التأميم والمقاومة.. جرأة وطن

26/10/2016 - 3:31:37

  جلاء الإنجليز عن مصر جلاء الإنجليز عن مصر

بقلم: نجوان عبد اللطيف

لم أكن متحمسة لعدد تذكارى عن تأميم القناة والعدوان الثلاثى ١٩٥٦، ربما لأنى كرهت السياسة، التى أرهقتنى كثيرًا وجعلت قلبى مجروحًا على شباب يعانى دون أى ذنب سوى الوطن، ونفسى من الإحباط مأزومة، بعد أن ضاعت أحلام لم يتحقق منها شيء، ولأنى أعرف جيدًا أن تذكر أمجاد الماضى لن يشفى قلبى من أوجاعه، ولا الحديث بفعل «كان» يمكن أن يحيل إحباطاتى إلى آمال.


لكن فى حوار عارض مع أحد الزملاء الشبان قال لى: عبدالناصر أخطأ فى قرار التأميم، وكان الأفضل لمصر أن تنتظر ١٢ عامًا من عام ١٩٦٨، موعد انتهاء عقد الامتياز الخاص بقناة السويس الممنوح لبريطانيا وفرنسا، لنستردها دون العدوان، الذى دمر بورسعيد بالكامل، وقتل الآلاف من أهلها ومن أهل مصر وترك جرحى ومصابين ومهجرين بسبب قرار فردى.


لم أندهش كثيرًا من كلام زميلى الشاب، ولكن زاد إدراكى بأن تاريخ أمتنا إما أنه غائب كلية عن الأجيال الجديدة بحكم انخراط بعضها فى التعليم الأجنبى، الذى لا يهتم بتدريس مادة التاريخ المصرى، والبعض الآخر يعانى من تدهور التعليم فى المدارس الحكومية وسوء المناهج، التى لا تعطى لمثل هذه الأحداث حقها من المعلومات.


هؤلاء الشبان للأسف لم يحتفلوا بـ ٢٣ ديسمبر (عيد النصر والعيد القومى لبورسعيد)، كما كنا نحتفل فى مدارسنا فتحكى لنا مدرسة التاريخ عن هذا اليوم من عام ١٩٥٦، الذى انسحب فيه جنود العدوان الثلاثى أذلاء من بورسعيد بعد معركة أذهلت العالم لا لتفوق عسكرى هذا كان مستحيلًا أمام أساطيل وطائرات جيوش دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا، بالإضافة لإسرائيل، ولكن لنصر سياسى كبير.


نعم استطاعت مصر، وهى البلد الصغير، التى كانت مازالت، فى سكرة الاحتفال بجلاء آخر جندى من القوات البريطانية عن أرضها فى ١٨ يونيه ١٩٥٦، تنفيذًا لاتفاقية الجلاء ١٩٥٤، كما لم يكد يمر أكثر من ٤ سنوات على ثورتها فى٢٣ يوليو ١٩٥٢، وهى دولة وليدة يحكمها مصرى من «الصعيد الجوانى» لأول مرة منذ سنوات طوال، ويحلم بسد عال يبنيه المصريون بسواعدهم يمنع عنهم خراب الفيضانات، ويأتى لهم بخير الكهرباء، ولكنهم يتكاتفون فى الغرب ضده، ويحاولون سرقة حلمه بسحب تمويل البنك الدولى بعد أن سحبت أمريكا عرضها للمساهمة، فكان إعلانه تأميم قناة السويس على رأى عبد الحليم، ضربة معلم، فكان العدوان الثلاثى.. أراد إيدن، رئيس وزراء بريطانيا، ومولييه، رئيس وزراء فرنسا، تركيع مصر وإذلالها واحتلالها من جديد.


ولكن مصر استطاعت فى هذه الفترة أن تجعل العالم كله معها ضد المعتدين، أدارت الأزمة باقتدار وبتخطيط وجرأة.. كان التأميم مغامرة محسوبة اختاروا له ثلاثة من المهندسين الأكفاء الوطنيين والذين بدورهم اختاروا من يساعدهم.. بحثوا فى الأوراق والكتب.. حددوا الهدف والوسيلة.. واعتصموا بالسرية والسرعة والقوة وعمل دؤوب والاحتماء بالشعب، الذى أدرك أن التأميم حق له ولا يجوز التفريط فى قناله، التى حفرها الأجداد بالعرق والدم، وأن المقاومة كتبت عليه، نكون أو لا نكون، على رأى شكسبير.. إما أن نحيا بكرامة أو نموت..


الذين صنعوا هذه المعركة السياسية وأداروا الأزمة بحرفية هم شباب رئيسهم لم يتجاوز الـ٣٧ من عمره، ولهذا كانت لديهم الشجاعة والجرأة والحماس، أجادوا داخليًا وخارجيًا فكتب لهم النجاح.. ترى ماذا ينقصنا اليوم حتى لا نستطيع إدارة الأزمات، حتى ولو كانت أزمة السكر؟