يوسف شاهين عن: الوداع يا بونابرت : « الأرض لمن يزرعها » شعار كافاريللي قبل ماركس

31/10/2016 - 9:54:15

رضوان الكاشف على اليمين ويظهر يوسف شاهين مع المخرج توفيق صالح رضوان الكاشف على اليمين ويظهر يوسف شاهين مع المخرج توفيق صالح

الكواكب

في واحدة من اللقاءات النادرة أجرى المخرج رضوان الكاشف حوارًا مع المخرج الكبير يوسف شاهين بعد الجدل الذي ثار بسبب طرح فيلم "الوداع يا بونابرت" ونشرته جريدة الأهالي في صيف عام 1985، ونعيد نشر هذا الحوار بمناسبة تكريم المخرج الكبير الراحل في خمسينية أيام قرطاج السينمائية.. وإلى نص الحوار
أثار فيلم يوسف شاهين الجديد "الوداع يا بونابرت" جدلا واسعا في الحياة الثقافية ورأت الصفحة أن تجرى هذا الحوار مع صاحب الفيلم قبل تقييمه نقديا ولأنه اتسع وتشعب فسوف ننشره كاملا في العدد الرابع عشر من مجلة "أدب ونقد".
المتابع لأعمال يوسف شاهين في السنوات الأخيرة، سيلحظ أنك حاولت في فيلمي "العصفور" و"عودة الابن الضال" أن تعبر عن قلق المثقف تجاه أحداث وتغيرات كبرى يمر بها الوطن، ثم اتجهت في الفيلمين التاليين "إسكندرية ليه" و"حدوتة مصرية" نحو مواجهة الذات في محاولة لفهمها ورؤية الضعيف والقوي من عناصرها، ثم فجأة تقوم بقفزة هائلة إلى الخلف عودة للتاريخ بفيلمك "الوداع يا بونابرت" فما الدوافع التي تقف وراء مثل هذه القفزة المفاجئة؟
إن الهم والظواهر التي انشغلت بها كانت واحدة في كلتا المرحلتين، ولكن في "العصفور" و"عودة الابن الضال" كانت وجهة النظر تتسم بالعمومية الى حد ما، فأردت في "إسكندرية ليه" و"حدوتة مصرية" أن أحددها أكثر، لقد انتقلت من البحث عن أسباب ونتائج الظاهرة، سياسية كانت أو اجتماعية، عند مجموعة كبيرة من الناس أو عن طبقات بالذات، لذا كنت "أنا" موضوعا لفيلمي الأخيرين، حاولت أن أنظر إلى داخل نفسي وأن اتعامل مع "ذاتي" باعتبارها فردا في محيط سياسي واجتماعي ونفسي، وذلك بهدف تعميق النظرة إلى الظاهرة العامة التي انشغل بها باعتبار أن الفرد دالة عميقة للمجموع يقود فهمه إلى فهم أكثر دقة للظواهر العامة.
وها أنا انتقل في "الوداع يا بونابرت" الى مرحلة جديدة أعطى فيها وزنا كبيرا لمهمة اعادة النظر في حملة المفاهيم السائدة التي تبدو وقد استقرت قوانين بفعل الزمن، برغم فسادها، وهذه اليقينية البليدة تنسحب على عدد هائل من المفاهيم في شتى مجالات حياتنا من فهمنا للحب، الى فهمنا للاحتلال والاستعمار، ويقع فريسة لها كل اليمين واليسار. فلا أحد يقلقه أن المفهوم السائد للحب بان في جوهره أنانية مستفزة وصورة من صور «التملك» الصريح، فلأني أحبك، عليك أن لا تفعل شيئا يغضبني، عليك أن تنفي وجودك المستقل وأن تذوب في، فتصبح نظرتي للحياة وخطتي فيها هي نظرتك وخطتك، وباختصار عليك أنت أن تصبح "أنا".
ولكن لماذا العودة إلى فترة الاحتلال الفرنسي لمصر بالذات لمحاكمة مثل هذه المفاهيم السائدة الآن؟
أنا أتقدم للأمام، ولكن التقدم للأمام قد يضطرك أن تعود للخلف بحثا عن الأصول والجذور بهدف فهم أدق وأكثر وضوحا لقضايا معاصرة وإذا لم يفهم التاريخ على أنه مجرد سلسلة من المعارك العسكرية، فإنه سيساعد على الكشف عن الاحتياج الانساني الذي دفع الى الوجود بمفاهيم مثل "الثورة" و"الاحتلال" و"الدولة" و"الفرد" والعلاقة بينهما و"الدستور" و"القوة"، ويميزها من المفاهيم التي نحتاج الى فهم الكيفية التى وجدت بها والصور التي تطورت اليها والنتائج التي أسلمت اليها، وهذا الفهم سيساعد على تفسير الحالة المتوحشة البدائية التي يحياها العالم في نهاية القرن العشرين، والذي ما زال يعترف بشيء اسمه "الحدود"، ذلك الخط المرسوم على ورق، والذي يجعل هناك أنا وأنت، مسيحي ومسلم وما يترتب على ذلك من مذابح وحشية واقتتال لا ينتهي، وسيساعد في هذا الفهم للتاريخ على الكشف عن السبب الذي يجعلني ما زلت قابلا لأن أكره وأن أحب إلا بالمعنى الانساني الحقيقي، بل بمعنى «الامتلاك» ذلك المعنى الذي لا ينسحب وفقط على الافراد بل وعلى التكوينات الاجتماعية، وعلاقات الدول والبلدان بعضها بالبعض، كما أن هذا الفهم للجذور والاصول التاريخية سيكشف لي عن التناقض الفاضح، بين ما تدعيه بعض الدول مثل أمريكا وأوربا، من أنها جنة الحرية على الأرض، والحامية والمدافعة عن الديمقراطية وحقوق الانسان في كافة أركان المعمورة، وبين دعم هذه الدول للنظم الديكتاتورية لتسهيل مهمة استعمارنا بالاساليب والاشكال الجديدة للاستعمار، عبر السيطرة على اقتصادنا وعقولنا ووجداننا ودليلنا على ذلك تلك الرطانة الامريكية التي يلغو بها التليفزيون المصري بما يقدمه من سيل المسلسلات والأفلام الأمريكية إنني في فيلم "الوداع يا بونابرت" أحاول أن اكشف عن خطوة من خطوات التقدم الفعلي للانسانية بالكشف عن حادثة ما وقعت في تلك الفترة التاريخية، نتج عنها تخلي إحدى شخصيات الفيلم عن قناعاتها القديمة وطريقتها القديمة في التفكير، وتبنت طريقة جديدة في التفكير.. إنني إذا جعلتك بعد مشاهدة الفيلم تعيد النظر في بعض القناعات التي صرت ترددها كشعارات سهلة فإنني أكون قد نجحت في حث المشاهد على اتباع طريقة جديدة في التفكير، إنني في هذا الفيلم أثير عدة تساؤلات حول مفهوم "القوة" وهل ستبقى القوة محتفظة بمعناها العسكري القديم، أي بمعنى "الفتونة" بلغة أهل البلد الثاقبة وهل ستظل "القوة" بهذا المعنى هي الوسيلة واللغة الوحيدة للتفاهم في عالمنا الإنساني.
وتسألني لماذا فترة الاحتلال الفرنسي بالذات، أجيبك، بأن هذه الفترة شهدت حادثا ضخما شارك كلانا في صنعه، رفض الاحتلال الفرنسي ومقاومة المصريين له، أما الذي دفعنا معاً، نحن والفرنسيين للتعاون فيما بيننا، فيعود إلى احتياج كل منا للآخر، لمواجهة الاحتكار الأمريكي البدائي والمتوحش لصناعة السينما وسوقها، وذلك بإنجاز عمل قوي يتجاوز نقاط الضعف عن كل منا، فنحن نعاني من محدودية الامكانيات بما يؤثر على وضوح الافكار، وهم يعانون من انحراف السينما عندهم نحو سينما الكلمة وهذه المحاولة لاختراق الاحتكار الامريكي، تفرض علينا قدرا من الحذر الذي ألجأنا الى استخدام بعض أساليب السينما الأمريكية في صناعة الفيلم لتحاشي عمل فيلم بطريقة وإيقاع خاصين ينفر منه الجمهور هنا وهناك.
التاريخ والحاضر
لقد ذهبت كما قلت لفترة من التاريخ القديم محملا بشكل مسبق وجملة من التساؤلات والمفاهيم ذات الطابع الإنساني العام فهل ترى أنك نجحت في منع التصادم بين درامية الاحداث والشخصيات التي خلقتها وحملتها بمعان محددة وبين تاريخية هذه الاحداث والشخصيات؟
إن التاريخ في أي فترة من فتراته مليء بالحوادث التي تتيح لك إمكانية أن تختار من بينها الحادثة التى تخدم ما تريد وما تقوله وهذا أولا، وأنت تنظر إلى هذه الحادثة التاريخية أو تلك من موقعك المتقدم زمنيا عن زمن وقوع الحادثة، أي من موقعك المعاصر، وهذا ثانيا، وأنت تعرضها، أي الحادثة التاريخية، على أناس مختلفين عن أؤلئك الذين عاصروا الحادثة، وهذا ثالثا.. وهذه الأسباب الثلاثة مجتمعة تكسبك قدرا من الحرية في التعامل مع الحادثة المختارة، الى الحد الذي قد يجعلها مختلفة عن الطريقة الفعلية التي وقعت بها الحادثة. إنك حين تسألني عن التاريخ أسألك بدوري، عن أي تاريخ تتحدث؟ لقد قرأت عن شخصية نابليون خمسين كتابا، فوجدتني أمام خمسين نابليون.. لذا فلي الحق أن أتحدث عن نابليون أو غيره من الشخصيات بالطريقة التي تتفق مع فهمي للشخصية أو الحادثة ولك الحق فقط أن تحاسبني إذا وجدتني أتحدث عن "لذة" الاحتلال الفرنسي بمصر، إن أي احتلال من أي نوع ليس "لذيذا" لأنه بكل صورة نفي لإرادتي في اختيار ما أرتضيه وأطمئن إليه.
ولكن كيف نحل التناقض الواضح بين حديث المؤرخين عن "كافريللي" باعتباره مهندس الحملات العسكرية البونابرتية وباني الحصون والقلاع، والذي أدت به شراسته في حملة إيطاليا إلى فقدان ساقه وبين حديثك عنه باعتباره باني طواحين الغلال بمصر، ولسان التحضر والإنسانية وداعية السلام الذي يقف في مواجهة عسكرية بونابرت الغاشمة وكيف نحل التناقض أيضا بين المكانة الهامة التي يحتلها بونابرت في تاريخ أوروبا والعالم وبين اختزالك له إلى دعىّ ومجرد رجل صنعته البروباجندا.
لم يكن اختياري لكافريللي اختيارا عشوائيا، فأنا لم أختر العالم "مينو" أو لأني قرأت أنه قبل ماركس، وهو الارستقراطي النبيل، وقد قال بان الارض لمن يزرعها ووجدت إشارات كثيرة وردت عن هذه الشخصية تؤكد أنه كان لبنة من لبنات التقدم الانساني، إلى الحد الذي يتيح لك أن تحمله بما تريد من معان إنسانية فهو عالم طبيعيات، عارف بالشعر، محبوب وسط عساكره، بل كان الوحيد الذي يهتم بهم عنه الى حد قراءة النعي بعد وفاته والذي ورد فيه كل ما عرضته عنه في فيلمي، أو صدامه مع نابليون والذي كانت ذروته بخيمة كافريللي بعكا، فقد ورد في كتب التاريخ بل يؤكد بعض المؤرخين ان هذه المشادة كانت سببا في موت كافريللي، حيث إنه كان يتمتع قبلها بصحة جيدة برغم فقده لذراعه، أما عن شراسة كافريللي في حملة إيطاليا، فهذا لا يعنيني تماما كما لا يعنيني ما حدث لبونابرت بعد خروجه من مصر، فالناس ليسوا شيئا واحدا في كل لحظة.
لذا فهناك قياس عام للشخصية يضعها في هذا المعسكر أو ذاك فتقول هذا تقدمي عموما أو ذاك رجعي عموما، إن كافريللي قد قال "لا" في وجه العسكرية البونابرتية، وحين يحدثه نابليون عن المجد والخلود فإن كافريللي يصرخ فيه إنه مجدك وخلودك أنت شخصيا، إنك تبحث لشخصك عن مكان في التاريخ لا تبرحه، وتستخدم الآخرين لذلك.
أما عن نابليون، فطبعا لم يكن مجرد مغفل، لقد كان يتمنى أن يأتيه المجد من باب "العلم" الذي أحبه، ولكننا لسنا مسئولين عن أنه وجه طاقته إلى قيادة المعسكر بدلا من أن يضعها في خدمة تقدم الثورة ودفعها للأمام، ولقد أضر بالثورة، وهو الذي ولد وعاش في ظلها، حين أتى عليها وانقلب بجمهوريتها إلى امبراطورية
بين السلاح والكلمة
إن الأخوين "بكر" (أحمد عبدالعزيز) و"علي" (محسن محيي الدين) يمثل كل منهما طريقة في النظر إلى الحياة، وفي مقاومة الغازي الفرنسي، فبكر يرفض أي حوار مع المحتل ويؤمن فقط بالسلاح أما "علي" فيؤمن بالكلمة، ويحرص على معرفة لغة العدو، وعلى محاورة كافريللي ويرى ضرورة الاستفادة من امكانيات العدو، في مقاومته.. وأنت تنتصر لطريقة "علي" وتؤيدها ثم يهزم بكر ويعود للمماليك، وفلتأوس يذهب للدير وقبلهما يموت "يحيي" ولا يبقى الا "علي" محتفظا بعناصر الاستمرار في مغزى انحيازك هذا لشخصية "علي" وطريقته؟
إلى حد ما أنا مع "علي"، ولكن أيضا مع "بكر"، أنا مع الشخصية التي تملك إرادة قوية قادرة على تجاوز العقبات، حين كان من الضروري أن أنزل إلى الشارع في 1967، نزلت إلى الشارع، ولكن حين تكون هناك امكانية للحوار، فإنني أفضله وأرجحه بديلا للعنف "الأهبل" فبعد أن يموت منا الآلاف يجلسون هم ليتصالحوا.. إن قوة الكلمة ذات أهمية بالغة عندي "فالضرب" يأتي بعد استنفاد امكانية "الكلام" ولكن حين استبعد الحوار، ولا أحرص في ذات الوقت على إعداد نفسي "للضرب" واكتفى بترديد الدعاوى الوطنية والدينية الفارغة، فلا يسعنى إلا أن أرفض هذا المنطق مائة مليون في المائة.
إذا كان فيلمك يستخدم الماضي للحديث عن الحاضر، فلابد أن ننتبه إلى أن بلادنا محتلة بالمعنى القديم والحديث للاحتلال، والذي استنفدناه منذ زمن هو "الحوار" و"الكلام"، وبرغم ذلك لم يتوقف العدو عن فرض شروطه بأكثر الاشكال قوة ووقاحة على المنطقة العربية؟
من الذى احتفظ بالسلاح حتى اللحظة الأخيرة في الفيلم.. "بكر" أم "علي"؟.. إن علي هو الذي احتفظ بالسلاح الذي خبأته له ناهد.. وهو الوحيد المسلح بالفكر التقدمي جدا جدا والذي أوصله الى الاقامة الانسانية الرحبة، "علي" هو المسلح بالثقافة والوعي، ويستمد ثقته بنفسه من تلك المشعوذة "نعيمة الصغير" التي اصطحبته معها في جولة عبر الوطن كله، ومن كونه قد تعرف على معنى اليأس، بهزيمة أخيه بكر وصاحبه فلتأوس، وتزداد ثقته بالنفس حين يجد ناهد تنتظره مازالت محتفظة له بالسلاح وتدعوه إليه وتؤكد له على أنهما، هو وهي قادران معاً على المواجهة والاستمرار.. إن "علي" لم يغضب حين كشفت له ناهد عن الأسلحة التي خبأتها ولم ينهرها حين دعته إلى السلاح لم يقل "إيه ده يا بنت الكلب يا مجنونة".. لم يقل لها "إلا.. استنى لغاية منحاور العدو".. على عكس «علي» ذلك كله كان رد فعل "علي" لقد فرح جدا بها وبالسلاح وهذه الثقة بالنفس أكسبته القدرة والجرأة على أن يكتشف الجانب الانساني في "كافريللي" الذي لم يكن ذنبه أنه عدو بل ذنبه غيره.. وماذا كانت آخر كلمات قالها علي لكافريللي في نهاية الفيلم قال له إننا سنكافح حتى نخرج آخر بونابرت من العالم..
الحوار ليس بديلا للحرب
بشكل مباشر أسألك، هل يمكن تفسير انتصارك لشخصية "علي" ومنطقه أنك تدعو إلى الحوار مع عدونا الآن؟
امكانية الحوار (واعني بالحوار فى هذا الصراع الفكري) وجوده بشكل أو بآخر وشعار السلاح وفقط الذي تردده بعض القصائد التقدمية العربية ليس صحيحا على إطلاقه، فالحوار لم يقف أبدا مع العدو "عمره ما وقف" وإذا أوقفته فإنك تتخلى عن صفتك الانسانية كيف تدعوني لإيقاف الحوار اذا ما كنت أستطيع بالحوار أن أوقف سيل الدم.. ثم إننا لم نستطع بالسلاح أن نوقف العدو، لقد جربنا ذلك مرات عديدة، وهذا لا يعني أن قدرتي على استخدام السلاح محكوم عليها بالفشل المطلق، لا بل يمكن أن أنجح بشرط أن نوفر السلاح الكافي وأن نتخلص من عدونا الداخلي الجبان..
ومن جانبي أقول لك إن هناك احتمالا ألا تجدي لغة الحوار مع عدونا الحالي، وأنه قد لا تصلح معه إلا لغة السلاح ولكن بشرط أن لا يصبح ذلك مجرد شعار، وأنا لست ضد استخدام القوة، بل وأرجح أن لا نتيجة سنحصل عليها الا بالقوة ولكن أحذر أن تكون قوتك وهمية من ناحية أخرى علي أنى لا أخاف الحوار ما دمت متمكنا سأجلس مع من يريد محاورتي، واستمع إليه وسيظل يحدثني يوما أو اثنين، فإذا وجدت أنه ما زال عند موقفه فسأقول له "لا" أنت ما زلت عند موقفك وأنا مازلت عند موقفي وعلى هذا فأنا أوافقك بأنني انتصر "لعلي" لأن "علي" هو الذي الذي ظل حيا لآخر مشهد في الفيلم وأنا الآن حزين وغاضب من أن يموت بطل "سويلم" (محمود المليجي) في نهاية فيلم "الأرض" كنت أتمنى أن يكون لئيما ليبقى حيا لأنه لا مناص من أن يجيء اليوم الذي سيصبح قادرا على حمل السلاح.. لكنه مات، اخذوه.. أنا شخصيا لا أخشى حمل السلاح في كل ثانية، وبرغم أن سلاحي هو السينما، ولكنه سلاح مميت وأواجه به قوة عظيمة هي أمريكا، إنني برغم ضعف امكانياتي لم أكف عن إشهار سلاحي في وجه الأمريكيين، وتتبع أفلامي لترى ماذا أقول فيها، أنني أقول لكل عربي ألا يخاف عدوه لأنه ليس إلهاً، إن قوته من صنع الدعاية البروباجندا، لذا فهي قوة كاذبة.. وأقول له أيضا إن كل الحكومات التي حولك "زفت" وهى تضيعك وتمنيك بالشعارات التي تختلقها لك وأقول له أن يبحث عن أقوى أسلحته ويشهرها في وجه عدوه.. أنا لم أقل في فيلم واحد من أفلامي "يا سلام" على الأمريكان أو "يا سلام" على الأوربيين، أنا لم أسبح بحمد أحد في أي لقطة من أفلامي، قلت عن تمثال الحرية الأمريكي إنه "عاهرة" (اسكندرية ليه) وقلت على "مهرجان كان" إنه سوق، بل إن أوروبا كلها "سوق" (حدوتة مصرية) إنني باختصار انبه في "الوداع يا بونابرت" إلى أهمية الكلمة، التي تعني عندي الخطة والرؤية الواضحة، فالكلمة استطاعت ليس فقط أن تحشد الناس للثورة حين طبع "علي" أشعاره على الورق، وحين رفع شعار "مصر هتفضل غالية عالية"، بل وأيضا استطاعت الكلمة أن تشق صفوف العدو، وغيرت من قناعات الجنرال كافريللي الذي عرف فساد صورة الاستعمار حتى لو ادعى أصحابها أنهم دعاة حضارة.