المشهد الأخير

31/10/2016 - 9:49:13

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

هل لابد أن تنتهي حياة المبدعين بمأساة؟! .. هل المأساة قدر مكتوب على جبين كل عبقري؟!.. لماذا يزداد مؤشر الآلام في الغالب لدى المبدع تحديداً فيصل بصاحبه إلى المأساة مهما تعددت أشكالها .. إنتحار .. جنون .. اغتيال .. اكتئاب مدمر .. مرض عضال.. تعددت الأشكال والمأساة واحدة.
تشكل هذه الأسئلة الملغزة محتوى كتاب فصوله كما يقول مؤلفه مجرد تأملات .. لقطات مكبرة للمشهد الأخير في حياة بعض العباقرة كان الألم رفيقهم والمأساة مصيرهم ..
الكتاب هو "المشهد الأخير" .. والكاتب هو القدير "أيمن الحكيم" الصحفي الأريب الذي صاغ صفحاته برشاقة قلمه المعهودة وأسلوبه البالغ العذوبة الذي يقطر شجناً وأسى متوحداً بصدق وحب مع مشاوير إبداع لنوابغ وكأنه يشاركهم معاناتهم وكأنه بالكتابة عنهم يخفف عنهم آلامهم .. ولكن هيهات فقد رحلوا وبقيت عذاباتهم ممزوجة بدهشة عاصية على الفهم تعبر عنها ابنة شقيق الزعيم الهندي "غاندي" مؤكد: سيظل الناس إلى الأبد عاجزين عن إيجاد سبب معقول لصلب المسيح أو إعدام سقراط أو اغتيال "غاندي" ..
يتناول الكتاب كما تشير عناوين موضوعاته أسمهان .. عاشقة الحياة والموت - صلاح جاهين (الحزين الذي أضحك طوب الأرض) - سعاد حسني (وكل الطرق تؤدي إلى الانتحار)- كلام جديد عن مأساة الآنسة "مي" أحمد بهاء الدين (نهاية عقل جبار) بليغ حمدي (ياعيني على الولد) محمد فوزي (العذاب فوق ألحان تبتسم) عمر خورشيد (شهيد النساء وضحية كامب ديفيد) يوسف السباعي (نهاية مأساوية لفارس الرومانسية) تحية كاريوكا (آه يا زمن) ناجي العلى (الموت على رصيف الغربة) عبد السلام النابلسي (شهيد مصلحة الضرائب) ..
في لقطة مؤلمة يكتب أيمن "عن المشهد الأخير لذروة مأساة "تحية كاريوكا" وهو يرصد مفارقات قدر قاسى وتقلبات زمن ضنين وتناقضات حياة عاصفة .. وأوراق عمر تعكس شقاء البشر وعبث الوجود .. في يوم بارد من شتاء عام (1996) جلست سيدة عجوز بدينة أمام ضريح (السيدة زينب) .. كانت ترتدي جلباباً بلدياً وتضع على رأسها غطاء أبيض .. وبعد فترة من الشرود بدأت دموعها تنهمر بغزارة وصوت نحيبها يرتفع .. اقتربت منها سيدة طيبة القلب من حي شبرا تواسيها .. وتربت على كتفيها .. وكم كانت دهشة السيدة هائلة عندما اكتشفت أن العجوز البدينة التي تنتحب وهي جالسة على الرصيف هي نفسها النجمة الكبيرة (تحية كاريوكا) التي كانت في أيام مجدها إذا سارت في الشارع تعطل المرور لالتفاف المعجبين حولها .. قامت (كاريوكا) وحاولت أن تهرب من نظرات الدهشة والشفقة التي امتلأت بها عيون سيدة شبرا الطيبة .. لكن الأخيرة لم تعطها فرصة للهرب .. لم يمض وقت طويل إلا وقد أدركت السيدة حجم المأساة التي تعيشها الفنانة الكبيرة فبعد أيام العز والأضواء والمال لا تجد شقة تأويها احتضنتها السيدة في حنان وهي غير مصدقة ما تسمع وبكل شهامة وبراءة وصدق عرضت عليها أن تستضيفها في بيتها .. لم تشعر تحية بنفسها وهي تدور في بطء .. أخذت تدور بجسدها المترهل في حركات عصبية غير مصدقة ما يحدث لها .. دارت وكأنها تؤدي رقصة البجعة الأخيرة .. وما أن انتهت وسكنت قليلاً حتى احتضنت السيدة الطيبة وشكرتها وانصرفت في هدوء ..