د. مصطفى الحفناوى أول من طالب بتأميم القناة فى رسالة دكتوراه

26/10/2016 - 3:20:20

فكرة تأميم قناة السويس كانت تعتمل داخل كثيرين، قبل ذلك اليوم بسنوات فقد كانت القناة بوضعها السياسى والإدارى تمثل جرحًا للضمير المصرى.. القناة حفرت فى أرض مصرية وحفرت بأيدى المصريين، وقدمت مصر ١٢٠ ألف شهيد فى عملية الحفر، من بين الفلاحين الذين كانوا يجلبون من القرى بنظام السخرة للحفر، فى ظل ظروف عمل بالغة القسوة فى القناة، وبعد أن تم افتتاح القناة اضطرت مصر الدولة إلى بيع أسهم مصر فى القناة، وهكذا خرجت مصر صفر اليدين من هذا المشروع الضخم الهائل، بعد أن اضطرت إلى بيع أسهمها فى القناة.


وعبر القناة دخلت القوات البريطانية مصر وفرضت عليها احتلالا دام ٧٤ عاما متصلة.. وفى غضون ذلك القناة تحولت – فعليا – إلى شوكة فى ظهر مصر، فقد أقام الإنجليز حولها قاعدة عسكرية ضخمة يمكن أن ينطلقوا منها بسهولة إلى كل شبر فى أرض مصر، وتحولت شركة القناة إلى دولة أخرى داخل الدولة لا ولاية للدولة المصرية عليها، وكان الجميع يشعرون بذلك طوال الوقت، خاصة الأهالى من عمال وفلاحين ومثقفين وقوى وطنية.


وفى هذا الإطار يأتى اهتمام، بل تخصص د.مصطفى الحفناوى، وفى رسالته للدكتوراه، التى نوقشت فى يونيه ١٩٥١ فى كلية الحقوق بجامعة باريس، والتى حملت عنوان: «مشكلات قناة السويس المعاصرة» طرح فكرة تأميم أو استعادة مصر للقناة.


د.مصطفى الحفناوى هو أستاذ القانون، ولد فى «القنايات» بمحافظة الشرقية، وحصل على الثانوية من مدرسة الزقازيق ثم التحق بكلية الحقوق فى العام ١٩٣٥ ومنذ وقت مبكر فى حياته تشبع بسيرة ونضال الزعيم الوطنى مصطفى كامل أنه لا تفاوض الا بعد الاستقلال، ولذا نجد الحفناوى كان من يبن معارضى معاهدة ١٩٣٦ فى مصر، فقد رأى فيها قيودا على استقلال مصر.. وكتب فى الصحف ضد المعاهدة وأصدر كتابا ضد المعاهدة، واعتقل بعض الوقت بسبب هذه المعارضة.


مساندة محمد صلاح


وفى نهاية الأربعينيات قرر الحفناوى أن يواصل دراساته العليا فى القانون بجامعة القاهرة، واختار موضوعا شائكا، وهو قناة السويس كان أمر شركة القناة قد استحفل وصارت موضع قلق وانتقاد كثير من المصريين كان دخل القناة آنذاك ٣٥ مليون جنيه سنويا نصيب مصر منها مليون جنيه فقط، أى أقل من ٣٪ والباقى يذهب إلى الشركة أى إلى إنجلترا وفرنسا فى نهاية المطاف.


ولم يكن ممكنا إتمام دراسة جادة عن القناة دون الرجوع إلى جميع الوثائق، والمشكلة أن الوثائق كانت موجودة بمقر الشركة فى باريس ويقتضى الأمر أيضًا المرور بلندن لمراجعة ما لديها من وثائق، والسفر مكلف لصحفى ناشئ، فالتقى الحفناوى بوزير خارجية مصر سنة ١٩٥٠ د.محمد صلاح الدين متحمسا وعرض عليه الأمر.


كان صلاح متحمسًا للفكرة وللموضوع، فهو كوزير خارجية يرى وضع الشركة بكافة تفاصيله المريرة لأى مصرى، وهكذا قرر إلحاق الحفناوى بالسفارة المصرية فى باريس كمستشار صحفى وكلفه بمتابعة القضية الوطنية هناك، وهذا ما يسر له ومكنه من دخول مقر الشركة ومراجعة جميع الوثائق، ومن بينها وثائق لم يكن أحد يعلم عنها شيئا، وهى الوثائق التى تؤكد ملكية مصر للقناة، كانت شركة القناة تسمى نفسها باسم الشركة العالمية، وتحت هذا الغطاء اعتبرت أنها كشركة وما يتبعها من القناة ومنشآتها ليست مصرية، بل «عالمية» أى فى نهاية الأمر بريطانية وفرنسية.


وما أثار قلق د.الحفناوى فى باريس أنه تابع نشاط الشركة ووجد أنها تسعى لمد أجل امتياز القناة، والذى كان مقررا أن ينتهى فى ١٩٦٨. كانت الشركة تريد أن تمد سيطرتها ولا تترك القناة نهائيا ويكتب د.الحفناوى فى ١٠ فبراير ١٩٥٢ فى كتابه عن القناة بالحرف «أرجو أن يكون معلومًا للخاص والعام، أن أبواق الدعاية الاستعمارية قد ضاعفت جهدها، لتشويه الحقائق وقلب الأوضاع، فهى من ناحية تحاول تحت ستار المصالح الإستراتيجية، أن تداول منطقة قناة السويس وأن تنتزع من جسم مصر وبالدهاء وسعة الحيلة تارة وبالبطش والجبروت تارة أخرى، أهم شريان يتصل بحياة هذه البلاد، وذلك لكى تطيل أجل الاستعمار، الذى أذن بالزوال.


والفكرة الأساسية لدى د. الحفناوى فى رسالته تقوم على أن هناك خلطًا متعمدًا بين أمرين:


الأول: ملكية القناة.


الثانى: وظائف القناة وإدارتها والذى لاشك فيه بحكم جميع الوثائق المتاحة، سواء تلك التى وقع عليها الخديو إسماعيل، أن القناة حفرت فى أرض مصرية، أما الوظيفة فهى الملاحة الدولية، وما انتهى د.الحفناوى أنه فى القانون الدولى العام لا يجوز للوظيفة أن تغير وصفا قانونيا للبلد، الذى قامت عليه المنشأة، وعلى هذا فالقناة مصرية ويجب أن تبقى كذلك، ومن ثم تكون إدارتها تابعة لمصر.


نوقشت رسالة الدكتوراه فى يونيه ١٩٥١ وبدأ فى نقلها إلى العربية مباشرة لتصدر فى عدة أجزاء وتكشف الرسائل التى تلقاها د.الحفناوى من المسئولين المصريين، كيف أن هذا الأمر كان موضع اهتمام الدوائر المختلفة فى مصر.


وحين قامت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ دعى د.الحفناوى إلى نادى الضباط بالزمالك فى العام نفسه ليلقى محاضرة عن تاريخ القناة وشرح باستفاضة فكرته وعرض ما لديه من وثائق، مطالبا بضرورة استعادة القناة، واقترح إنشاء وزارة باسم القناة تتولى هذه المهمة، وكان ضباط القيادة حاضرين واستمعوا إلى تلك المحاضرة، وقد استعان الرئيس جمال عبد الناصر بكتاب د.الحفناوى، وهو يعد قرار التأميم وفى يوم ٢٥ يوليو ١٩٥٢ استقبل الرئيس جمال عبدالناصر فى مكتبه د.الحفناوى، واطلعه على ما يحدث فى اليوم التالى وكلفه بأن يكون فى مجموعة المهندس محمود يونس لتنفيذ عملية التأميم وعين مستشارا قانونيا لشركة قناة السويس بعد تأميمها، وقام بمهمته بكفاءة عالية خاصة أن صراعات قانونية حول القناة وإدارتها نشبت بعد قرار التأميم، وفى سنة ١٩٥٧ صدرت طبعة خاصة من كتابه عن القناة فى خمسة مجلدات ولم يطبع ثانية كاملا، بل صدرت بعض مستندات منه فى كتيبات لتوعية الشباب بتاريخ القناة.