فاتن حمامة ونور الشريف وجمال سليمان أفضل من جسد شخصية المعلم .. هل تعبر الدراما عن واقع المدرس؟

31/10/2016 - 10:07:37

آخر الرجال المحترمين آخر الرجال المحترمين

تحقيق : عمرو والي

اهتمت السينما والدراما المصرية بتقديم شخصية «المُعلم»، لما يمثله من عنصر مؤثر فى المجتمع الذي يعيش فيه، حيث تمتلىء مئات الأعمال بمشاهد عديدة داخل الفصل الدراسي، عكست العلاقة بين الطالب ومعلمه في صور كثيرة، قدمه بعض الأعمال فى صورة كوميدية، وأخرى فى صورة جادة تناقش قضايا حيوية، ومع الإحتفال بيوم المعلم العالمي، وانطلاق العام الدراسي الجديد... «الكواكب» قامت برصد محاولات السينما والدراما تجسيد صورة «المعلم»؟ لترى هل اقتربت من مشاكله أم لا؟ وهل ساهمت فى تطوير علاقته بالطلاب والمجتمع إيجاباً أم سلباً؟ من خلال المتخصصين عبر السطور القادمة.
وجاءت أبرز الأعمال على سبيل المثال في عام 1949 عندما قدم الفنان نجيب الريحاني فيلم «غزل البنات»، إخراج أنور وجدي، بطولة ليلي مراد، جسد فيه دور معلم اللغة العربية الأستاذ حمام، صاحب المبادىء والقيم والأخلاق، ويصر علي الإلتزام بها رغم حالته المادية السيئة، فيما يتعرض للاهانة من ابنة الباشا، والتي جسدتها ليلي مراد، ويشعر بفقدان كرامته عند السخرية منه وزميلاتها، ويظهر الفيلم الجانب الشخصي له وحبه لها، ومحاولة إخفاء الأمر ولكن في النهاية يساعدها على الزواج من حبيبها، ويدرك استحالة حبه لها ويرضى بالأمر الواقع.
كما قدم الفنان أحمد زكي شخصية الأستاذ مستطاع مدرس الفلسفة، فى فيلم «البيضة والحجر»، والذى يستأجر حجرة فى أحد المنازل، يعتقد سكان المنزل أنه على صلة بعالم الجن مثل ساكنها القديم، ينجح بلباقته فى التوفيق بين زوجين تتكرر خلافاتهما، ويتبارك به أهل الحى، لتتطور الأحداث ويتعلم الدجل والشعوذة، مستعيناً بدراسته فى حل مشاكلهم بالنصب والاحتيال.
فيما برع الفنان نور الشريف في تقديم دور الأستاذ فرجاني في فيلم «أخر الرجال المحترمين»، حيث يتوجه إلى القاهرة برفقة مجموعة من التلاميذ في رحلة مدرسية، وهناك يصطدم بتقاليد الحياة المدنية والروتين مع محاولة إلقاء الضوء على أهم مشاكله الشخصية وعالمه الخاص وكيف أثرت أخلاقه ومبادءه في تعامله مع المريضة النفسية، التي جسدتها الفنانة بوسي بعد خطفها إحدى التلميذات المسئول عنها في الرحلة، ويحاول الفيلم من خلال قصته تعريف المجتمع المصرى من خلال مفاهيم بسيطة ومشاعر مختلفة نجد الفنان يحاول أن ينتقد المجتمع المصرى بسلبياته مثل قضايا الثأر والتخاذل والفقر، كما قدم شخصية الأستاذ عبد الحميد دراز ناظر المدرسة في مسلسل «حضرة المتهم أبي» الذي يرفض دائما إعطاء الدروس الخصوصية بالرغم من حالته المادية، وإصراره على مبادئه حتى النهاية، والتي تؤدي به للكثير من المشكلات.
مسرحية «مدرسة المشاغبين» من الأعمال التى تعتبر من الإرث المسرحى المصري، حيث أثرت بشكل كبير على الطلاب جعلتهم يقلدون شخصيات الأبطال فيها، حيث تناول المؤلف على سالم شخصية الأستاذ علام، الذى يقوم بشرح الدرس لنفسه بالرغم من تأكده من عدم وجود أى طلاب بالفصل الدراسى إرضاء لضميره المهنى وأخلاقه فقط، وكيف أن الطلاب يسخرون من مدرستهم ومن ناظر المدرسة .وتحولت المسرحية إلى فيلم لم يلاقِ نفس نجاح المسرحية، وتتلخص أحداث المسرحية فى خمسة من الطلبة المشاغبين، يجمعهم فصل واحد داخل مدرسة لا يستطيع مديرها السيطرة على شغبهم، حيث يظهرون تفوقهم عليه فى عدة مواقف. فيبعث مدير المنطقة بسيدة معلمة كى تهذب الأولاد، فتصطدم بشغب الطلاب أول الأمر، لكنها لا تكل، وتحاول جاهدة تهذيب الأولاد، وتستطيع فى النهاية أن تسيطر على مجرى الأمور.
كما ظهر الفنان محمد هنيدى بشخصية معلم اللغة العربية فى فيلم «رمضان مبروك أبو العلمين حمودة» خلال عملين فى السينما والدراما قدم بهما صورة المدرس الريفى صاحب الشخصية القوية الذى يعشق مهنته كثيرا. حيث ينتقل المدرس الريفى للعيش فى القاهرة والتدريس فى إحدى المدارس الفاخرة، يعيش قصة حب مع مطربة والتى جسدتها الفنانة سيرين عبد النور ويناقش الفيلم مشاكل التعليم فى مصر، وعلي رأسها أزمة الدروس الخصوصية .
وامتلأ فيلم «الناظر» بالعديد من الشخصيات الكوميدية التي جسدت صورة المعلم وجاء أبرزها الفنان علاء ولي الدين فى دور الناظر عاشور، والذى يدير مدرسته بالشدة والحزم، فيما يترك المدرسة لابنه صلاح بعد وفاته لإدارتها، وبعد فشله يترك المدرسة لوكيلها والذى جسده الفنان حسن حسني، وبمساعدة أصدقائه يعود صلاح لإدارة المدرسة بوعى جديد فى تعامله مع المدرسين والتلاميذ، كما قدمت الفنانة حنان الطويل دور معلمة اللغة الإنجليزية التي تدرس للطلاب بشكل خاطىء، كما قدم الفنان الراحل يوسف عيد شخصية الأستاذ زكريا الدرديري، والذى يقوم بتدريس أكثر من مادة للطلاب حتى تأتي المدرسة بآخرين جدد.
وفي فيلم «عسل أسود» جسدت الفنانة إيمي سمير غانم دور معلمة اللغة الإنجليزية التى تعلم الأطفال بشكل خاطئ أيضاً وهو ما يكتشفه مصرى، والذى لعب دوره الفنان أحمد حلمى، عندما يزور المدرسة التى كان يدرس بها، ليفاجأ بأحد الطلاب ينطق الانجليزي بطريقة خاطئة ويسأله عن المدرسة ويكتشف أنها إيمى صديقة إدوارد التى تدور بينهم قصة حب لكن ظروف المعيشة تمنعهما من الارتباط.
وبشخصية نجيبة متولي الخولي فى فيلم «الثلاثة يشتغلونها» جسدت الفنانة ياسمين عبد العزيز، دور الطالبة المتفوقة دراسياً فى مرحلة الثانوية العامة، ويتم طرد والدها، والذى جسده الفنان صلاح عبد الله، من المصنع فتلجأ للمدرسة التي كانت طالبة بها لتعمل معلمة بأجر رمزي لمساعدة والدها، وأثناء دراستها تتعرف علي 3 رجال، تتأثر بأسلوبهم وينعكس ذلك علي طريقة تدريسها فى الفصل، وتتعرض للكثير من المواقف الطريفة حتي تعود للانتظام فى جامعتها.
كما تناولت الدراما التليفزيونية أعمالاً برزت فيها صورة «المعلم»، ومنها مسلسل «ضمير أبلة حكمت»، بطولة سيدة الشاشة العربية الفنانة فاتن حمامة، وأحمد مظهر، كما قدم الفنان السوري جمال سليمان شخصية الأستاذ ياسين الحمزاوي، معلم اللغة العربية فى مسلسل «قصة حب»، بالمشاركة مع الفنانة بسمة، وجسد الفنان محمود ياسين دور معلم اللغة العربية فى مسلسل «ماما فى القسم» بالاشتراك مع الفنانة سميرة أحمد.
نماذج متنوعة
وقال الدكتور كمال مغيث، الخبير والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، إن السينما والدراما لها قواعدها وقوانينها الخاصة فى التعامل مع كافة الموضوعات لاسيما أصحاب المهن فى المجتمع مثل المعلم وضابط الشرطة، والمحامي والطبيب وغيرهم، مشيراً إلى أنه يمكن القول بأن الأعمال الفنية تنوعت ما بين الصورة السلبية والإيجابية فى تقديم هذه الشخصيات، في النهاية هي ليست مجبرة علي تقديم صورة نمطية محددة لأن كل مهنة بها الصالح والطالح.
وأضاف مغيث: أنه حتي الأعمال التي تناولت صورة المعلم بصورة هزلية أو كوميدية عادت فى النهاية لتؤكد أهمية قيمة المعلم ورسالته التي يقدمها فى المجتمع، مشيراً إلى أن أعمال مثل مدرسة المشاغبين أو رمضان مبروك أبو العلمين حمودة قدمت نماذج للمعلم بصورة كوميدية ولكن أكدت علي قدرتهم علي التحمل أمام الطلاب والعمل جاهدين علي تحويلهم إلى نماذج إيجابية فاعلة فى محيطهم المعيشي، كذلك معلم اللغة العربية الأستاذ حمام، والذي جسده الفنان نجيب الريحاني بأسلوب بديع ، وكان معلماً للغة العربية بشكل قدير للغاية.
وأوضح مغيث أن الدراما قدمت أعمالا هامة للغاية مثل «ضمير أبلة حكمت» والذى عبر عن المجتمع المدرسي في هذا التوقيت بشكل أقرب للواقعية، ودور المعلم الحقيقي، والذي يحرص علي علاقته بطلابه تعليمياً موضحاً أن هناك حالة من الإهمال فى التعليم كمنظومة متكاملة بلغت ذروة نتائجها خلال الوقت الراهن من خلال تسريب الإمتحانات.
تشويه المعلمين
وقال عادل عبد الغفار، معلم رياضيات، إن الأعمال الفنية التي أبرزت دور المعلم كقدوة ودعامة أساسية فى المجتمع قليلة للغاية، مشيراً إلى أن المؤلفين قاموا بالتركيز على المعلم والمدرسة بشكل عام في صورة لاتعكس بطبيعة الحال الواقع التعليمي الحالي، داخل المدرسة أو الفصول، لافتاً إلى أن الفضائيات والتكنولوجيا والدراما تلعب دوراً كبيراً الآن فى تشكيل وعي الطلاب.
وأبدى عبد الغفار استياءه من الأعمال التي قامت بتشويه صورة المعلمين وأساءت لهم، مدللاً علي ذلك بمسلسل «الخانكة»، للفنانة غادة عبد الرازق، أو فيلم «رمضان مبروك أبو العلمين» للفنان محمد هنيدي، فالفيلم أظهر احترام الطلاب للمعلم بسبب الكرباج الذى يحمله، وهو ما لا يحدث فى الواقع، كذلك تعرضه للإهانة لجمع النقود من الفنانة التي يتزوج بها، وهي كلها أمور مهينة بشكل صارخ.
وأكد عبد الغفار أن الفيلم حمل الكثير من المتناقضات، داعياً المؤلفين إلى ضرورة الاقتراب بشكل أقرب من المعلم والمدرسة حتي يتم نقل صورة قريبة من الواقع.
الواقع أسوأ
ويرى أسامة الفيومي، مدرس كيمياء، إن الفنانين نور الشريف وجمال سليمان كانا الأقرب فى تجسيد المعلم بصورته الواقعية ونقل ما يجري فى المدرسة بصورة صحيحة من متابعة الطلاب تعليمياً وتربوياً، وتحمل دوره ومسئوليته أمام أولياء الأمور، مشيراً إلى أن كل المهن بها السلبي والإيجابي، موضحاً أن الشكل الكوميدي الذى يظهر به المدرس هو صورة درامية لخدمة القصص لا تعكس بالضرورة الشكل الحالي لهم.
وقال أحمد شاهد معلم لغة إنجليزية، إن النماذج التى تقدمها السينما والدراما عن المدرسين تتسبب فى الإساءة إلى سمعة المدرس، وتحتقره وتجعل الطلاب ينظرون إليه نظرة سلبية، مشيراً إلى أن الطالب ينظر إلى مظهر المدرس وليس علمه أو سلوكياته، داعياً المجتمع لأن يدرك أن المعلمين يمتهنون مهنة ذات رسالة سامية، ولديهم الكثير من الهموم والمشكلات كأي فرد فى المجتمع يحتاج للتطوير والتدريب.
ويرى محمد إبراهيم، معلم لغة عربية، إن الواقع أسوأ كثيراً مما تنقله السينما والدراما، لافتاً إلى أن هناك بعض النماذج السيئة للمعلمين، والذين أفقدوا المهنة هيبتها واحترامها لدرجة أصبح الطلاب لايخشون حتي التدخين أمامهم داخل الفصول.
وأوضح إبراهيم أن هناك بعض الأعمال الفنية التي شجعت علي تبني الطلاب لسلوك عنيف داخل المدارس، ووصل للشجار مع المعلمين كما أن هناك أعمالاً أظهرت المجتمع المدرسي بصورة مثالية علي عكس الواقع.
شخصية ثرية
ومن جانبه يرى الناقد الفني نادر عدلي أن شخصية المعلم تعد أحد أبرز الشخصيات الدرامية الثرية فى الأعمال الفنية منذ القدم، لافتاً إلى أنه في حياة كل شخص، معلم أثر فيه سواء بالإيجاب أو السلب، أو له ذكرى معه، لاسيما مع مراحل التعليم المختلفة، وهو ما يدفع المؤلفين لإظهار هذه الشخصية بشكل كوميدي أو هزلي يدعو للضحك أو الفكاهة، وهو الشكل او النوع المسيطر علي معظم الأعمال التي تم تقديمها، فيما جاءت الأعمال الجادة لاتتعدى أصابع اليد الواحدة.
وأضاف عدلي أن هذه الفكاهة دائماً ما تجد صدى طيباً فى نفوس الجمهور وتثير الضحك، لأن كل منا لديه موقف أو ذكرى فى المدرسة أو الجامعة، لافتاً إلى أن الصورة الكوميدية التي تم تقديمها لتلك الشخصية لاعيب فيها، طالما أنها غير مسيئة، وفي النهاية يكون التأكيد علي الدور الذى يلعبه المعلم فى تشكيل وعي ووجدان الطلاب.
وأكد عدلي علي أهمية تقديم أعمال درامية جادة تقدم الدور الاجتماعي للمعلم بشكل جيد وتقترب من الحالة التعليمية بشكل أفضل، لاسيما وأن مشكلة التعليم فى مصر أحد أبرز المشكلات المزمنة، موضحأ أن الدراما التليفزيونية قدمت الكثير من الأعمال الإيجابية للمعلم ومنها مسلسل «ضمير أبلة حكمت» للفنانة الراحلة فاتن حمامة، ومسلسل «حضرة المتهم أبي»، للفنان الراحل نور الشريف حيث اقتربا من شخص المعلم بشكل كبير فى كل حالاته سواء فى المدرسة أو المنزل أو ظروفه المعيشية أو المشاكل التي يواجهها كفرد فى المجتمع.
وأشار إلى أن هناك فخاً دائماً ما تقع فيه الدراما سواء التليفزيونية أو السينمائية وهي وضع الشخصية فى قالب أو نمط لا يتغير دون تجديد، والنظر للامر من إطار نافذة ضيقة لأغلب الشخصيات الدرامية فى المجتمع، وهنا تظهر الحاجة ماسة لتطوير الشخصيات بشكل مستمر.
جذب الجمهور
وعلى النقيض قالت الناقدة الفنية، خيرية البشلاوي، إن غلبة الصورة الكوميدية على شخصية المعلم التي تم تقديمها فى معظم الأعمال أثرت سلباً على الحالة التعليمية، مشيرة إلى أنها ليست فى صالح المجتمع، حتي ولو كان الهدف هو جذب الجمهور.
وأضافت البشلاوي أنه حتي الآن مازال هناك بعض الكتاب يحاولون تجميد هذه الشخصية فى شكل مضحك يدعو للسخرية علي الرغم من عدم وجود هذا الشكل فى الواقع، فلم يعد المعلم هو الشخص رث الثياب فقير المظهر على العكس تماماً، موضحة على سبيل المثال فى فيلم «مبروك أبو العلمين حمودة» أنه ما الداعي لإظهار المدرس وهو يركب دراجة، ويذهب إلى مدرسته بها أو يضرب طالب فى عقر داره بسبب إهمال فى أحد الواجبات، فهي مبالغات أصبحت غير موجودة والجمهور قادر علي التفريق بين الواقع والتمثيل.
وأوضحت أن فيلم «آخر الرجال» المحترمين للفنان نور الشريف يعد أحد أهم الأفلام التي تناولت شخصية المعلم بشكل متكامل إيجابياً، وفى الدراما مسلسل قصة حب لجمال سليمان، وضمير أبلة حكمت، لافتة إلى ضرورة التخلي عن الاستمرار فى تقديم تلك الصورة التقليدية للمعلم لاسيما مع تطور بعض أساليب التعليم فى الوقت الحالي.