذكر غزواته النسائية، يقف نور الشريف على البحر في لحظة استغراق، تسقط منه الصور تباعاً ويبلغ التوحد بين الحلم والواقع إلى أن تتجسد الصور أمامه وتصبح بشراً تداعب رغباته وينزل وراءها إلى البحر ويصعد بها لينشرها أمامه بعد أن بللها الماء.


نستمع إلى وقع خطوات نور الشريف وهو يقترب من أستاذه ومثله الأعلى محمود مرسي، الذي يبدو وكأنه يجلس على كرسي الاعتراف والكاميرا تتحرك "شاريوه" وهي تتابع هذا اللقاء بينهما.


إن نور الشريف يرى أن كل ما يحتفظ به مجرد صور لا يعرفها ولكن أهم صورة هي التي يحتفظ بها محمود مرسي في حقيبته إنها زوجته سعاد التي مارس معها الجنس، ولهذا يسرق نور الصورة من حقيبته ويحتفظ بها.


نور الشريف يحصل على إجازته وهو محمل بأن يسأل عن سعاد حسني وأن يراقبها بعد ذلك من بعيد لبعيد تنفيذاً لطلبات أستاذه.


يعود سعيد مرزوق لتأكيد بنائه السينمائي القائم على تجسيد الخيال، ولهذا فإنه يقدم اللقاء بين محمود مرسي وسعاد حسني من وجهة نظر محمود التي تشك دائماً في المرأة، ولهذا نرى بين نور وسعاد لقاءً جنسياً توقعه محمود مرسي بينما الجانب الآخر لتلك الرؤية _ الواقع _ ينفي ذلك، حيث إن سعاد وقفت على الباب ولم تأذن له بالدخول إلى البيت، ولم يحدث بينما أكثر من كلمة مجاملة حيث قالت له تفضل ولم يدخل.


ظل نور الشريف بعيداً عن واقع الجنس، يعيش فقط على الصور التي يراها أمامه ويحتفظ في داخله بصورة سعاد حسني المرأة الوحيدة التي رآها أمامه لكن الأمر لم يزد عن سلام عابر.


يظل بناء الفيلم خيالاً موازياً للواقع وواقعا به مذاق الخيال ،حيث إن محمود مرسي يصعد ومعه نور الشريف إلى الفنار ويتخيل كيف أنه استطاع أن يلقي بنور الشريف من أعلى انتقاماً منه.. إنه مجرد حلم يقظة لا يحققه محمود مرسي بالطبع حيث إنه يصعد فعلاً مع نور الشريف لأعلى الفنار، لكنه يعود ويكتفي بأنه حقق انتقامه _ في الخيال _ وقتل نور الشريف.


انتهى الفيلم مع لقطة للبحر المتلاطم الأمواج.


بالفيلم تكثيف شديد للحوار بقدر لا يخدش إيحاءات الصورة السينمائية.


يحرص سعيد مرزوق على أن يتحرك في ثلاثة أزمنة، الماضي والحاضر والمستقبل.. وفي العادة فإن هذا المستقبل يتحول إلى مجرد صورة من الخيال لا تتجسد في الواقع.


هذا البناء المتداخل في الأزمنة قدمه سعيد مرزوق بحرفية عالية، فهو لا يريد أن يجهد جمهوره في التلقي، لكنه يضع نفسه والجمهور على نفس الموجة.


لحظات الصمت الكثيرة جسدها باقتدار محمود مرسي، وروح التجريب للمخرج ساعده على تأكيدها المصور المبدع عبد العزيز فهمي الذي كان يغلف بالاضاءة غير الصريحة على مستوي الرؤية تلك الضبابية واللايقين الذي تعيشه كل الشخصيات. كان النجوم الثلاثة سعاد حسني ومحمود مرسي ونور الشريف في ذروة الوهج على مستوى الأداء الدرامي وتستطيع أن تري وكأن سعيد مرزوق يُسقط على نور الشريف كل مشاعره وأحلامه وإحباطاته وحتى شبقه الجنسي .


استطاع سعيد مرزوق أن ينقل جمهور الفيلم معه إلى هذا المكان الموحش، لكننا في نفس الوقت ألفنا هذا المكان واقتربنا من شخصياته لكننا لم نصدر أحكاماً.


محمود مرسي الذي خان أصدقاءه لا تشعر أن عليه أن يدفع الثمن ويشرب من نفس الكأس.. المخرج حافظ على تلك المسافة بيننا وبين الشخصيات فلا نتعاطف معها، وفي نفس الوقت لا نصدر أحكاماً عليها.


هدف الفيلم أبعد من كل ذلك.. إننا نرى في "زوجتي والكلب" الصراع الذي لا يهدأ داخل كل منا بين الحلم الذي نريده والواقع الذي يكبل هذا الحلم، كانت نقطة الانطلاق هي هذه الحكاية البسيطة لرجل له ماض يتزوج فيتشكك في زوجته.. لكن ما أراده سعيد أبعد بكثير من ذلك، إنه يقدم الخيال والواقع داخل كل منا وكيف أن الإنسان _ كل إنسان _ يعيش حياتين واحدة واقعية والثانية في الخيال، الثانية لا تقل في واقعيتها عن الأولى بينما الأولى في حقيقتها لا تقل أيضا عنها في جنوحها للخيال!!


تستطيع أن ترى في أول أفلامه تجسيدا حيا لمعني تعبير سينما المؤلف ليس لأن مرزوق هو كاتب الفيلم ولكن لأنه بالفعل في كل تفاصيله ينتمي إلى عالم سعيد مرزوق!!