«د. أحمد القديدى» مستحضرا لقاءه كرستيان بينو: مهندس العدوان الثلاثى يعترف: أخطأنا

26/10/2016 - 3:10:03

جمعنى منذ بضع سنوات لقاء غريب وغير متوقع مع رجل يحمل فى ذاكرته جزءا من تاريخنا العربى وبعضا من فواجعنا العربية، وقد تم ذلك اللقاء تحديدا فى باريس عندما كنت باحثا ومعيدا فى جامعة السوربون العريقة، وقتها لم تكن صفحات المجلات والجرائد العربية مفتوحة فى وجهى، ولم تكن تتسع لقلمى لأنى كنت وقتها معارضا شرسا منفيا.. فاحتفظت بشهادة ذلك الرجل فى وثائق على مدى سنوات، ثم حال تنقلى بين مناطق عديدة فى فرنسا والخليج دون نشرها وضاعت منى إلى أن عثرت عليها فى (كراتين) قديمة حرصت على الاحتفاظ بها، ووجدت أن تلك الشهادة لا تزال حية، بل هى تلقى أضواء ساطعة على جانب غامض من إجهاض الحركة القومية الناصرية عام ١٩٥٦.


وأعتقد أن تعريف الشباب العربى بخفايا العدوان فى ذكراه الستين واجب وخدمة للتاريخ، وتذكرون أن الممثل أحمد زكى، رحمه الله، كان أحيا فى فيلم ناصر ٥٦ تلك الأحداث الجسيمة ليطلعنا على الوجه العربى من العملة.


لكن الوجه الآخر “وجه المعتدين الثلاثة” لا يزال غامضا وسريا وتكتنفه ظلمات خزائن وثائق الدول المعتدية- فرنسا وبريطانيا وإسرائيل- وأعتقد أننى بنشرى لهذا الحديث مع كرستيان بينو، وزير خارجية فرنسا عام ١٩٥٦ أساهم فى إماطة اللثام عن أخطر المؤامرات ضد العرب بلسان رجل كان هو المهندس الحقيقى، لذلك العدوان مع رئيس الحكومة البريطانى “إيدن” ورئيس الحكومة الإسرائيلية - وقتها- بن جوريون.


لم أكن أصدق من فرط غرابة الموقف! نعم.. ما أعجب تصاريف الحياة وما أشد تقلباتها! كنت أخترق الفناء الشهير لجامعة السوربون العريقة حيث يجلس تمثال عالم البيولوجيا باستور إلى جانب تمثال شاعر فرنسا الكبير فكتور هيجو.


وكان مطر شهر مارس يهطل زخات على بلاط فناء السوربون النظيف اللامع، وكنت ممسكا بذراع ذلك الرجل العجوز وهو يتحرك بصعوبة ونتجه معا إلى إحدى قاعات الدور الأول، هذا الرجل النحيف القصير ذو الصوت المتهدج، الذى أمسك بذراعه لمساعدته تحت المطر هو نفس الرجل الذى هندس للعدوان الثلاثى على مصر وكان قائد (الجوقة الثلاثية)، التى قلبت موازين العلاقات الدولية عام ١٩٥٦، نفس هذا الرجل هو الذى مثل فرنسا فى اجتماع (سيفر) السرى، الذى اتخذ قرار العدوان ونفذه، نفس الرجل الذى قاد جزئيات العدوان وعاش أحداثه من غرفة العمليات وفى معابر قصر الإليزيه وعلى منبر منظمة الأمم المتحدة، وكان أبرز الوجوه الثلاثة صانعة العدوان إلى جانب رئيس الحكومة البريطانية “إيدن” ورئيس الحكومة الإسرائيلية بن جوريون.


كان هذا الرجل، الذى يتوكأ على ذراعى هو كرستيان بينو، وزير خارجية فرنسا فى الخمسينيات، أى الرجل الذى كان يحتل الجانب المقابل من خندق الصراع فى فيلم “ناصر ٥٦”، الذى سعدت بمشاهدته على شاشات السينما، وعشت تلك اللحظات الساخنة المتسارعة مع الممثل أحمد زكى وهو يحاول استحضار شخصية عبد الناصر ورسم ملامح ذلك التحدى التاريخى لقوى الاستكبار.


كان الرجل العجوز الذى يحدثنى بصوت خافت هو كرستيان بينو، وكنت أصررت على مقابلته حين دعاه أستاذنا المستشرق دومينيك شوفالى ليلقى محاضرة فى قسم الدراسات العليا بالسوربون عن السياسة الخارجية الفرنسية فى الخمسينيات بإزاء حركات تحرر الشعوب، واغتنمت تلك المناسبة لأطلب منه أن يرفع جزءا من الستار عن العدوان الثلاثى، خاصة وأن الدولتين الأخريين المشاركتين فى العدوان حفظتا كل الوثائق المتعلقة بالعدوان فى خانة “أسرار الدولة”، بل ولم يستطع أى مؤرخ أن يحصل على نسخة من اتفاق “سيفر”، الذى وقعه الرجال الثلاثة (بينو وإيدن وبن جوريون)، والذى يقرر العدوان وخطواته ومراحله وكيف ستقوم الدبلوماسية فى كل من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل بتزييف حقائقه وملابساته وتسويقه للرأى العام العالمى فى شكل (تدخل لوقف العنف)!


بدأ كرستيان بينو حديثه باعتراف مفاجئ وخطير ، حيث قال لى: “أعتقد أننا أخطأنا، نعم أخطأنا ولم أعد شخصيًا أؤمن بأن إسرائيل مظلومة، وأنا اليوم لا أوافق على كثير من ممارساتها، لكن من الصعب أن نفسر ما حدث عام ٥٦ خارج إطاره التاريخى وخلفياته السياسية”.


كرستيان بينو واصل حديثه لى قائلا: “ليس سهلا أن نحكم على أحداث الأمس ومواقف الأمس بعيون اليوم وعقول اليوم، فالمعطيات تغيرت والمقتضيات تبدلت حتى معنى التاريخ طالته رياح التغيير، لقد كان العمل العسكرى، الذى قمنا به نحن وبريطانيا وإسرائيل ابنا شرعيا للعقدة النفسية، التى أصابت أوربا من جراء محنة الشعب اليهودى على أيدى هتلر والنازية، كنا فى عام ١٩٤٥ بعد تحرير فرنسا من الاحتلال النازى نشعر بأن علينا دينا يجب تسديده لليهود، كان ذلك هو الشعور السائد فى أوربا كلها، وكنا نعيش تحت وطأة الصور البشعة، التى كنا نشاهدها فى محطات القطار عندما كان الألمان يأخذون آلاف اليهود فى قطارات مكشوفة وفى برد وثلج عشرين تحت الصفر نحو محتشدات (داشو) و(باكنواج).


وأكمل بقوله: “المشكلة كانت بالنسبة للأوربيين هى ماذا نقدم لليهود كتعويض؟ وجاءت دولة إسرائيل أنشئت بقرار من منظمة الأمم المتحدة (نوفمبر ٤٧)، ومن جهتنا كأوربيين حاولنا فى مؤتمر روما تكوين نواة للوحدة الأوربية، وفكرت أنا شخصيًا فى جيش موحد بين ألمانيا وفرنسا، وعند وصولنا للحكم فى باريس سنة ١٩٥٦، برئاسة (جى مولى) فيما سمى بالجبهة الجمهورية اختار للوزارة الأولى بيار منداس فرانس، الذى ساعد على استقلال المغرب العربى، ففى نفس العام ١٩٥٦ استقلت كل من تونس والمغرب، وبدأت حرب مريرة طويلة فى الجزائر، وشعرنا أن شعارات عبد الناصر وتصريحاته بدأت تشكل دفعا قويا لجيش جبهة التحرير الوطنى الجزائرية، بالإضافة إلى إمكانية وصول أسلحة مصرية عبر ليبيا وتونس للثوار الجزائريين، وعينت أنا وزيرا للخارجية، لكنى لم أكن أدير ملف الجزائر فقد كانت شئون الجزائر من صلاحيات وزير الشؤون الجزائرية وكان غاستون ديفير وزيرا للشؤون الإفريقية، ولم أكن أنا على صلة إلا بالقضية المغربية وإرهاصات نفى الملك الراحل محمد الخامس إلى جزيرة مدغشقر، بينما تكفل رئيس الحكومة بيار منداس فرانس بالملف التونسى الذى أوصله إلى الاستقلال بعد مفاوضات شائكة.


“بينو” قال لى أيضا: فى تلك السنة ١٩٥٦ بلغنا نبأ تأميم قناة السويس ومنع عبور البواخر الإسرائيلية ذهابا وإيابا من القناة، وقيل لنا وقتئذ، إن هذا الإعلان من قبل عبد الناصر ما هو إلا انتقام من الولايات المتحدة وبريطانيا على عدم الموافقة على تمويل بناء السد العالى، وبينما كنا فى الحكومة الفرنسية، تحت وقع هذه الصدمة، أرسل لنا (بن جوريون) رئيس حكومة إسرائيل يقول: إن عبد الناصر يعد حربا ضد إسرائيل ونحن دولة صغيرة ناشئة، وإن تأميم القناة ما هو إلا حلقة أولى فى مخطط إبادة شعب إسرائيل.. ورددت الصحافة الفرنسية هذا السيناريو الإسرائيلى، وفى مرحلة ثانية فاجأنا بن جوريون بقوله: “سوف نبدأ نحن بالحرب الوقائية ونحتاج من فرنسا وبريطانيا فقط إلى غطاء جوى”.
واستعرض معى وزير خارجية فرنسا إبان العدوان الثلاثى على مصر فى الحلقة الأولى تفاصيل الإعداد للعدوان، وكيف أن بن جوريون، رئيس حكومة إسرائيل احتال على فرنسا وبريطانيا بالادعاء أن عبد الناصر يستعد لإبادة يهود الدولة العبرية، وأن إسرائيل سوف تشن حربا استباقية وتريد من باريس ولندن مجرد غطاء جوي.


وقال أيضًا: أعتقد أن كثيرًا من أعضاء الحكومة الفرنسية فى ذلك الحين كانوا يؤمنون بذلك الطرح الإسرائيلى للأسباب النفسية، التى ذكرتها آنفا وبعضهم كان لا يؤمن به، وإنما كان يريد تلقين درس لعبد الناصر انتقامًا منه وعقابا لمصر لإعانتها للثورة الجزائرية, ولكن هؤلاء وجدوا فى عرض بن جوريون فرصة سانحة لتحقيق غاياتهم.


وجاء الاجتماع السرى، الذى أصبح شهيرا بعد ذلك باسم “لقاء سيفر” أو “اتفاق سيفر” فى فيلا بالمدينة الفرنسية الصغيرة قرب باريس (SEVRES) حيث تقابلت مع بن جوريون، الذى جاء فى زيارة سرية إلى باريس ومع (إيدن) رئيس الحكومة البريطانية، الذى لم نعلن عن زيارته إلى بلادنا.


وعندما وصل الحديث إلى منطقة اجتماع “سيفر” قال “بينو”: وفى الحقيقة لم يكن اجتماع “سيفر” اتفاقًا، بل كان مجرد وثيقة خطية حررت بيننا نحن الثلاثة، ولكننى فوجئت بإعلان “إيدن” بأن بريطانيا لا تنوى التوقف عند حد إعانة إسرائيل وتوفير غطاء جوى لها، بل هى مستعدة لاحتلال القناة وإنزال جيوشها فى بورسعيد ففهمت من إعلان “إيدن”، أن بلاده تريد منع إسرائيل من احتلال القناة واستفراد لندن بهذه العملية، نظرا لوضعها الاستراتيجى فى منطقة الشرق الأوسط، فرفضت أنا باسم فرنسا قطعيا هذا الاقتراح وأعلمت “بن جوريون” و”إيدن”، أنه لا مجال للاحتلال الدائم، بل إن العملية العسكرية كما نراها تهدف لمنع التأميم بالقوة وتلقين عبدالناصر درسا قاسيًا، وفعلا نسقنا العملية العسكرية وتمت من ٢٩ أكتوبر إلى ٧ نوفمبر ١٩٥٦، واحتل الجيش الإسرائيلى سيناء، وبدأت الساحة الدبلوماسية تتحرك بعد وقف إطلاق النار، فمن موسكو جاء تهديد خروتشوف بضرب لندن بالقنابل، إن تواصلت العملية ضد مصر, وقد تقابلت بعد ذلك عشر مرات مع خروتشوف فى موسكو شهورا وسنوات بعد العملية الثلاثية وسألته: هل كانت موسكو تنوى بحق ضرب لندن لو تواصلت العملية, فكان جوابه لا لقد هددنا للتخويف فقط.


ومن جانب أمريكا - والحديث لا يزال لوزير الخارجية الفرنسى- فإن وزير الخارجية جون فوستر دالس أكد لى مرات عديدة بعد العملية: إن غاية أمريكا كانت إقصاء فرنسا وبريطانيا عن أهم المناطق الاستراتيجية فى العالم حين أخذ الرئيس (إيزنهاور) موقفًا، منددًا بالعدوان الثلاثى.


يواصل الوزير بينو استعادة ذكرياته عن تلك المغامرة العجيبة، وأضاف: “ولنعد إلى أيام العملية العسكرية: تلقيت فى اليوم الثالث مكالمة هاتفية من (إيدن) يقول لى فيها: (إننى قررت سحب قواتى من بورسعيد وإيقاف القتال, فأكملوا المشوار لوحدكم, أما من جانب القوات الفرنسية فكانت خسائرنا معدومة إذ لم نفقد إلا ضابطًا واحدًا.. وكان موته من جراء حادثة شاحنة.. وتحركت منظمة الأمم المتحدة وأمينها العام النشيط داج هامرشولد لتتوسط فى فك الاشتباكات وتشرف على سحب القوات، وأعتقد بعد هذا الزمن، الذى مر أن خروج شارل ديجول من الحلف الأطلسى جاء نتيجة تخلى أمريكا عن أوربا فى عملية السويس, فقد كانت أوربا تطمح للعب دورها كقوة اقتصادية كبرى فى مجال الاحتفاظ بمناطق نفوذ سياسى وثقافى، وأذكر أن محمد حسنين هيكل كتب فى الأهرام بعد العملية ومفاوضاتها اللاحقة قائلا: “إن إيدن هو عدونا الحقيقى لكن المفاوض الصعب كان (كرستيان بينو)”.


والحديث لا يزال لـ”بينو”، الذى أكمل بقوله: “وهناك حدث آخر يبدو بعيدا عن قناة السويس، ولكنه ملتصق بأحداث السويس ألا وهو عملية القرصنة الجوية، التى قام بها الجيش الفرنسى واختطاف أحمد بن بيلا الزعيم الجزائرى للثورة المسلحة ورفاقه الأربعة, وكانت طائرتهم تقلهم من المغرب الأقصى إلى تونس, فقد كانوا ضيوفا لدى الملك محمد الخامس وكانوا ذاهبين للاجتماع مع رفاقهم بجبهة التحرير الجزائرية فى تونس، حيث كانوا ضيوفا لدى الحبيب بورقيبة, فهذه العملية القرصانية نفذها أحد قادة الجيش (ماكس لوجون) بإذن خاص وسريع من وزير الدفاع، ولا أدرى حقيقة ذلك اليوم هل كان رئيس الجمهورية أو الوزير الأول على علم بالذى حصل؟ فالمغرب وتونس كانتا دولتين مستقلتين وهذه ضربة فى ظهر العلاقات، التى كانت طيبة مع ملك المغرب ورئيس تونس”.


“ومن جهة أخرى أذكر كلمة قالها لى (فوستر دالس) فى الباكستان ولم أنسها لأنها عرفتنى على العقيدة السياسية الأمريكية الثابتة إذ قال لى: اسمع يا كرستيان, نحن الأمريكان لدينا نوعان من الدول: النوع الأول هى الدول المسيحية وذات الاقتصاد التحررى والثانى هى كل الدول الأخرى, الأولى أصدقاء والثانية أعداء.


من جانبى سألت كريستيان بينو عن العبر، التى استخلصها هو ذاته وحكومته بعد سنوات من العدوان الثلاثى فأجابنى دون تردد: إن تلك العملية العسكرية كانت مغامرة غير محسوبة العواقب، ولم ترفع رأس فرنسا ولا بريطانيا ولم تكن لها أى نتائج إيجابية، بل كان الإسرائيليون هم المستفيدين الوحيدين منها وحدهم.


وأضاف مخطط العدون ومنفذه قائلا: لقد سجل دوايت إيزنهاور الرئيس الأمريكى إبان العدوان فى مذكراته أنه لم يكن على علم بنوايا فرنسا وبريطانيا الخطيرة فى الهجوم على مصر, فى حين كنت أعلمت سفير أمريكا فى باريس قبل أيام، ولم يكن من المعقول أن تتحرك قويان كبريان فى الحلف الأطلسى مثل فرنسا وبريطانيا دون أن تكون الأخت الأمريكية الكبرى على علم!


وواصل الوزير بينو ذكرياته: “كان إيدن يعتقد اعتقادا جازما أن جمال عبدالناصر عميل سوفييتى ويأتمر بأوامر موسكو”.. فقد عاد عبدالناصر من مؤتمر باندونع ١٩٥٥ موشحا بوشاح الزعيم الصينى (شوان لاى) ومحصنا بصداقة الزعيم اليوغسلافى (بروز تيتو) وتحول فى نظر العرب إلى زعيم القومية العربية، وفى نظر العالم الثالث إلى زعيم كتلة عدم الانحياز منذ مؤتمر باندونج.. وكانت غاية (إيدن) أن يمنع عبدالناصر من الزعامة العربية على حساب مصالح بريطانيا وأوربا بأكملها وأمريكا.


قدمت وكالة الاستخبارات الأمريكية (سى. آى ايه) للرئيس (إيزنهاور) عدة سيناريوهات لاغتيال جمال عبدالناصر ورفضها كلها وعندما سألته شخصيا ذات يوم عن سر رفضه لاغتيال عبد الناصر قال لي: إن اغتياله سوف يزيد من زعامته، لكن العمل الناجع الحقيقى إزاء العرب هو أن نتركهم ضعفاء وتابعين لعدة أجيال.
ونواصل قراءة العبر، التى استخلصها وزير خارجية فرنسا من مغامرة العدوان بعد سنوات من حدوثه ونحن نعيش الذكرى الستين للعدوان.. قال لى كريستيان بينو: لم أعد أعتقد أن إسرائيل مظلومة مثلما كنت أعتقد بعد الحرب العالمية الثانية، ولا أوافق على ممارساتها وأرجو أن يقوم سلام دائم عادل فى المنطقة”.


كان المطر الربيعى الدافئ لا يزال ينهمر على زجاج مكتبة (لالند) بالدور الأول من السوربون أعرق جامعة فى أوربا, وكان الرجل العجوز يرتشف قهوته التى بردت وكنت أتأمل يديه المعروقتين المتعبتين وأقول فى نفسى: هذه هى ذات اليد اليمنى، التى وقعت على وثيقة (سيفر) لتعلن الحرب على عبدالناصر ولتفتح باب الشرق العربى للحضور السوفييتى الطويل ولتساهم فى صنع زعامة الرئيس المصرى بتكريس صورة التحدى الناصرى بتأميم القناة بصرف النظر عن تداعيات ذلك القرار الناصرى بعد عقود من الزمن.


وأخيرا يمكن القول أن أزمة السويس استنادًا للأدبيات السياسية والاستراتيجية للدول العظمى، تعتبر بأنها فاتحة عصر جديد فى عملية الصراع وأدواته بين القوى العظمى بعد الحرب وظهور الولايات المتحدة الأمريكية كقوة دولية طامحة لتبوء مكانة مهيمنة فى السياسة الدولية، جاءت ضمن العالم الغربى لتحتل جميع مواقع الدول العظمى السابقة بريطانيا وفرنسا، والتى أفل نجمها بعد العدوان الثلاثى.. ناهيك عن صراع الوجود الاستراتيجى بين الولايات المتحدة ممثلة للعالم الغربى وبين الاتحاد السوفيتى ممثلا للعالم الشرقى.
كما نجم عن أزمة السويس تصورٌ خطيرٌ لدى الشعوب العربية وقادتها ونخبها السياسية والإعلامية، مفاده بأن موقف الولايات المتحدة المناوئ للعدوان الثلاثى مبنى على نظرة أمريكية متصالحة وصديقة نحو العرب، وعزز هذا الاعتقاد بعض السلوكيات والتصريحات للولايات المتحدة، والتى توحى بالود والصداقة نحو العرب فى عهد الرؤساء إيزنهاور وكنيدى ومستهل فترة جونسون، مما أدى إلى رسم سياسات مغلوطة بأن الولايات المتحدة ستساند العرب ضد أى عدوان إسرائيلى، كما حدث فى أزمة السويس. ولم يخطر ببال منسقى السياسة الاستراتيجية العرب بأن للولايات المتحدة خططًا للهيمنة على العالم من خلال الحرب الباردة وسياسة الأحلاف. وهذا أحد الأسباب، التى أدت بالنتائج السلبية لحرب يونيه ١٩٦٧ والتى استبعدت عامل دخول الولايات المتحدة إلى جانب أى عدوان مرتقب، حيث كانت القوات العربية قد ضمنت تفوقها فى المعركة ومن خلال الدعم السوفيتى على إسرائيل، مع أى دعم بريطانى وفرنسى لإسرائيل.
من النتائج الأخرى لفشل العدوان الثلاثى ازدياد شعبية جمال عبد الناصر والخط السياسى، الذى كان ينتهجه وازدادت هذه الشعبية أكثر بعد إعلان قيام الاتحاد العربى بين سوريا ومصر كنواة لدولة عربية شاملة ذات نظام لامركزى والتى أعلنت عام ١٩٥٨، مما أدى إلى تسريع قيام الحركات المناهضة للأنظمة الموالية للدول العظمى الاستعمارية، ذات التطلعات المهيمنة على مقدرات العالم الثالث كحركة ١٤ يوليو ١٩٥٨ فى العراق وحركة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢ فى اليمن، ومسيرة الاستقلال فى تونس. فى الحقيقة مسيرة الاستقلال فى تونس توجت فى ٢٠ مارس من عام ١٩٥٦ أى قبل العدوان الثلاثى.. بهذه الخلاصة قرأ موقع ويكيبيديا تداعيات العدوان الثلاثى.


نقلا عن مجلة الوعى العربى


٤ أكتوبر ٢٠١٦