بين ١٩٥٦ و٢٠١٦.. أمور متشابهات! لماذا هذا العدد..؟

26/10/2016 - 3:33:46

  قوات الجيش تحارب الإرهاب فى سيناء قوات الجيش تحارب الإرهاب فى سيناء

دعك من تكرار رقم ٦ فى العامين، وإن كان هذا التكرار مهماً من الناحية التاريخية، فبين الرقمين المتطابقين ستون عاماً مضى، ولنركز - هنا - على الفكرة الرئيسية، التى تقودنا إلى إجابة السؤال المطروح فى العنوان، سؤال «لماذا هذا العدد؟» الإجابة - باختصاراقتضت إصدار هذا العدد الضخم من «المصور» لكى نعطى هذه الإجابة حقها..!


الفكرة الرئيسية هى: العدوان على مصر.. تلك الفكرة التى تتكرر فى التاريخين الحديث والمعاصر.. التاريخ لا يكذب، التاريخ يسجل، والمؤرخون يفسرون ويشرحون، وفلاسفة التاريخ يستنبطون الأحكام الرئيسية من وراء كل ذلك.. دعك - أيها القارئ الكريم - من حصص التاريخ التى تلقيناها فى المدارس، هى مفيدة - فقط - كتسجيل للمعلومات التاريخية الرئيسية، لكن التاريخ أوسع فى المجرى كثيراً، ويبدو أيضاً بلا ضفاف! الأحكام الرئيسية وراء هذا القول فى مقدمتها أن الشرق الأوسط منطقة يستهدفها الاستعمار من القرن التاسع عشر.. صراع المصالح يشتعل بين قوى الاستعمار فى الغرب - الذى كان فى القرن التاسع عشر «أوربا فقط» ثم صار فى القرنين العشرين والواحد والعشرين أمريكا وأوربا وحليفتها فى المنطقة إسرائيل - وبين القوى المناهضة فى الشرق الأوسط تحديداً.. حين تفكر مصر فى أن تنهض، وترفع رأسها، يفهم الغرب جيداً أن مصر إن رفعت رأسها، فإن الشرق كله سيرفع رأسه، ويستعصى على المشروع الاستعمارى.


ولنفهم أهداف طرفى الصراع جيداً.. أحدهما مصر ومن ورائها العالم العربى، كانت ولاتزال تستهدف التقدم الشامل والتنمية المستقلة، ومن ثم احتلال مكانتها الطبيعية فى العالم، معتمدة على ذاتها وإمكاناتها وثرواتها البشرية والطبيعية، وهكذا فإن هذا الطرف فى الصراع - مصر والعرب - هو صاحب حق، لا يعتدى على أحد، ولا يستهدف الإضرار بمصالح أحد.. أما الطرف الآخر - الغرب - فهو يستهدف باختصار سلب جميع هذه الحقوق التاريخية، ليستفيد منها فى تدوير ماكينته الرأسمالية الرهيبة، التى تحتاج إلى المزيد من الثروات على الدوام..!


دارت الماكينة الرأسمالية التجارية فى الغرب قبل ما يزيد على ثلاثة قرون.. فإذا بها تحتاج إلى ضخ الدم باستمرار، ولم يكفها الدم الذى أراقته فى اكتشافها لأمريكا وما فعلته بمئات الآلاف من الهنود الحمر، ولم يكفها الدم الذى أراقته فى الهند التى بادرت إلى احتلالها قبل نحو مائتى سنة وضمها للإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس، فكان الشرق الأوسط هو الهدف، ومصر هى أقدم دول هذه المنطقة، وأكثرها تحضراً، وأكثرها قوة، والأعظم جيشاً.. والأوفر حظاً من الفكر والثقافة.. وهى فى المنتصف - تماماً - من الناحية الجغرافية فى الشرق الأوسط، لذا كان الصدام حتمياً بين الغرب ومصر فى أكثر من منحنى تاريخى.


فى ١٨٤٠ تم إجهاض مشروع حضارى هائل قاده محمد على مؤسس الدولة المصرية الحديثة، تلمظ الغرب لمشروعه، حتى تم اصطياد هذا المشروع.. حين تحركت جيوش مصر لتصنع إمبراطورية حقيقية فى الشام والحجاز وأوشكت أن تقتحم على السلطان العثمانى عقر داره فى تركيا.. هنا تدخل الغرب وأجهض المشروع وضربه فى مقتل، تحت عنوان تاريخى اسمه «معاهدة لندن .١٨٤٠ «


بعد ذلك بعقود قليلة، قاد الخديو إسماعيل حفيد محمد على نفس المشروع بشروط تاريخية أخرى، وبنفس الهدف.. أن تصبح مصر إمبراطورية.. هنا، لم يكتف الاستعمار - الذى كان أنجلوفرنسياً بالأساس فى ذلك الزمان - بضرب مشروع إسماعيل، بل بادر التاج البريطانى إلى احتلال مصر فى ١٨٨٢، ممسكاً لأول مرة بالمركز من المشروع العربى، وليدخل العالم العربى كله فى طور احتلال من الدول الأربع التى ذكرناها سالفاً.


ثم جاء زمن خالد الذكر الزعيم «جمال عبدالناصر» الذى أمم قناة السويس فى ١٩٥٦ مستهدفاً بناء السد العالى فى أسوان، وحركة تنمية شاملة فى كل ربوع مصر.. فتحركت قوى الاستعمار البريطانية والفرنسية وابنتها غير الشرعية إسرائيل فى العدوان الثلاثى الشهير ضد مصر، فى أواخر أكتوبر من ١٩٥٦، بغية احتلال مصر.. ليحقق جمال عبدالناصر ومن ورائه الشعب والجيش أكبر انتصار سياسى مصرى وعربى فى القرن العشرين، بعد أقل من ثلاثة أشهر، لتخرج الثلاث قوى المعتدية مهزومة من أرض مصر، ولتخرج القوتان الاستعماريتان الكبيرتان بريطانيا وفرنسا من التاريخ وتتحولان إلى دولتين تابعتين للإرادة السياسة لقوة الاستعمار الجديدة فى الغرب «الولايات المتحدة»!.


وفى ٢٠١٦ يتجدد الصراع.. الرئيس عبدالفتاح السيسى قرر ما قرره ناصر فى الخمسينيات، التنمية الشاملة والمستقلة، فإذا بالغرب يتأهب للانقضاض على إرادة الدولة المصرية، فبعد أن حرر السيسى إرادة المصريين فى ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ المجيدة، معلناً انحيازه وانحياز القوات المسلحة لأكبر ثورة شعبية عرفها العالم حتى الآن، ومعلناً إسقاط حكم «المحظورة» بناءً على قرار الشعب، يقود السيسى حركة تنمية شاملة ومعمقة لمصر، ويقود إرادتها فى علاقاتها الخارجية بصورة مستقلة وفاعلة خارج حدودها، ضارباً عرض الحائط بمخططات الاستعمار التى تعمل - بقوة - على تقسيم العراق وسوريا وإبقاء اليمن فى حالة حرب مستمرة وتقسيم ليبيا وتحويلها إلى ساحة فوضى، ومن ثم تتدخل قوى الاستعمار العالمى، لتفتت العالم العربى، لصالح إسرائيل.


يواجه السيسى هذا المخطط صباح مساء، الجديد أنه - هنا فى الداخل - يوجد «طابور خامس» يساعد هذا الاستعمار فى تنفيذ خطته الشيطانية.. ذلك الطابور الذى يقف فى مقدمته «الإخوان» ومن اتبعهم من الإرهابيين، وقوى ٦ أبريل، والاشتراكيين الثوريين وجميع هذه الجماعات الضالة المضلة، التى لا تعدو كونها أذناباً للاستعمار فى الداخل..!


إننا فى هذا العدد.. أردنا أن نبلغ هذه الرسالة بأعلى صوت ممكن.. وإذا كان للكلمة المطبوعة أن تصرخ، لكان هذا العدد من «المصور» صرخة هائلة مدوية ضد مخططات الاستعمار، التى تكاد تتطابق فى جميع مراحلها الأربع التى ذكرناها، والتى تبلغ ذروتها فى السوء فى حلقتها الراهنة، تلك التى يواجهها السيسى، الرجل الذى أعلن أنه ومن ورائه كل المصريين لا يركعون إلا لله عز وجل..!


من هنا تكتسب مناسبة العدوان الثلاثى على مصر - أكتوبر، ديسمبر ١٩٥٦ - أهميتها القصوى، تلك الأهمية التى تتخطى حدود مصر وحدود العالم العربى إلى كل العالم.. بما لهذه المناسبة من تأثيرات إقليمية ودولية، وبما لها من أهمية شديدة الخصوصية فى هذه الأيام للشعب المصرى.. فهذه حلقة من أبرز حلقات الكفاح الشعبى المصرى خاصة والعربى عامة ضد الاستعمار، وقصة من أخطر القصص فى سياق الكفاح ضد الغزاة، ومثل يحتذى ودرس يستحق التوقف أمامه فى «امتلاك المصير»!.


لقد نهضت مصر بعد العدوان، انطلقت لتبنى السد العالى، وتؤسس لمجتمع مغاير تماما تبلور بالكلية مع صدور القرارات الاشتراكية فى مطلع الستينيات، انطلقت تؤسس تعليماً ونظاماً صحياً جديداً وعادلاً، تبنى دولة الصناعة، ومجتمع المساواة.


فى هذا العدد، نرصد رؤية نراها ممتدة، بلا انقطاع من ١٩٥٦ إلى ٢٠١٦، ترى التاريخين لا ينفصلان، ليس فقط عن بعضهما البعض، وإنما لا ينفصلان عن جولاتنا مع الاستعمار والصهيونية فى ١٩٦٧، وحرب الاستنزاف، و١٩٧٣ المجيدة، ثم الحرب على الإرهاب هذه الأيام، تلك الحرب التى تخوضها قواتنا المسلحة الباسلة فى سيناء، وهذا هو الجزء الظاهر منها فقط، أو بتعبير أدق.. الجزء الذى يسلط الإعلام عليه الضوء كونه الأكثر سخونة وخطورة، لكن القوات المسلحة تخوض هذه الحرب على حدودنا الغربية والجنوبية وفى البحر والبر والجو على السواء، وتخوضها فى قلب الوادى أيضاً..


ودماء الشهيد العميد «عادل» ابن القوات المسلحة التى سالت أمام بيته خير دليل على هذه الحرب!.


إننا فى هذا العدد نرصد معركة وطنية شريفة نبيلة، كان الشعب هو البطل فيها، ولايزال الشعب المصرى هو البطل، وسيبقى - بإذن الله - فى رباط إلى يوم القيامة، وما أبناؤه الذين يستشهدون فى سيناء من أبطال القوات المسلحة إلا أبناء لهذا الشعب، فالجيش المصرى هو جزء من هذا الشعب، هو سند للشعب والشعب سندُ له، تلك معادلة تاريخية استعصت على التفكيك وفشل الاستعمار طوال الوقت فى ضربها!.


ربما اختلف المزاج الشعبى قليلاً تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، لكن هذا الشعب مجرب فى التاريخ، يهب هبة واحدة ويصطف اصطفافاً فريداً حين يحتاج إليه الوطن، لاسيما إذا تعرض الوطن للعدوان.


لهذا كله.. وغيره من الأسباب المهنية والصحفية أيضاً، يأتيكم هذا العدد، الذى نتمنى أن ينال رضا جميع قراء «المصور».