اسمعوا الحكاية

26/10/2016 - 3:14:22

  رجال المقاومة الشعبية المتطوعين عن الدفاع عن مدينة بورسعيد رجال المقاومة الشعبية المتطوعين عن الدفاع عن مدينة بورسعيد

تحقيق من بورسعيد: عادل جرجس

لم يكن قرار الرئيس جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس هو الشرارة التى فجرت العدوان الثلاثى على مصر فقرار العدوان كان مبيتًا له منذ قيام الثورة فى يوليو ١٩٥٢ وبدا جليا أن كلا من بريطانيا وفرنسا تعملان فقط على كسب الوقت خاصة بعد ان وقعت إنجلترا اتفاقية الجلاء عن مصر فى ١٩ أكتوبر ١٩٥٤ فلم تكن تلك المعاهدة سوى خديعة للتمويه السياسى خاصة أن مدى تنفيذها الزمنى قد تحدد بسبع سنوات، ومن ثم أصبحت احتمالات الصدام العسكرى تفوق بكثير فرص التطبيع السلمية وهو ما فطن اليه مبكرًا عبد الناصر وأعلنها صراحة (ان هذه المعاهدة لن يكون لأجلها نهاية لأن الإنجليز سيعرضونها كقضية على إحدى المحاكم الدولية ويحصلون بمقتضى هذا على حكم بمد أجلها وأننا كدول صغيرة لا نثق كثيرا بنزاهة هذه المحاكم لأننا نعرف أنها تحت إرادة الدول الكبرى تديرها من أجل مصالحها الخاصة) وإن كان قرار العدوان مبيتا فإن قرارات عبد الناصر وكيفية تعاطيه مع الازمة كانت هى المقاومة الحقيقية التى أفشلت هذا العدوان ليثبت ناصر للعالم كله أن (المقاومة قرار). 


 فى الثامن والعشرين من أكتوبر١٩٥٦ أى قبل وقوع العدوان بيوم واحد وردت معلومات مؤكدة للرئيس عبدالناصر عن اعتزام إسرائيل شن هجوم عسكرى على مصر وقرر الرئيس عبد الناصر إبلاغ هذه المعلومات للقيادة العسكرية كما وجه تعليمات للمخابرات الحربية لمعرفة أحدث أوضاع للقوات المسلحة الإسرائيلية وهل هناك حشود على الجبهة المصرية أو أية تحركات عسكرية ملفتة وكان رد المخابرات الحربية يؤكد أن الوضع عادى ولا يتضمن أية مؤشرات بالهجوم وفى الحقيقة كانت وسائل الاستطلاع المتاحة فى تلك الفترة ضعيفة وقاصرة وترتكز فقط على العنصر البشرى والأساليب اليدوية باستخدام المندوبين والعملاء. ولم تكن المخابرات العامة قد تمكنت بعد من توفير مصادر جيدة فى داخل إسرائيل باستثناء مصدر واحد رئيسى هو رفعت الجمال (رأفت الهجان ) وكان ما زال فى دور الإعداد ومرحلة التعرف على المجتمع الإسرائيلى ولم يثبت أقدامه بعد فى الميدان بينما كان أحد ضباط المخابرات العامة وهو إبراهيم بغدادى قد استخدم صحفيا مصريا يدعى إبراهيم عزت من مجلة روزاليوسف تمكن من إدخاله إلى إسرائيل فى عملية مخابراتية بغرض الحصول على المعلومات ولم يستطع إبراهيم عزت العودة إلا بعد انتهاء العدوان الثلاثى وعن طريق باريس ومع اقتراب وتجمع مؤشرات العدوان حذر عبد الناصر من الهجوم على غزة وطالب بتأمينها واعتبر أن اختراقها يعد مسألة حياة أو موت للقوات المصرية كما وجه توجيهات للقوات الجوية بتنفيذ خطة الانتشار فى حالة ثبوت التفوق الجوى الإسرائيلى وذلك بالتوجه للسعودية تنفيذا للاتفاقيات السابقة مع المسئولين فيها أو إلى بعض مطارات جنوب الوادى وبما أن مطارات جنوب الوادى لم تكن مهيأة إلا لاستقبال الطائرات الصغيرة فقد كان الانتشار الأساسى يجب أن يكون فى الأراضى السعودية، لكن هذا الإجراء لم يتخذ.


صباح يوم ٢٩أكتوبر ١٩٥٦ أصدر الرئيس جمال عبد الناصر توجيهات بانتشار جميع الأجهزة الحساسة والسيادية لتحتل أماكن تبادلية وعدم التجمع فى مكان واحد وقد جرى بالفعل توزيعها على أكثر من موقع، فانتقلت القيادة العامة للقوات المسلحة إلى مبنى تبادلى فى حديقة الزهرية بالزمالك أمام نادى ضباط الشرطة وانتقل مكتب الرئيس للشئون السياسية وسكرتارية المعلومات إلى المبنى الجديد الذى أصبح فيما بعد مقر وزارة الحكم المحلى وهو مبنى تم تجهيزه ضد الزلازل وضد القنابل الثقيلة كما يتوفر فيه ملاجئ وخزائن حديدية تحت الأرض أما مقر مجلس قيادة الثورة فقد كان مقرا تبادليا للقيادة السياسية رغم اعتراض زكريا محى الدين وعلى صبرى وسامى شرف حيث كان هدفا مكشوفا واضحا ولكن عبد الناصر كان يعتز بهذا المبنى وقد تم تركيب شبكة اتصالات كاملة وتبادليات بين هذه المواقع وبعضها.


فى نفس اليوم ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ وقعت أول غارة بالهجوم على غزة كما توقع عبدالناصر والذى كان وقتها فى منشية البكرى فى اجتماع مع مبعوث إندونيسى لتسليمه رسالة من سوكارنو بشأن الاتفاق السرى (الإنجليزى الفرنسى الإسرائيلي) الذى تكشف فيما بعد انه قد تم بين ديفيد بن جوريون عن إسرائيل وكريستيان بينو عن فرنسا وباتريك دين عن بريطانيا وينص الاتفاق على أن تقوم إسرائيل ببدء الحرب مساء يوم ٢٩أكتوبر١٩٥٦ وان تتدخل بريطانيا وفرنسا للفصل بين المتحاربين والسيطرة على قناة السويس وإعادة نشر قواتها داخل مصر وقد تم تحديد الهدف من التدخل الإسرائيلى لتحطيم القدرة العسكرية المصرية وإجبار المصريين على إدراك أن إسرائيل لا تقهر وإجبار مصر على قبول مرور السفن الإسرائيلية عبر قناة السويس ومضيق تيران وفى مساء هذا اليوم صدرت التعليمات بتنفيذ خطة الحرب وبدأ الهجوم على غزة فتم اجتياحها كما احتلت القوات الإسرائيلية ثلاثة مواقع فى الكونتلا ورأس النقب ونخل ولم يتوفر حتى اليوم معلومات دقيقة عن حقيقة ما حدث فى هذا الهجوم.


فى صباح اليوم التالى تعرض مطار ألماظة الحربى لهجوم جوى ورفض عبد الناصر انتقال عائلته إلى منزل بديل فى الزمالك كان تابعا للمخابرات أو إلى منزل آخر فى المرج وأخذ هو يتنقل ما بين مبنى مجلس الوزراء ومجلس قيادة الثورة بالجزيرة ومبنى القيادة العامة للقوات المسلحة فى حديقة الزهرية واطلع على الموقف وسير العمليات الحربية كما تم ترتيب إقامة شبه دائمة له فى مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة وتولى إدارة الأزمة من هناك وتم تخصيص أول غرفة فى الدور الثانى للرئيس وهى تطل على النيل وعلى فندق شيراتون الجزيرة الحالى وغرفة ثانية خصصت كصالون ومكتب وغرفة تابعة لمحمد أحمد السكرتير الخاص أما الغرفتان الرابعة والخامسة فكانتا لأعضاء مجلس قيادة الثورة الذين كانوا يتواجدون فى المبنى ويضاف إلى ذلك غرفتا نوم كان الرئيس يقضى فترة الراحة بعد الظهر فى إحداهما وكان الجناح المقابل والذى يطل على الشارع فكانت تشغله العيادة والأرشيف وضباط الحراسة وبعض المكاتب الاحتياطية لسكرتارية المعلومات والسكرتارية الصحفية وسكرتارية أعضاء مجلس قيادة الثورة عند اللزوم.


الإنذار البريطانى الفرنسى الذى رفضه عبدالناصر 


بدأت إسرائيل فى إسقاط بعض وحدات المظلات فى منطقة المضايق فى سيناء مما دعا إلى عقد اجتماع برئاسة جمال عبد الناصر فى القيادة العامة للقوات المسلحة شارك فيه قادة الأسلحة البرية والجوية والبحرية وكان من رأى الرئيس استخدام القوات الجوية المصرية لوقف تقدم العدو فى سيناء ولكنه فوجئ بارتباك قائد القوات الجوية الذى أشار إلى وجود صعوبات تحول دون تنفيذ هذه الخطة بسبب نقص الوقود فى مطار غرب القاهرة الذى يمثل القاعدة الجوية الرئيسية فى ذلك الوقت وفى ظهر نفس اليوم ٣٠أكتوبر صدر الإنذار البريطانى الفرنسى وكان يطلب من كل من مصر وإسرائيل وقف إطلاق النار وسحب قواتهما خلال اثنتى عشرة ساعة إلى مسافة تبعد عشرة أميال شرق وغرب قناة السويس ولم تكن إسرائيل حتى هذا التاريخ قد وصلت إلى قناة السويس وبدا الإنذار كما لو كان دعوة لإسرائيل للتقدم نحو القناة وأضاف الإنذار أن تقبل مصر بوجود قوات مشتركة للدولتين فى منطقة القناة ومدن بور سعيد والإسماعيلية والسويس لحماية الملاحة فى القناة وإلا ستضطر الدولتان للتدخل بالقوة المسلحة وكان الرئيس جمال عبد الناصر فى ذلك الوقت وفى الساعة الثانية عشرة ظهرا أرسل السفير البريطانى بالقاهرة رسالة للرئيس عبد الناصر بنص الإنذار وبعد وصول الرسالة طلب الرئيس عقد اجتماع سريع وطلب الرأى والدراسة وبدأ أعضاء مجلس قيادة الثورة يتوافدون على مجلس الوزراء حيث حضر عبد الحكيم عامر ثم صلاح سالم وكان قد تم إبلاغ عبد الحكيم عامر بأمر الإنذار تليفونيا كما حضر عبداللطيف البغدادى وحسين الشافعى وزكريا محى الدين وكان موجودا أيضا الدكتور أحمد ثروت الطبيب الخاص للرئيس لم يبد الدكتور فوزى أى رأى فى الإنذار لا بالقبول ولا بالرفض، وكان الاتجاه العام لدى الحاضرين هو الرفض وإن اختلفت وسيلة الرفض هل يغلق المظروف ويرد إلى السفارة البريطانية؟ أم يقوم الدكتور فوزى باستدعاء السفير البريطانى ويوجه إليه رفضا شديد اللهجة؟ ولكن ما إن دخل صلاح سالم المكتب حتى فاجأ الرئيس والحاضرين جميعا بأن خلع غطاء الرأس الخاص به ( الكاب ) ووجه كلامه لعبد الناصر قائلا (يا ريس أحسن حاجة نستسلم وأنا لو منك أروح أسلّم نفسى للسفارة الإنجليزية ) فضحك جمال عبد الناصر والتفت إلى الدكتور أحمد ثروت طبيب الرئاسة قائلا ( ياثروت إديله حقنة تهديه) فرد صلاح سالم ( يا ريس أنا أعنى هذا الكلام إحنا مش قد الإنجليز والوضع الطبيعى أن نسلم أنفسنا وإنت ياريس عليك أن تروح وتقابل السفير الإنجليزى وتطلب منه المعذرة ) فرد عليه عبد الناصر بعنف ووصفه بالجبن وفى لحظة الانفعال المتبادلة بين الاثنين دخل أحد السفرجية حاملا صينية عليها القهوة فأمره صلاح سالم أن يسلمه ملابسه المدنية، وقام صلاح سالم بلبسها وتقدم من الرئيس قائلا ( السلام عليكم يا ريس أنا مسافر السويس وسأقاتل من هناك ) وفعلا غادر المكان وركب سيارته واتجه إلى السويس وانضم للمقاومة الشعبية فى السويس وقام بالفعل من هناك بالتنسيق مع عناصر المقاومة فى تنفيذ أول عملية لإغراق سفينة محملة بالأسمنت بهدف تعطيل الملاحة فى قناة السويس. بعد مغادرة صلاح سالم تم الاتفاق بالإجماع على رفض الإنذار كما اتفق على تسليم الرد بأسلوب بعيد عن العصبية وهو أن يقوم وزير الخارجية محمود فوزى باستدعاء السفير البريطانى ويبلغه برفض الإنذار ورفضت إسرائيل بدورها الإنذار لأنها كانت قد بدأت العمليات العسكرية وفق مخطط سبق الاتفاق عليه مع بريطانيا وفرنسا وكان الهدف هو تمكينها من تحقيق أهدافها وقدد أدرك الرئيس عبد الناصر أن هناك معركة تستهدف إسقاط النظام، وليس مجرد إلغاء قرار التأميم أو فرض السيطرة على قناة السويس فحجم العمليات العسكرية وما صاحبها من تحركات فرنسية بريطانية معلنة حتى قبل وصول الإنذار كانت تؤكد أن الهدف النهائى هو إسقاط نظام ثورة ٢٣يوليو وتقدمت مصر بشكوى إلى مجلس الأمن الدولى تشير إلى العدوان الإسرائيلى وما أعقبه من إنذار بريطانى فرنسى.


 تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بمشروع قرار يدعو إلى وقف القتال فورا بين مصر وإسرائيل وانسحاب الأخيرة إلى خط الهدنة ومطالبة جميع أعضاء الأمم المتحدة بالامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها فى منطقة النزاع وتجنب تقديم أى مساعدات لإسرائيل ما لم تمتثل للقرار. فى اليوم التالى قدم الاتحاد السوفيتى مشروع قرار آخر لمجلس الأمن يتطابق والمشروع الأمريكى لكن بريطانيا وفرنسا استخدمتا حق الاعتراض ( الفيتو ) لإفشال التوصل إلى قرار بل وتقدمت فرنسا بمشروع قرار مضاد يدين مصر لمساعدتها الثورة الجزائرية ودفع هذا التطور بداج همرشولد السكرتير العام للأمم المتحدة إلى عرض استقالته من منصبه احتجاجا على التدخل البريطانى الفرنسى السافر ضد مصر وألقى بيانا يدين فيه الدولتين وأنهما تسببتا فى ضياع الجهود التى تبذل لوقف إطلاق النار أو لإقرار مبادئ التفاوض حول مشكلة قناة السويس نتيجة توجيه الإنذار، وطالب الدول الأعضاء باحترام ميثاق الأمم المتحدة لكن لم تتم الموافقة على استقالته، وكان ذلك تعبيرا عن التضامن مع مصر ورفض العدوان عليها.


عندما بدأت العمليات أجرى جمال عبد الناصر تقييمه السريع للموقف العسكرى وخرج بنتيجة سلبية حيث أدرك أن القوات المصرية لا يمكنها مجابهة العدوان ووقفه فانتقل إلى بديل آخر هو المقاومة الشعبية بأبعادها المسلحة والإعلامية وعمل على أن تمتد أيضا إلى صعيد مصر كله فى شكل مظاهرات واحتجاجات ومن هنا جرى التفكير فى توزيع السلاح على الشعب المصرى باعتبار أنه فى حالة وقوع هزيمة عسكرية ودخول قوات الاحتلال إلى القاهرة فيجب أن تدفع ثمنا غاليا فالقوات المعتدية تعمل على تطويق الجيش المصرى فى سيناء عملا على إبادته وكان أسلوب القيادة العسكرية فى إدارة المعركة يساعد على ذلك برغبتها فى تحقيق انتصار سريع مما دفعها إلى تحريك قوات كبيرة إلى سيناء وجعلها هدفا سهلا للغارات الجوية وأوقع فى صفوفها خسائر كبيرة، ومن ثم فقد تدخل عبد الناصر وأصدر قراره بسحب القوات المسلحة المصرية من سيناء إلى غرب القناة تفاديا لمزيد من الخسائر التى ستنجم حتما عن وقوعها بين حصار القوات الإسرائيلية من الشرق والقوات البريطانية والفرنسية التى أسقطت جوا فى منطقة قناة السويس غربا وكان قرارا سياسيا ناجحا بكل المقاييس ساعد على حماية الجيش المصرى وإفشال أهداف القوى المعتدية ثم قرر تصعيد المقاومة الشعبية ففى أول يوم للعمليات العسكرية البريطانية الفرنسية المشتركة، أصدر الرئيس تعليمات بفتح كل مخازن الأسلحة والذخيرة الموجودة فى القاهرة وتم شحنها فى مئات الشاحنات التى انتشرت فى أحياء القاهرة والمحافظات القريبة وأصدر توجيهات بإعداد مقر احتياطى لرئاسة الجمهورية فى أسيوط بحيث يتم الانتقال إليه فى حالة نجاح العدوان باحتلال الدلتا كما كانت تنص على ذلك الخطة ( روديو) والتى عثر عليها من أرشيف سرى خاص بداخل مبنى الكنيسة الإنجليزية فى قصر النيل فى نهاية ١٩٥٤ وكانت ترتكز على إعادة احتلال القوات البريطانية للجمهورية وأصدر توجيهاته بتعزيز التسليح والتحصينات فى باقى المحافظات.


كلمة السر (ها نحارب) 


كانت كلمة السر لعملية توزيع السلاح هى ” ها نحارب ” شمل توزيع السلاح جميع أفراد الشعب مهما اختلفت مشاربهم ولم يسأل أى فرد عن هويته أو انتمائه السياسى أو العقائدى عند تسليمه السلاح وكان يصحب عملية التسليح فقط التوعية بتعليمات الأمان فى التعامل مع السلاح وتم بالفعل توزيع ما يقرب من مليونى قطعة سلاح. فى نفس الوقت شارك متطوعون من كافة شرائح المجتمع من ضباط وجنود جيش إلى ضباط وجنود من الشرطة إلى المتطوعين المدنيين منهم المحامون والأطباء والمهندسون ورجال الدين الإسلامى والمسيحى والشباب من عناصر الفتوة بنين وبنات وطلبة الجامعات والمعاهد والمدارس الثانوية والعمال والفلاحون وكانت الروح الوطنية تشكل نسيجا بديعا يجمع كل هؤلاء ــ بعد أن هدأت الأمور وتم جلاء القوات البريطانية والفرنسية أمكن جمع كل الأسلحة بالكامل دون أن ينقص منها قطعة واحدة اللهم إلا الأسلحة التى استخدمت داخل بور سعيد نفسها وهذه أيضا لم يفقد منها إلا القليل جدا.


كانت المقاومة فى منطقة القناة تعمل وفق تنظيم محكم تحت إشراف الرئيس، وتولى القيادة المباشرة كل من زكريا محى الدين وكمال الدين حسين وصلاح سالم يعاونهم كمال الدين رفعت وعبدالفتاح أبو الفضل وسعد عفرة ومحمد فائق وسمير غانم ولطفى واكد ومحمود حسين عبدالناصر وفريد طولان وصلاح الدسوقى ومجموعة من ضباط الشرطة بالإضافة إلى مجموعة من ضباط الصاعقة المصرية إلى جانب العديد من العناصر المدنية وكان من ضمنهم سيدات مثل أمينة شفيق من جريدة الأهرام.


عندما اشتعلت المقاومة فى بورسعيد اتخذ جمال عبد الناصر قراره بالذهاب شخصيا إلى المدينة الباسلة للاطلاع بنفسه على ما يجرى فيها، ولكن كل المحيطين به أعربوا عن اعتراضهم على هذا القرار حرصا عليه وكان صلاح سالم قد استقر فى مدينة السويس وكمال الدين حسين يتولى المقاومة فى الإسماعيلية وتحركت سيارات الرئيس بالفعل الى خط القناة ووصل إلى مدينة الإسماعيلية حيث قابله كمال الدين حسين وكمال الدين رفعت اللذان اعترضا على قرار الرئيس وعملا على إثنائه عن مواصلة السفر إلى بور سعيد وقالا له ( إحنا المسئولين عن هذا الخط وإنه من الخطر التقدم بعد الإسماعيلية، ومن رأينا أن تعود إلى القاهرة حيث إن قيادتك من هناك أجدى بكثير من تواجدك فى رقعة ضيقة من أرض المعركة التى هى أرض مصر كلها والعالم العربى كله، وأن وسائل الاتصال هنا تكاد تكون معدومة كما أنه لا يوجد أى وسائل للإعلام وأن وجودك هنا يعد خطأ على المستويين التكتيكى والاستراتيجي) وعاد بالفعل الرئيس الى القاهرة بعدما اقتنع بوجهة نظرهم.


صاحب المقاومة المسلحة حركة مقاومة إعلامية نشطة شارك فيها جميع الصحفيين والأدباء ورجال الإعلام والفنانين والمبدعين تطوعوا من تلقاء أنفسهم كل يعرض إمكانياته واستعداده للمشاركة فى هذه المعركة الوطنية. مصلحة الاستعلامات كانت منشأة حديثا والصحف اليومية الأهرام والأخبار والجمهورية والمجلات الأسبوعية منها «المصور» وكل مطبوعات دار الهلال وروزاليوسف وآخر ساعة والإذاعة المصرية بكل محطاتها خاصة صوت العرب وقد تم إيفاد بعض الصحفيين المصريين والعرب المناصرين للثورة وخاصة اللبنانيين إلى لندن لمخاطبة الرأى العام البريطانى، ودحض ما تدعيه وسائل الإعلام هناك ضد مصر وتم أيضا إيفاد عناصر أخرى إلى فرنسا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والبعض منهم سافر على نفقته الخاصة وكانت إذاعة صوت العرب بجميع كوادرها، وصوت أحمد سعيد يجمع أبناء الأمة العربية من القاهرة وباقى الإذاعات الموجهة وإذاعات الدول العربية شعلة لا تنطفئ من الوطنية والقومية العربية المتضامنة مع القضية المصرية.