أسبابه الحقيقية وأسبابه المعلنة

26/10/2016 - 3:11:55

  تهجير أهالى بورسعيد على خلفية همجية العدوان تهجير أهالى بورسعيد على خلفية همجية العدوان

بقلم: د. عاصم الدسوقى

يخطئ من يتصور أو يعتقد أن العدوان الثلاثى على مصر (٢٩ أكتوبر ١٩٥٦)، الذى بدأته إسرائيل بمساندة من فرنسا وإنجلترا جاء انتقاما من جمال عبد الناصر لقيامه فى ٢٦ يوليو ١٩٥٦ بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس، وهو الاعتقاد الذى دفع أصحابه لانتقاد جمال عبد الناصر على تأميم الشركة، الذى أدى إلى العدوان وما نجم عنه من تخريب مدن منطقة القناة وتعطيل الملاحة، بينما كان امتياز الشركة ينتهى فى نوفمبر ١٩٦٨، أى كان على عبد الناصر فى رأى هؤلاء أن يصبر اثنى عشر عاما حتى ينتهى امتياز الشركة و»يا دار ما دخلك شر»..


على أن أصحاب هذا الاعتقاد لا يربطون بين وقائع التاريخ وأحداثه القريبة والبعيدة، وبين الحدث الكبير محل النظر، ومن ثم يقعون فى وهم الربط بين حدثين لا رابطة بينهما أصلا، وهذا من باب التفكير الخرافى، كما يقول فلاسفة المنهج العلمى فى التفكير.. وفى هذا الخصوص فإن هؤلاء المنتقدين لا يعلمون أن أصحاب شركة قناة السويس لم تكن لديهم النية فى أن يتركوها بأى حال من الأحوال، فمن المعروف أن امتياز الشركة الذى منحه محمد سعيد باشا للمسيو فرديناند ديليسبس فى أكتوبر ١٨٥٤ يقضى بأن تمتلك الشركة القناة لمدة ٩٩ سنة من تاريخ بدأ الملاحة فيها والملاحة بدأت فى نوفمبر ١٨٦٩، وبالتالى فإن الـ ٩٩ سنة تنتهى فى نوفمبر ١٩٦٨. لكن الذى حدث أن الشركة فى عام ١٩٠٩ تقدمت بمشروع للحكومة المصرية آنذاك بتمديد مدة امتياز الشركة (ملكية القناة) ٤٠ سنة أخرى تنتهى فى نوفمبر عام ٢٠٠٨. غير أن محمد فريد رئيس الحزب الوطنى، الذى خلف مصطفى كامل فضح هذا المشروع فى جريدة اللواء (جريدة الحزب) وكان محل مناقشة داخل الجمعية العمومية، وهى جمعية نيابية شكلية أسستها سلطات الاحتلال الإنجليزى، وأثار ضجة حول ملكية القناة فاضطرت الحكومة أن تسحب المشروع وأغلقت الملف.


وهؤلاء المنتقدون لقرار التأميم بسبب عدم صبر جمال عبد الناصر اثنى عشر عاما على انتهاء امتياز الشركة انتهاء طبيعيا وعودة القناة سالمة لمصر، لم ينتقدوا مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية (حزب الوفد) عندما أقدم على إلغاء معاهدة ١٩٣٦ فى خطاب شهير له تحت قبة البرلمان فى ٨ أكتوبر ١٩٥١ (أى قبل خمس سنوات من قرار عبد الناصر بتأميم الشركة)، بل لقد صفقوا له مرحبين، مع أن قرار إلغاء المعاهدة أدى إلى الصدام مع القوات البريطانية فى منطقة قناة السويس وما صاحبه من قتلى وجرحى لأهالى المنطقة (معارك الفدائيين) وتشريد للعمال المصريين بمعسكرات الإنجليز، الذين انسحبوا من المعسكرات استجابة لأوامر الحكومة، وهى الاضطرابات التى بلغت قمتها يوم الجمعة ٢٥ يناير ١٩٥٢ فيما عرف بمعركة الإسماعيلية وحدوث حريق القاهرة فى اليوم التالى السبت ٢٦ يناير.. إلخ، وساعتها لم يقل أحد لمصطفى النحاس لماذا أقدمت على إلغاء المعاهدة، وكانت سوف تنتهى تلقائيا فى أغسطس ١٩٥٦ طبقا لشروط عقدها التى تنص على أن مدتها عشرون عامة من تاريخ توقيعها (٢٦ أغسطس ١٩٣٦) يتم بعدها جلاء الإنجليز عن البلاد، وكنت قد جنبت البلاد والعباد مصائب التشريد والمعارك.. إلخ .. لكن على رأى المثل «حبيبك يبلعلك الزلط وعدوك يتمنالك الغلط ..»


***


فإذا لم يكن التأميم سبب العدوان وإنما كان السبب الظاهرى.. فما أسباب العدوان الحقيقية التى اشتركت فيه ثلاث دول ..؟؟.


عندما أخفقت بريطانيا وفرنسا بمختلف الوسائل فى إقناع جمال عبد الناصر بالرجوع عن قرار التأميم أو أن يتعهد بحماية حرية المرور فى القناة لجميع الدول كما تقرر فى مؤتمر لندن فى ١٦ أغسطس ١٩٥٦ الذى ضم الدول المنتفعة بقناة السويس، والذى رفض حضوره عبد الناصر، وكان القصد الخفى من عبارة «جميع الدول» حق إسرائيل فى المرور خشية من أن عبد الناصر بعد أن تعود القناة لمصر، تمنع إسرائيل من المرور التزاما بقرار الجامعة العربية بمقاطعة إسرائيل.. وأكثر من هذا فإن عبد الناصر استقبل فى ٢ سبتمبر (١٩٥٦) وفدا من مؤتمر لندن برئاسة منزيس فرانس رئيس وزراء أستراليا الذى عرض على عبد الناصر مقررات المؤتمر، وأن عليه أن يقبلها كلها دون استثناء أو أن يرفضها، وقال لناصر أن هناك بوارج حربية تتحرك لتنفيذ هذا القرارات.. وهنا انتفض ناصر واقفا وقال لمنزيس لقد انتهت المقابلة، وأشار إليه بالانصراف فزاد الأمر توترا.


وكان هذا الموقف الدرامى قمة سيناريو المواقف، التى صدرت عن عبد الناصر منذ نجاح ثورة يوليو، وأساءت لمصالح الغرب الأوربى فى مصر والشرق الأوسط والعالم العربى، بل والعالم الثالث فى زمن الحرب الباردة، التى بدأت معالمها بين المعسكرين العالميين (الرأسمالى بقيادة أمريكا والاشتراكى بقيادة الاتحاد السوفييتي) ابتداء من عام ١٩٤٧ بخطاب الرئيس الأمريكى ترومان أمام الكونجرس فى ١٧ مارس (١٩٤٧) لتقديم مساعدات اقتصادية للدول الأوربية، التى تعانى من أزمات الحرب العالمية الثانية وحتى لا تقع حكوماتها فى يد الأحزاب الشيوعية فيها.


والحاصل أن مصر الثورة كانت تسعى لبناء القوة الذاتية اقتصاديا وعسكريا، على حين كان الغرب الرأسمالى يريد أن يحتفظ بمصر فى إطار التبعية للسوق الرأسمالى العالمي، منذ أن أصبحت فى قبضة الإنجليز بعد احتلالهم للبلاد فى سبتمبر ١٨٨٢.


وكان التوتر قد بدأ مبكرا منذ اللقاء الذى تم بين وزير خارجية أمريكا جون فوستر دالاس وبين جمال عبد الناصر فى مارس ١٩٥٣ حين جاء فى جولة لتسويق مشروع إقامة «منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط» Middle East Defense Organization المعروف إعلاميا باسم «ميدو MEDO بغرض محاصرة الاتحاد السوفييتى من جهة حدوده الجنوبية فى المناطق المتاخمة لكل من إيران وتركيا والبلاد العربية استكمالا لسياسة الحصار، التى بدأت الولايات المتحدة فى فرضها على الاتحاد السوفييتى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بعد حلف الأطلنطى فى ١٩٤٩ والإعداد لحلف جنوب شرقى آسيا فى ١٩٥١ الذى أعلن فى سبتمبر ١٩٥٤. وحين سأله جمال عبد الناصر عن أهداف هذه المنظمة، وما الذى تدافع عنه.. أجابه دالاس قائلا: الدفاع عن الشرق الأوسط ضد الشيوعية.. فأجابه ناصر قائلا: إنه لا يوجد خطر على الشرق الأوسط من الشيوعية، بل إن الخطر كل الخطر يأتى من إسرائيل..!!. وهنا أدرك دالاس مرامى سياسة عبد الناصر ومن ثم وضعه فى أجندة السياسة الأمريكية باعتباره معاديًا يجب التخلص منه فى أقرب وقت.. وعلى هذا اتجه الغرب إلى العراق ليكون بديلا لمصر وكانت حكومة العراق آنذاك تخضع للنفوذ البريطانى وانتهى الأمر بإعلان منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط باسم حلف بغداد (٢٤ فبراير ١٩٥٥). وهنا قاد عبد الناصر حملة ضارية ضد الحلف لكى يمنع أى دولة عربية أخرى من الانضمام إليه، ونجح فى ذلك فزادت درجة خطورته على مصالح الغرب الاستعماري.


وأكثر من هذا فإن عبد الناصر أدرك أن نجاح الثورة فى مصر لا يكفى فى مواجهة الاستعمار، ومن هنا كان مبدأ دعم حركة التحرر الوطنى العربية والإفريقية، بل وفى العالم الثالث لكى يحمى الثورة فى مصر. وما لبثت ثورة الجزائر أن اشتعلت فى أول نوفمبر ١٩٥٤ فقدم لها يده العون السياسى والعسكري، كما ساعد الحركة الوطنية فى تونس فأثار فرنسا التى تحتل الجزائر منذ عام ١٨٣٠ وتونس منذ عام ١٨٨١، وبدأ يتحدث عن تحرير الجنوب العربى (عدن) من الاحتلال البريطاني، وعن حق شعب فلسطين فى إقامة دولته على أرضه المغتصبة وبذلك رفع القضية الفلسطينية من مجرد قضية لاجئين تبحث لهم الأمم المتحدة عن ملاجئ يقيمون فيها إلى قضية حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته الحرة المستقلة.


وفى هذا السياق جاءت عبد الناصر الفرصة لتدعيم توجهاته المعادية للاستعمار حين تلقى دعوة لحضور مؤتمر يعقد فى باندونج (إندونيسيا) من ١٤-١٨ أبريل ١٩٥٥ وكانت المرة الأولى التى يغادر فيها مصر، وكان المؤتمر يضم الشعوب التى تحررت من الاستعمار الغربى فى كل من إفريقيا وآسيا وأصبحت مستقلة، والذى تقرر فيه تبنى سياسة الحياد الإيجابي، أى مساعدة الشعوب التى تسعى للتحرر من الدول الاستعمارية وليس الحياد وفقط شأن حياد سويسرا (الحياد السلبي). وفى هذا المؤتمر نجح عبد الناصر بوساطة رئيس حكومة الصين الشيوعية (شو ان لاى) الذى حضر المؤتمر بصفة مراقب، فى ترتيب صفقة السلاح التشيكية لمصر عبر الاتحاد السوفييتى (سبتمبر ١٩٥٥) وكانت إنجلترا قد امتنعت عقب ثورة يوليو تسليم مصر صفقة سلاح كانت قد عقدت زمن حكم الملك فاروق بدعوى أن الضباط يطلبون جلاء الإنجليز، فطلب عبد الناصر من أمريكا السلاح فرفضت إلا إذا وافق على إيفاد بعثة عسكرية مع السلاح لمصر، وهنا تذكر عبد الناصر البعثة البريطانية فى الجيش المصرى فى أعقاب معاهدة ١٩٣٦.


وفى الوقت نفسه رفض البنك الدولى للإنشاء والتعمير بتأثير أمريكا إقراض مصر الأموال اللازمة لبناء السد العالي، إلا إذا وافق عبد الناصر على إيفاد بعثة مالية أمريكية- دولية لمراقبة الميزانية المصرية ضمانا للتسديد، وهنا تذكر عبد الناصر بعثة صندوق الدين الإنجليزية- الفرنسية زمن الخديو إسماعيل فرفض بطبيعة الحال. ومن ثم التمس عبد الناصر المساعدة من المعسكر الشرقى فى إطار مناخ الحرب الباردة، فزادت درجات التوتر.


وعندما بدأ السلاح يرد إلى مصر ابتداء من نوفمبر ١٩٥٥ لم تصدق أمريكا ومعها إنجلترا وفرنسا، فزاد التوتر درجات. والذى يؤكد هذا أن مجلس الأمن القومى الأمريكى (فى البيت الأبيض) قدم تقريرا للرئيس الأمريكى آيزنهاور (الذى تولى الرئاسة فى يناير ١٩٥٣) يقول: «لابد من توجيه ضربة للجيش المصرى قبل أن يتدرب على السلاح الجديد»، والمغزى أن هذا السلاح أخل بتوازن القوى مع إسرائيل خاصة أن أمريكا ملتزمة بالدفاع عن إسرائيل وحمايتها بمقتضى معاهدة بينهما فى عام ١٩٥١، فضلا عن اشتراك أمريكا فى البيان الثلاثى الشهير (فرنسا وإنجلترا أمريكا) فى مايو ١٩٥٠ بشأن حماية حدود دول الشرق الأوسط من أى عدوان، والمغزى البعيد حماية إسرائيل من أى هجوم قد يحدث عليها من أى دولة عربية. وكان هذا البيان ردا على معاهدة الدفاع العربى المشترك، التى عقدت فى إطار الجامعة العربية فى مايو ١٩٥٠.


ثم كانت الضربة القوية، التى وجهها جمال عبد الناصر للغرب الأوربي- الأمريكى حين أقدم على الاعتراف بالصين الشيوعية (١٦ مايو ١٩٥٦)، التى كانت مبعدة عن منظمة الأمم المتحدة وتحتل جزيرة فرموزا مكانها فى مجلس الأمن باسم الصين الوطنية ولها حق الفيتو لا لشيء سوى أن حاكمها شانج كاى شيك وضع نفسه فى خدمة المصالح الأمريكية وهرب إلى الجزيرة بعد نجاح الثورة الشيوعية فى الصين (١٩٤٩). وكانت فكرة عبد الناصر من هذا الاعتراف أن يضمن مصدرا للسلاح بشكل مستمر إلى أن تنتهى إقامة سلسلة المصانع الحربية، فلم يكن يضمن استمرار ورود السلاح له عن طريق المعسكر السوفييتى أو الحصول على قطع غيار جديدة، فقد يضطر الاتحاد السوفييتى فى إطار الحرب الباردة إلى الاعتذار عن مواصلة إمداد مصر بالسلاح مباشرة منه أو من خلال إحدى دول المعسكر السوفييتي.. ومن هنا لمعت فى ذهن ناصر فكرة الاعتراف بالصين الشيوعية، التى ليست عضوا فى الأمم المتحدة ومن ثم ليس لها أن تخضع لأى ابتزاز دولي.


ثم كانت قمة ضيق الغرب الأوربي- الأمريكى من مواقف عبدالناصر ما حدث فى ١٩ يوليو ١٩٥٦ حين كان فى بريونى بيوغوسلافيا مع كل من رئيس يوغوسلافيا جوزيف تيتو ورئيس الهند نهرو لتدشين سياسة الحياد الإيجابى.. وخرج ناصر فى مؤتمر صحفى يعلن التأكيد على الحياد الإيجابي، ودعم حركات التحرر الوطنى فى العالم، ورفض المساعدات الدولية المشروطة فى إشارة إلى شروط البنك الدولى وأمريكا بإيفاد بعثة مالية لمراقبة الميزانية المصرية كشرط لتقديم قرض لبناء السد العالى، كما سبقت الإشارة.. وفور أن استمع الرئيس الأمريكى لوقائع هذا المؤتمر أعلن إلغاء تقديم مساعدة لبناء السد العالى قدرها سبعون مليون دولار، وبادر البنك الدولى بإلغاء إسهامه فى بناء السد العالى.. وهكذا .. وما هو إلا أسبوع إلا وقام عبد الناصر بالرد على القرار الأمريكى بإعلانه تأميم شركة قناة السويس، كما هو معروف.


ولما كانت إنجلترا وفرنسا هما الأكثر ضررا من قرار التأميم فلم يكن أمامهما إلا ضرب مصر عسكريا لإعادتها إلى حظيرة التبعية.. لكن كيف يتم ذلك..؟


بعد أن فشلت بعثة منزيس فرانس رئيس حكومة أستراليا (٢ سبتمبر ١٩٥٦) فى إثناء عبد الناصر عن قرار التأميم أو التعهد بحرية الملاحة لجميع الدول، كما سبقت الإشارة، رتبت إنجلترا وفرنسا اجتماعا فى مدينة سيفر Sevre فى جنوب فرنسا بحضور إسرائيل على اعتبار أنها تريد ضمان الملاحة فى قناة السويس.. وهناك تم ترتيب الموقف وهو قيام إسرائيل بالهجوم أولا ثم تعلن كل من إنجلترا وفرنسا التدخل لحماية حدود دول الشرق الأوسط امتثالا للبيان الثلاثى فى مايو ١٩٥٠ بين إنجلترا وفرنسا وأمريكا، الذى سبقت الإشارة إليه. وما يزال اجتماع سيفر هذا سرا لم تكشف أوراقه بعد. ومما رشح إسرائيل للقيام بهذا الدور رغبتها فى الانتقام من جمال عبد الناصر، الذى رفض الاعتراف بها، وكانت إسرائيل قد طلبت من بريطانيا أثناء تفاوضها مع حكومة ثورة يوليو بقيادة جمال عبد الناصر (مارس ١٩٥٣-يوليو ١٩٥٤) أن تؤجل توقيع الاتفاق على الجلاء حتى يعترف عبد الناصر بإسرائيل.


فلما علم الرئيس الأمريكى آيزنهاور بوقائع اجتماع سيفر هذا من خلال وسائل مخابراتية بطبيعة الحال قام بالتنبيه على انجلترا وفرنسا بعدم تنفيذ خطة الهجوم على مصر، ليس لأنه كان يعطف على مصر ويؤيدها كما يردد بعض خصوم عبد الناصر وأعداء ثورة يوليو حتى اليوم، ولكن لأنه كان مشغولا بأحداث الثورة فى المجر، التى كانت تريد الخروج من الفلك السوفييتى وأطلق عليها «ربيع بودابست». وساعتها قال آيزنهاور لكل من إنجلترا وفرنسا مثلا شعبيا أمريكيا من زمن ركوب الخيل هناك: لا تغيروا الخيل وهى تسير فى مخاضات المياه don’t change the horses while they are in the fords ، وبمعنى آخر لا تحارب فى جبهتين فى آن واحد لأنه مشغول الآن بجبهة المجر وأنه كرجل عسكرى استخدم هذا التعبير الإستراتيجى، حيث يكون من الخطأ أن تحارب فى جبهتين فى آن واحد.. وهذا الموقف يفسر اعتراض أمريكا فى مجلس الأمن على العدوان وإدانته مع الاتحاد السوفييتى مع اختلاف الدوافع بطبيعة الحال، والموافقة على صدور قرار مجلس الأمن بانسحاب المعتدين.


وبعد إتمام انسحاب كل من إنجلترا وفرنسا فى ٢٣ ديسمبر ١٩٥٦ (عيد النصر) أعلن عبد الناصر فى أول يناير ١٩٥٧ وأمام الميكروفون فى خطاب جماهيرى إلغاء اتفاقية الجلاء مع بريطانيا (أكتوبر ١٩٥٤) فخسر حلف بغداد القاعدة العسكرية فى منطقة قناة السويس، التى كانت بريطانيا قد احتفظت بها صالحة للاستعمال بمعرفتها فى أى وقت طبقا لشروط الاتفاقية، ومن ثم بادر الرئيس الأمريكى آيزنهاور فى الخامس من الشهر نفسه بإعلان مشروع الفراغ فى الشرق الأوسط ردا على قرار عبد الناصر بإلغاء المعاهدة مع بريطانيا.. وتطورت الأحداث، وتلك صفحة أخرى فى وقائع تاريخ مصر المعاصرة.