الاقتصاد المصرى فى لحظة العدوان

26/10/2016 - 3:18:46

  ناصر مع تيتو.. صداقة القاهرة وبلجراد التى أسست «عدم الانحياز» ناصر مع تيتو.. صداقة القاهرة وبلجراد التى أسست «عدم الانحياز»

بقلم: د. حسيـــن عيســـى

يحتفل المصور مع قرائه الأعزاء بذكرى مرور ٦٠ عاماً على العدوان الثلاثى وحرب السويس ويا لها من أيام مجيدة سطرت بحروف من نور قصص كفاح الأبطال نحو الصمود والتحدى والانتصار واستقلال الإرادة والقرار. ولعلى فى السطور القادمة أحاول إلقاء الضوء على الاقتصاد المصرى فى هذه المرحلة الهامة من تاريخ مصر لعل ذلك يفيد فى دراسة وتحليل الواقع الاقتصادى الحاضر بهدف استشراف المستقبل والاستعداد له.


والحقيقة أنه لا يمكن فهم طبيعة وملامح الاقتصاد المصرى فى تلك المرحلة دون أن نلقى بإطلالة على هذا الاقتصاد قبل ثورة ١٩٥٢ وخلال الفترة من ١٩٥٢ وحتى ١٩٥٦ .... أخذ الاقتصاد المصرى الطابع الرأسمالى التقليدى قبل ثورة ١٩٥٢ فهناك رجال أعمال مسيطرون على معظم أدوات ووسائل الإنتاج وكانت الممارسات الإقطاعية تتواجد فى الريف المصرى وفتحت مصر أبوابها أمام رءوس الأموال الأجنبية خاصة الإنجليزية والفرنسية وتركزت مصادر الثروة فى أيدى ٠.٥٪ من السكان، وكان التفاوت الطبقى على أشده، وبدا واضحاً أن الشعب المصرى مقسم إلى فئتين إحداهما تملك كل شيء وتتحكم فى مقدرات البلاد والأخرى وهى السواد الأعظم من الناس تعانى من العديد من المشاكل الاقتصادية الحادة الشرسة.


وجاءت ثورة يوليو ١٩٥٢ لتطرح مفاهيم اقتصادية جديدة قوامها نشر ثقافة العمل وخفض التفاوت بين الطبقات وتحقيق متطلبات المساواة والعدالة الاجتماعية وتحرير الفلاح من الرق الإقطاعى وضرورة الاهتمام بالصناعة خاصة الصناعة الثقيلة وشهدت مصر تطبيق قانون الإصلاح الزراعى فى سبتمبر ١٩٥٢ والذى حول معظم الفلاحين من إجراء مستعبدين إلى ملاك للأرض وكان هناك اتجاه للتعاون مع القوى السياسية والاقتصادية القائمة فى ذلك الوقت ولكن عدم اقتناع معظم هذه القوى بالتوجه الجديد لقادة الثورة وشعورهم بأن القرارات والإجراءات الثورية الجديدة تقف ضد مصالحهم وأهدافهم ... كل ذلك أضعف هذا التعاون، بل إن هذه القوى أصبحت تشكل عائقاً واضحاً تجاه تطوير العمل السياسى والاقتصادى.


وفى هذه الأجواء تقدمت مصر بطلب إلى البنك الدولى للإنشاء والتعمير لكى يقوم البنك باتخاذ اللازم نحو مساعدة مصر فى تمويل بناء السد العالى، وتم رفض الطلب من البنك كمحاولة لكسر النظام المصرى وإيقاف خطط عبد الناصر للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.


بذلت مصر فى ذلك الوقت جهداً كبيراً لإثناء البنك الدولى عن موقفه المتخاذل تجاه طلبات مصر ولكن هذه الجهود لم تسفر عن شيء ملموس.... وهنا جاءت الفكرة المذهبية غير المتوقعة للرئيس عبد الناصر لتأميم شركة قناة السويس ... وبعيداً عن تقييم هذا القرار التاريخى والذى لا يصح أن يتم إلا فى ضوء دراسة الظروف والملابسات التى صاحبت هذا القرار ... إلا أنه وبالرغم من كل شيء فإن هذا القرار شكل نقطة فاصلة فى تاريخ العلاقات بين الدول النامية والدول المتقدمة وقدم لأول مرة إجابات عن أسئلة حائرة مثل مدى استفادة مصر من القناة ومدى استغلال الأجانب لها وهل يمكن إدارة القناة بسواعد مصرية إذا هجرها الأجانب ... كان قرار التأميم ضربة قاصمة ضد مصالح الغرب فى المنطقة وإيذاناً ببداية عهد جديد من التنمية الاقتصادية واستقلال الإرادة والقرار.


وبالطبع صاحب قرار التأميم ردود أفعال محلية وإقليمية وعالمية متباينة ما بين مؤيد ومعارض، ولكن الشيء المؤكد أن مصر عبد الناصر أصبح ينظر اليها العالم كواقع جديد غير مألوف وغير تقليدى، وأصبحت مصر محط أنظار الدول التى مازالت محتلة وتسعى إلى التحرر من قبضة الاستعمار الغادر.


وعجلت قرارات التأميم ببدء العدوان الثلاثى على مصر فى أكتوبر ١٩٥٦ والذى كان بقيادة إنجلترا وفرنسا ومعهم إسرائيل.


وبعيداً عن التداعيات السياسية والعسكرية لهذا العدوان فقد شكلت هذه الفترة واقعاً اقتصادياً جديداً، فهناك شريان مائى عالمى مثل قناة السويس تم تأميمه لصالح الاقتصاد المصرى وقويت العلاقات مع الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفيتى وشارك السوفيت فى بناء السد العالى كما ساهموا فى تسليح الجيش المصرى وانتشر الخبراء الروس ليساعدوا مصر فى المجالات العسكرية والصناعية.


وشهدت هذه الفترة أيضاً ميلاد الوحدة العربية بين مصر وسوريا وبعد ذلك انطلاق حركة عدم الانحياز بقيادة مصر والهند ويوغوسلافيا وبدت مصر كالمرفأ الأخير لدعاة الحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان والتحرر من قبضة المستعمر البغيضة.


كانت الفترة من ١٩٥٦ وحتى ١٩٦٠ فترة متوترة إلى حد كبير بسبب ضخامة وتنوع الأحداث السياسية والاقتصادية وبدا للنظام المصرى إمكانية تطوير نظام اشتراكى يقوم على تحالف قوى الشعب العامل مع ضرورة التفكير فى تأميم المشروعات والمؤسسات الإنتاجية والصناعية والخدمية وهو ماحدث بالفعل خلال أعوام ١٩٦٠ – ١٩٦٥ .


ومرة أخرى نحن لا نقيم هذه القرارات فهذا فى حاجة إلى دراسة مستقلة ولكننا نوضح أن التغيرات السياسية والاجتماعية الحادة التى صاحبت هذه الفترة قد أثرت على طبيعة ومقومات الاقتصاد المصرى بصورة بالغة وأصبح النظام الاقتصادى معتمداً على التخطيط المركزى ورأسمالية الدولة والنمو المضطرد للقطاع العام وتقليص دور القطاع الخاص (باستثناء قطاع الزراعة) وإدارة الدولة لوسائل ومؤسسات الإنتاج.


وقد شهدت هذه الفترة أيضاً ارتفاع معدلات النمو الاقتصادى فى بعض السنوات وتطوير العديد من الصناعات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة على مدار محافظات مصر، وانتهجت الإدارة المصرية أسلوب التخطيط المركزى فتم وضع خطة التنمية الشاملة ١٩٦٠-١٩٦٥ وخطة أخرى ١٩٦٥ – ١٩٧٠ وإن كانت الأخيرة قد توقفت بسبب هزيمة يونيه ١٩٦٧، خلال هذه الفترة دعمت مصر معظم حركات التحرر الوطنى من الاستعمار فى أرجاء العالم العربى والقارة الإفريقية واستطاعت معظم الدول العربية نيل استقلالها، وكذلك العديد من الدول الإفريقية مما ساعد على بروز مكانة مصر الدولية واعتبارها إحدى الدول المؤثرة إقليمياً فى المحيط العربى والإفريقى والإسلامى وانتعشت حركة عدم الانحياز بقيادة مصر والهند ويوغسلافيا وتم إنشاء منظمة دول عدم الانحياز والتى ضمت عددا كبيرا من دول العالم فى ذلك الوقت.


هناك الكثير مما يمكن قوله عن هذه المرحلة التاريخية فى حياة مصر ولكن الشيء اللافت هو التداخل والتشابك الملحوظ بين العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أن المجال كان مفتوحاً أمام اتخاذ قرارات وسياسات غير تقليدية من خارج الصندوق أثرت على الاقتصاد المصرى والعربى والعالمى، وأعتقد أن الباب مازال مفتوحاً لإعداد دراسات منهجية مفصلة لتقييم موضوعى لهذه الفترة ... تقييم شامل لمختلف الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية يربط بين الأسباب والنتائج ويحلل واقع الأحداث فى ضوء متغيرات ومعطيات هذه الفترة حتى نستخلص عددا من الدروس المستفادة علها تساعدنا اليوم على التعامل مع المشاكل الاقتصادية الحالية.