د. تامر عبد الحميد أبو بكر: والدى كتب خطة التأميم

26/10/2016 - 3:24:02

  تامر عبدالحميد أبو بكر والأشقاء مع الزميل محمد السويدى - عدسة: مصطفى سمك تامر عبدالحميد أبو بكر والأشقاء مع الزميل محمد السويدى - عدسة: مصطفى سمك

حوار: محمد السويدى

رغم أنه عمره وقتها كان لا يتعدى الـ»٥ سنوات»، إلا أنه يتذكر الأحداث كماهي، وكأنها حدثت قبل أيام، وليست قبل ٦٠ عامًا، هو الدكتور تامر عبد الحميد أبو بكر، رئيس غرفة صناعة البترول والتعدين باتحاد الصناعات المصرية، النجل الأكبر للمهندس عبدالحميد أبو بكر، أحد الأذرع الثلاثة، التى قادت عملية تأميم قناة السويس، بجانب كل من المهندس محمود يونس، والمهندس محمد عزت عادل.


«الابن تامر» لا يزال يتذكر أن والده هو من كتب بخط يده خطة تأميم القناة، ويسرد التفاصيل والأحداث، التى مرت بالأسرة، قبل التأميم، بقوله: كانت فى الأسرة فى إجازة مصيف بالإسكندرية، وكنت طفلا صغيرًا أبلغ من العمر ٥ سنوات، وكنا نقيم فى فندق (لاتوريل) بشاطئ ستانلي، وكان محمد أحمد، سكرتير الرئيس جمال عبد الناصر، يبحث عن المهندس محمود يونس، الذى كان يقضى هو الآخر إجازة صيف فى ميامى مع زوجته، وعندما فشل سكرتير الرئيس الراحل فى الوصول للمهندس «يونس»، كلف والدى للبحث عنه بشكل عاجل والاتصال بالرئاسة بناءً على طلب الرئيس جمال عبد الناصر، وذهب والدى للمهندس «يونس»، وانتقلا سويا إلى «مكوجى» بالقرب من شقته فى ميامى، وقاما بالاتصال من عنده بالرئاسة، وطلب «ناصر» منهما الحضور فورًا لقصر الرئاسة بالقاهرة.. ولم يكن والدى وقتها يعرف أن «المهمة هى تأميم القناة»، لأن عبد الناصر لم يذكر فى التليفون ذلك، بل كان يطلب التجهيز لافتتاح خط البترول الممتد من السويس إلى مسطرد فى ذكرى ٢٣ يوليو ذكرى الثورة.


ويسطر «تامر» علاقة والده فى هذا التوقيت بمشاريع البترول ودوره فى افتتاح خط البترول من السويس إلى مسطرد، بقوله: والدى ومعه أربعة آخرون من بينهم المهندس محمود يونس، كانوا ضباط مهندسين فى القوات المسلحة قبل اندلاع ثورة ٥٢ وبعد نجاح الثورة، تم إلحاق الضباط الخمسة وهم خريجو كلية الهندسة بالمكتب الفنى لمجلس قيادة الثورة، وكان أكبرهم المهندس محمود يونس، وكان هذا المكتب نواة لتدشين وزارتى الصناعة والكهرباء فيما بعد، بالإضافة إلى مؤسسة البترول، وطلب عبد الناصر من والدى بصفة شخصية تعلم البترول، الذى كان يهيمن عليه فى ذلك الوقت الأجانب بحكم توليهم مناصب فى الشركات الأجنبية العاملة فى مجال البترول فى مصر، وبالفعل سافر والدى بصحبة آخرين فى بعثة لمدة عام فى إنجلترا وهولندا، للتعلم فى صناعة البترول والتكرير، وكانت والدتى معه، وأنا كنت طفلًا صغيرًا يبلغ ٣ سنوات، وبعد عودة والدى من الخارج تم تكليفه برئاسة معمل بترول السويس، ومن هنا جاءت خطة إنشاء خط أنابيب لنقل المواد البترولية من السويس إلى مسطرد، وانتهى العمل فيه فى شهر يوليو ١٩٥٦ ومن ثم كان عبد الناصر يتحدث مع المهندس «يونس» تليفونيا عن تلك المُهمة الخاصة بخط أنابيب مسطرد ولم يفصح لهم عن المهمة الرسمية، وهى تأميم قناة السويس إلا فى القاهرة.


يتذكر الابن «تامر» تفاصيل تكليف والده بمهمة التأميم، عندما ذهب المهندس محمود يونس إلى الرئيس الراحل عبد الناصر فى قصر إقامته، وكان برفقته والدى، وكذلك المهندس محمد عزت عادل، ودخل «يونس» إلى مكتب عبد الناصر، وهُنا أمر الرئيس بإدخال والدى والمهندس «عزت»، وأبلغهم بقرار التأميم بعد يومين من اللقاء، وأعطاهم الضوء الأخضر لوضع الخطة والتنفيذ بكامل صلاحيات رئيس الجمهورية، وكانت خطة تأميم القناة مكتوبة بخط يد والدى.


وعن إدارة المهندس عبد الحميد أبو بكر للقناة بعد انسحاب المرشدين الأجانب، تحدث نجله، تلك قصة طويلة حكاها لى والدى، فقد كان عدد المرشدين، الذين يقومون بالإرشاد فى القناة ٢٠٥ مرشدين منهم ٢٩ مصريًا، والباقى أجانب (١٧٦) من جنسيات مختلفة إنجليزية وفرنسية ويونانية ونرويجية، وكان الأجانب يرفضون أن يتعلم المصريون مهنة إرشاد السفن، وحمل والدى على عاتقه مُهمة دراسة عمليات المرشدين فى القناة، دراسة وافية، وكان معه زميلاه عادل عزت وفؤاد بكر، وكانت البداية قيام والدى بمُرافقة ناقلة بترول سويدية من بورسعيد مع مرشد فرنسي، وقام بتدوين كل شىء يقوم به المرشد، وتم تدريب مصريين على مهمة الإرشاد ونجحوا بامتياز فى مهمتهم، وقد ساعدت القيادة العامة للقوات المسلحة فى هذا التوقيت على توفير بعض ضباط البحرية التجارية، للمُساهمة فى العمل فى قناة السويس، وظل العمل والتدريب يسرى بخُطى سريعة، حتى تحطمت أسطورة المرشد الأجنبي، وعندما انسحب المرشدون الأجانب من القناة بناءً على تعليمات بلادهم، واجه والدى ورفاقه المُهمة بمُنتهى الحكمة، وقد أشاد بها عبد الناصر وزعماء العالم فيما بعد، الذين ظنوا أن المصريين سيفشلون فى إدارة القناة.


ولايزال الحديث للابن «تامر» ليتذكر أحداث عام ١٩٥٦، قائلًا: كل ما أتذكره أن والدى فى هذه الأثناء، كان أول سكرتير عام للهيئة المصرية العامة للبترول عند إنشائها، كما كان عضوًا بمجلس إدارة القناة، وكانت الأسرة تُقيم فى «فيلا» بالإسماعيلية، والتى كانت فى الأصل من بين القصور، التى تم بناؤها للملكة، وفى حديقة الفيلا كُنت ألعب فيها مع أختى «هالة وخالد شقيقى الأصغر».. واستقبلنا خبر العدوان والطائرات، التى تقصف مدن القناة، فعُدنا إلى منزلنا بمصر الجديدة، وكان والدى بين الحين والآخر يأتى إلينا كل أسبوع أو أسبوعين، لكن معظم الوقت كان يقضيه فى الإسماعيلية وقت العدوان، وكان معه مدفع رشاش وكانت أيام عصيبة مرت علينا وعلى جموع المصريين ولا تفارق خيالى حتى هذه اللحظة.


لكن «تامر» يقول: إنه بعد انتهاء العدوان الثلاثى عدنا مرة أخرى للإقامة بالإسماعيلية، وفى كل عام أثناء ذكرى ثورة يوليو، وبالتحديد فى أعوام ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣ كنت أذهب برفقة شقيقتى هالة لبورسعيد، ونُقدم الورد للزعيم عبد الناصر، وظللنا بهذه الفيلا عدة سنوات، حتى رحلنا عنها، عقب ترك والدى للإسماعيلية مجددا، وأصبحت الفيللا جزءًا من قصور الرئاسة حتى اليوم، ومن الصدف أن حديقة الفيلا، التى كنا نلعب فيها، هى التى شهدت استشهاد الفريق عبد المنعم رياض فى حرب الاستنزاف.


فريق التأميم علم بالمعلومة قبلها بـ ٤٨ ساعة، لكن هل علمت أسرة وزوجة المهندس عبد الحميد أبو بكر بهذا التاريخ، يتذكر ذلك «تامر»، لم يحدث هذا إطلاقًا، وتلك إحدى سمات والدى كتم الأسرار، ولاسيما أسرار العمل، فعمل والدى بالقوات المُسلحة أكسبته الانضباط وحُسن أداء المهام المكلف بها فى سرية تامة، فضلًا عن كونه شخصية قوية وحازمة، فقد كان يؤثر بلده ووطنه على نفسه وعلى زوجته وأبنائه.


يتذكر «تامر» أيضًا آخر حديث مع والده قبل رحيله، كان مهمومًا بالوطن، وبالأزمة العربية، وقد ورثنا منه حبه لعبد الناصر والقومية العربية، وكان يرى أن الدول العربية مُجتمعة فى يد واحدة، لا يستطيع أحد، أو أى قوة عظمى الاقتراب منها، لكن هذا لم يحدث بكل أسف، ونحمد الله أنه وهبنا جيشًا نفتخر به وعقيدته التى وضعها محمد على، ومن بعده أحمد عرابى، هى الحصن الأمين للمصريين، لا فرق فيه بين مسلم ومسيحى، صعيدى أو فلاح، الجميع وقت الحرب ووقت المِحن يد واحدة، وهو ما شجعنى عقب تخرجى فى كلية التجارة، أن أقول لوالدى “أنا عايز أبقى ضابط فى الجيش المصرى”، وبالفعل أصبحت ضابط احتياط والتحقت بالجيش بعد اندلاع حرب أكتوبر ٧٣ بعدة أيام، واستمررت فيها حتى عام ١٩٧٦.


ويكمل «تامر» والدى بطبعه «ثورجى» على كل شىء عل الخطأ وعلى الفساد والظلم، وكان أحد الذين قادوا مظاهرات الطلبة على كوبرى عباس عام ١٩٤٦ وشارك معه ٤ من طلبة البكالوريوس فى فتح الكوبرى أمام المتظاهرين ضد الملك والإنجليز، وفى هذا اليوم ضربه البوليس السياسى بـ»الكورباج».. كما كان أحد المتهمين مع الرئيس الأسبق أنور السادات فى قضية مقتل أمين عثمان، وبعد تخرجه التحق بالجيش المصرى، وأصبح ضابطا فيه، وشارك فى حرب ١٩٤٨ وبعد العودة من فلسطين كان ضمن الخلايا السرية التى خططت لثورة يوليو مع الضباط الأحرار.


«تامر» متحدثًا عن جمال عبد الناصر، كنت أحبه وأعشقه وحزنت بشدة عندما توفى، وكنت آنذاك شابا يبلغ من العمر ١٩ سنة، وذهبت من مصر الجديدة إلى منطقة قصر النيل فى انتظار وصول جثمانه إلى نادى الجزيرة، ومنه إلى مجلس قيادة الثورة، وبعدها إلى التحرير، وبكيت بشدة وخبطت رأسى فى الحائط عند تمثال أسد قصر النيل، لكن هذا لا ينفى رغم عشقى لعبد الناصر أنه كانت هُناك له أخطاء لابد من الاعتراف بها.


وحول لقب «أبو الغاز» على والده، قال «تامر» هذا اللقب لم يأت من فراغ، فهو أحد الذين ساهموا فى تكوين وتدعيم البترول الوطنى وإنشاء الهيئة المصرية العامة للبترول، وكان أول سكرتير لها عام ١٩٥٦ وساهم فى تأميم شركة شل وإدماجها مع ١٧ من شركات البترول والنقل البحرى وأصبح اسمها شركة مصر للبترول، ثم أنشأ شركة بلاعيم وبتروجاس، وهو من نادى بإدخال الغاز الطبيعى للمنازل.