ملحمة شعب وإرادة أمة

26/10/2016 - 3:36:03

بقلم : جمال أسعد

التاريخ أبدا ليس أحداثاً وحوادث مضت وانتهت علاقتنا به . التاريخ هو سجل الإنسانية وتطور الشعوب ونضال الأمم وتقدم الإنسان بشكل عام ،التاريخ قراءة الماضى وتقييمه والاستفادة منه لحاضر لابد من توصيفه توصيفاً صحيحاً على ضوء هذا الماضى وذلك استشراف لمستقبل أكثر إشراقاً وأعمق تقدماً. فالماضى هو صناعة الإنسان والحاضر هو حياة الإنسان المعاشة والمستقبل هو مصير ذلك الإنسان المنتظر. ولذا فالتاريخ لا يعيد نفسه فى صورة مستنسخة ولكنه يعيد نفسه من خلال دراسته حتى لا نقع فى نفس الخطأ وحتى نستخلص التجارب ونستفيد بالحكم.


بعد أيام قلائل وفى ٢٩ أكتوبر يكون قد مر على العدوان الثلاثى على مصر ستون عاماً وهذا التاريخ ليس تاريخاً عادياً يمر علينا مرور الكرام وذلك العدوان لن يكون مشاغبة دولية يمكن إسقاطها من تاريخنا . ولكنه تاريخ مجيد ونتائجه ملحمة شعبية ووطنية رائعة لابد لنا من استقرائها ودراستها والاستفادة منها خاصة عندما يتشابه الواقع وتتلاحم التحديات، العدوان الثلاثى كان فى توقيت غير مواتٍ لمصر ولنظامها الثورى الجديد الذى كان يتحسس خطواته فى طريق طويل وشاق مملوء بالعقبات والتحديات الداخلية والخارجية وفى كل الاتجاهات . ثورة لم ترسخ أقدامها على الأرض ثورة دخلت منذ البداية فى صراع مع الإقطاع المسيطر بإصدار قانون الإصلاح الزراعى ثورة إرادة منذ البداية تحرير الإرادة واستقلال القرار وبناء اقتصاد جديد يحقق كل الآمال. فتم الجلاء وتم طرح مشروع السد العالى الذى يمثل نقلة حضارية متقدمة فى ذلك الوقت كأهم مشروعات القرن العشرين. فطلبت مصر قرضاً لبناء السد من البنك الدولى الذى تسيطر عليه القوى الاستعمارية . وكالعادة وحتى الآن لابد من شروط وإملاءات على المقترض لابد من الخضوع إليها. وكانت تلك الشروط التى رفضها عبد الناصر كتدشين لاستقلال القرار المصرى . فكان قرار تأميم قناة السويس فى ٢٦ يوليو ١٩٥٦فما كان إلا طبخ المؤامرة عن هذه الدول والتى كانت متوقعة من عبد الناصر . وكان العدوان الثلاثى فى٢٩ أكتوبر١٩٥٦


لا شك فقد كانت هناك لكل دولة مبرراتها وأغراضها التى تريد تحقيقها والوصول إليها. ففرنسا كانت ضد دعم مصر للثورة الجزائرية بالسلاح والمال والمدربين الأمر الذى هدد التواجد الفرنسى فى إفريقيا بشكل عام. كما أن توقيع اتفاقية توريد السلاح المتقدم لمصر من الاتحاد السوفيتى لتقوية الجيش المصرى لردع إسرائيل أحد الأسباب التى جعلت إسرائيل رأس الحربة لهذا العدوان . أما تأميم القناة قد منع بريطانيا من التربح من القناة التى كانت تديرها قبل التأميم . فإذا كانت هذه هى الأسباب الظاهرة ولكن كانت هناك أسباب أخرى أهمها محاولة إسقاط نظام ثورى جديد حصل على الجلاء، الشئ الذى سيشجع الآخرين وقد حدث . وهنا وجدنا هذا الاتفاق الذى ينص على قيام إسرائيل بمهاجمة سيناء وحين يتصدى لها الجيش المصرى تقوم بريطانيا وفرنسا بالتدخل وإنزال قواتهما فى منطقة قناة السويس ومحاصرة الجيش المصرى. وبالفعل قد نفذت إسرائيل هجومها على سيناء . ونشبت الحرب فأصدرت بريطانيا وفرنسا إنذاراً بوقف الحرب وانسحاب القوات المصرية والإسرائيلية لمسافة ١٠ كيلو مترات من ضفتى القناة بما يعنى فقدان مصر سيطرتها على قناة السويس . فلما رفضت مصر نزلت القوات البريطانية والفرنسية فى بور سعيد ومنطقة القناة إلا أن الجيش لم يحاصر لأن قطاعاته كانت قد انسحبت . وأصدر الاتحاد السوفيتى إنذاراً بضرب مدن الدول الثلاث بالصواريخ الذرية. فأمرت أمريكا الدول الثلاث بالانسحاب وانتهت الحرب بفضيحة كبرى وخرج عبد الناصر منتصراً سياسياً وأصبح زعيماً مصرياً وعربياً وعلى مستوى العالم الثالث وأصبحت الثورة المصرية نموذجاً لكل حركات التحرر الوطنى على مستوى العالم والتى أخذت من طريق عبد الناصر منهاجاً للتحرر من ربقة الاستعمار وتبعيته. وكانت شعبية عبد الناصر فى ازدياد مستمر ومتصاعد . وقد ازدادت هذه الشعبية أكثر عند إعلان قيام الاتحاد العربى بين مصر وسوريا كنواة لدولة عربية شاملة ذات نظام لا مركزى والتى أعلنت فى ٢٢ فبراير ١٩٥٨ مما أدى إلى تسريع قيام الحركات المناهضة للاستعمار للحصول على الاستقلال فكانت ثورة العراق ١٩٥٨ وثورة اليمن ١٩٦٢ ثم تتابعت حركات التحرر فى كل مكان يرزح تحت نير الاستعمار . هنا ليس الهدف من ذلك السرد التاريخى استرجاع أحداث وحوادث تاريخية للتسلى ولضياع الوقت. ولكنها دراسة وبوعى لواقعة تاريخية وقعت على أرض مصر وتصدى لها الشعب المصرى وتحدى القوى الكبرى فى ذلك الوقت هما الإمبراطورية البريطانية التى لا تغيب عنها الشمس والإمبراطورية الفرنسية التى كانت منافساً لها طوال قرون ناهيك عن إسرائيل صنيعة الاستعمار بكل أسمائه وبشتى صنوفه وبتعدد مؤامراته . الدروس المستفادة هى تلك المعجزة الدائمة والمستمرة وهى إرادة الشعب. فلا نظام ولا حكومة ولا رئيس ولا قوات مسلحة يمكنها وبدون إرادة الشعب ومشاركته وإيمانه بهدف المشاركة أن تتصدى لعدوان أو أن تسقط مؤامرات أو أن تهزم تحديات . ففى ١٩٥٦ كانت إرادة الشعب المصرى بكل فئاته وطبقاته كعادته دائماً وأبداً هى حائط الصد فى مواجهة هذا العدوان . فخرج المصريون يتطوعون فى المقاومة الشعبية ويحملون السلاح ويعيشون بحق حالة طوارئ طواعية وبكل قناعة . قد كنت فى الخامسة الابتدائى ولكنى لا أنسى إن نسيت ذلك المناخ وتلك الإرادة التى انسحبت علينا ونحن فى هذه السن الصغيرة. فلم تكن المواجهة شعبية بالسلاح فقط مثلما حدث فى مدن القناة خاصة فى بور سعيد الباسلة ولكن لم يكن هناك غير الراديو الذى أدى دوراً تاريخياً يؤرخ لدور الإعلام الوطنى الحقيقى الذى لا ينحاز إلا للوطن وللشعب والسينما التى أرخت لهذه الملحمة بصدق مثل فيلم «بور سعيد»والأغنية التى ساهمت فى إذكاء الروح الوطنية وبث الانتماء وتربية الوعى . فكانت أغنية «حكاية شعب لعبد الحليم حافظ»وأغنية «دع سمائى فسمائى محرقة. دع قناتى فقناتى مغرقة»لفايدة كامل ناهيك عن نشيد «الله أكبر” للمجموعة ذلك النشيد الذى أصبح فيما بعد النشيد الوطنى لمصر كلها . فهذه الإرادة وتلك المواقف وذلك النضال لم يطرد العدوان فقط ولم يؤسس لزعامة عبد الناصر ولدور مصر وحسب ولكن الأدبيات السياسية والاستراتيجية للدول العظمى كان فاتحة عصر جديد فى عملية الصراع وأدواته بين القوى العظمى بعد الحرب العالمية الثانية وظهور الولايات المتحدة الأمريكية كقوة دولية طامحة لتبوؤ مكانة مهيمنة فى السياسة الدولية فجأة لتمثل جميع مواقع الدول العظمى السابقة بريطانيا وفرنسا والتى أفل نجمها بعد العدوان الثلاثى ناهيك عن صراع الوجود الإستراتيجى بين أمريكا والاتحاد السوفيتى ممثلاً للعالم الشرقى. هذا هو التاريخ فأين الدرس؟ قدر مصر قبل الزمان بزمان أن تكون موضع طمع لكل القوى الاستعمارية مما جعل هذه القوى بكل أشكالها لا تريد لمصر التحرر ولا التقدم ولا القيام بدورها التاريخى
إقليمياً ودولياً . فما بالك بعد زرع الدولة الصهيونية فى المنطقة لكى تقوم بدورها الاستعمارى طوال الوقت؟ حدث هذا طوال التاريخ وحدث هذا مع محمد على ومع عبد الناصر . فلا تترك مصر غير مستسلمة فى ليلة خانعة خاضعة . ولكن لا ولن تكون مصر هكذا أبداً . فالتاريخ أيضاً لا ينسى مكان ومكانة مصر ودورها دائماً وأبداً فى الحفاظ على حريتها وعلى قرارها المستقل. لا شك الآن أن مصر تمر بنفس الظروف وبذات المنعطف فبعد ٣٠ يونيه ٢٠١٣ يشاهد كل ذى عينين مدى التحديات والمعوقات والمؤامرات الداخلية والخارجية. إرهاب داخلى ممول ومنهج من الخارج وبأعلى المستويات أهداف الدول وخطط معلنة لإعادة تقسيم المنطقة على أسس طائفية أخذت فى التطبيق وما يحدث فى سوريا والعراق واليمن وليبيا خير شاهد . هناك تحديات أمريكية تستغل فتنة طائفية بين السنة والشيعة . هناك مشكلة اقتصادية متراكمة ومستحكمة تحتاج لفاتورة إصلاح اقتصادى عالية الثمن هناك انحدار فى القيم يعلى الذات ويسقط المجموع هناك فساد غير مسبوق وهناك الكثير والكثير ناهيك عن استغلال الإخوان لهذا المناخ . ولتلك المشاكل للوصول إلى هدفهم الذى لن يكون فى صالح الوطن. فهل فى هذه الظروف الاستثنائية والتى تماثل بل تزيد على العدوان الثلاثى أن نتوحد وأن نشحذ الهمم ونستدعى الإرادة ونعلن المقاومة ونستعد جميعاً بلا استثناء لدفع الثمن لأجل الوطن وتاريخه وحريته وشعبه . فمصر ليست الحكومة ولا النظام ولا السيسى مصر هى وطن كل المصريين الذين ليس لهم غير الله والوطن.