سيد الضوي يا حكومة

27/10/2016 - 9:50:58

كتب - طاهــر البهــي

كم شخص يعرف سيد الضوي ليست كارثة ألا يعلم شباب القهاوي وحتى الجامعة هذا المبدع ولكن من العيب ألا يعرفه وقيمته موظفو الثقافة الجماهيرية وطلاب مركز الفنون الشعبية والمثقفين والمتخصصين، وإلا فبماذا نفسر هذا التجاهل لهذا الرجل خلال محنة مرضه الأخيرة، وإن كنت أعترف أن هذا كان موقفي خلال الأسابيع الماضية من قضية شاعر السيرة الهلالية الذي أمتعنا وأفادنا خلال نصف قرن أو يزيد، كان الرجل مريضا ويحتاج الرعاية ورغم وقوف كل أهالي قنا في صعيد مصر إلى جواره إلا أنه كان يحتاج إلى رعاية وحضن الدولة وإمكاناتها، كنت أتابع الجهد المشكور الذي تقوم به بعض الصحف والمواقع الإلكترونية، ولحساسية ما ابتعدت عن المشاركة؛ فالعبد لله يرى نفس الأخطاء التي تكررت في السنوات العشرين الماضية في مجال رعاية المبدعين وأبناء القوى الناعمة في مصر تتكرر حرفيا ولكنها أخطاء لم تستمر طويلا دون تصحيح، حدث هذا منذ مرض المطرب الأسمر محمد حمام الذى غنى قائلا: (يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي استشهد تحتك وتعيشي إنت) هل هناك من يتذكرها من الشباب ومن بعض المسئولين.. أشك! فلو كان أحد تذكرها ما وصل صاحبها إلى السقوط أرضا كلما ذهب ليحضر لنفسه كوبا من الماء أو قرصا من الدواء، فقد كان مشلولا ووحيدا لا يجد من يرعاه، وأتذكر جيدا أن الإنقاذ جاء على يد السيد وزير الدفاع الأسبق المشير محمد حسين طنطاوي الذي أمر على الفور بأن تفتح له مستشفى العجوزة العسكري، وهناك كانوا يسمحون له بإقامة حفلات سمر للترفيه عن الجنود والضباط المصابين، كان هذا في نهاية التسعينيات، وأكثر من هذا سمح له المشير بالبقاء متجاوزا المدة القصوى للعلاج مراعاة لظروفه، ولا أستطيع القول بأن الثقافة كانت غائبة عن المشهد بل أن وزيرها الفنان فاروق حسني ـ وكنت طرفا وشاهدا على الأحداث ـ خصص من أجل محمد حمام منحة تفرغ تتيح له معاشا شهريا، وكذلك فعل نقيب الموسيقيين، وما يعنيني هو حالة المطرب المبدع محمد حمام وقتها الذي كانت معنوياته في السما لأنه شعر أنه مواطن مهم في الدولة المصرية حتى أنه فوجئ كما أخبرني باتصال هاتفي من نائب رئيس جمهورية السودان الشقيقة يذكره بأيام المجد والتضحية التي لا ينساها كل عربي، نفس المشهد تكرر وشاء الله أن أكون قريبا منه في محنة مرض الفنان الإنسان جورج سيدهم الذي تحركت الدولة متأخرة في علاجه ورعايته، وعندما فعلت قال جورج جملته المؤثرة بلغة الصامتين: أنا عايز أعيش كمان.. الآن عرفنا الخبر: رحيل السيد الضوى آخر رواة السيرة الهلالية بمحافظة قنا، أحد أشهر من وثقوا وجمعوا قصة بنى هلال ومزجوها بالربابة والذى حفظ مليون بيت شعر.. ورثى الأبنودى بأغنية استمرت 3 ساعات متواصلة، رحل الضوي بعد أن أرسل أهالي قريته بل ومحافظة قنا كلها عشرات البرقيات إلى الصحف ـ كما علمت ـ تطالب المسئولين برعاية هذا المبدع الفطري، النقي الذي رأيته وهو يسجل مع الخال الأبنودي رحمه الله السيرة الهلالية للتليفزيون، يستمر في الغناء لفن الموال ساعات دون شربة ماء ولا خطأ لغوي واحد، وكان الأبنودي يداوم على تقبيل جبينه أثناء إلقاء السيرة الهلالية على الربابة التي سبق له روايتها في غالبية قرى مصر على مدى نصف قرن، رحل عن عمر 83 عاما، إنه آخر حلقات السيرة الهلالية والتي نحمد الله أن التليفزيون المصري انتبه إلى ضرورة تسجيلها وتحقيقها قبل فوات الأوان.
والآن مطلوب من المسئولين تدارك الموقف وتكريم هذا المبدع بإقامة تمثال له في مسقط رأسه، وإطلاق اسمه على أحد قاعات الفنون الشعبية بأكاديمية الفنون بالهرم، فهو ليس مجرد عازف ربابة.. كرموا مبدعيكم ليتأصل معنى الوفاء.