ح نحـارب

26/10/2016 - 3:00:28

  الضفادع البشرية الإنجليزية تخرج سلاح خبأه الفدائيين فى المياه الضفادع البشرية الإنجليزية تخرج سلاح خبأه الفدائيين فى المياه

عادل جرجس

“ها نحارب” أطلقت عالية ومدوية من قبل شعب مدينة بورسعيد عندما أغارت طائرات التحالف الثلاثى “إسرائيل وفرنسا وإنجلترا” على المدينة الصغيرة، ولم يتوقف الأمر على تلك الغارات الجوية ولكن سريعًا ما اقتحمت البوارج والسفن الحربية شواطئ بورسعيد، كان الهدف معروفًا وهو كسر القيادة السياسية وتركيع الإرادة الشعبية، وكانت القوى العسكرية كبيرة وضخمة وغاشمة لا تفرق بين مدنيين وعسكريين وراحت تدك المدينة بلا رحمة، ولكن أهالى المدينة الباسلة رفضوا الخضوع والخنوع وسطروا ملاحم بطولية استقرت فى كل كتب التاريخ فى العالم، كان شعب المدينة عن بكرة أبيها من الفدائيين نساء ورجالاً، وحتى أطفالاً كان الجميع خلية واحدة وعلى قلب رجل واحد وكان القرار الشعبى بأنه لابد من ردع المحتل وعودته إلى بلاده يجر أذيال الخيبة والهزيمة ويلاحقه الخزى والعار، العمليات الفدائية كانت كثيرة وموجعة وكبدت العدو خسائر فى الأرواح والمعدات والقيادات، وتحول شعب المدينة الطيب المسالم إلى أسد كاسر خرج ليبتلع عدوه ويقلق مضجعه، وعلى الرغم من هذا الزخم من البطولات والعمليات الفدائية، إلا أن هناك بعض العمليات التى مثلت تفردًا فى عمليات المقاومة الشعبية على مر التاريخ.


يقول أحمد عبدالنعيم المحامى نقيب محامى بورسعيد والمهتم بجمع التراث “البورسعيدى” متذكراً بدايات العدوان (دخلت دبابات المعتدين الثقيلة شوارع المدينة محمولة على سفن حربية كبيرة وحاملات جنود وانتشرت على سواحل بورسعيد وهبط الآلاف من الجنود البريطانيين والفرنسيين بالمظلات من الطائرات المغيرة على سماء بورسعيد، وعقب إنزال تلك الوحدات العسكرية الثقيلة كانت مجموعات الفدائيين فى انتظارها ودارت معركة حامية الوطيس بين قوتين غير متكافئتين بين جيوش نظامية مسلحة ومدربة على أحدث طرق القتال وبين مدنين يحملون أسلحة بدائية وانتشرت القوات فى المدينة وتمركزت فى بعض النقاط الحيوية، ولكن جحافل المقاومة تتبعت تلك الجيوش وأذاقتها مرارة الهزيمة وتعددت البطولات وفور اندلاع الحرب يوم ٢٩ اكتوبر ١٩٥٦ صباحا انتشرت القوات البريطانية والفرنسية بأرجاء المدينة، وبدأت فى تمشيط كل البيوت؛ بحثاً عن رجال المقاومة من الفدائيين والأسلحة وصدرت التعليمات لرجال المقاومة بتعقب دورياتهم العسكرية والإجهاز على أفرادها، حيث كان يتم قتل جندى الدورية الذى يحمل الجهاز اللاسلكى ثم قتل بقية أفراد الدورية المسلحة فى نفس الوقت والاستيلاء على سلاحهم، مما أثار غضب العدو آنذاك.


أبو الطاهر وغلق القناة


ومازال الحديث لنقيب محامى بورسعيد فيقول: (لم تبدأ بطولات شعب بورسعيد مع بداية العدوان، ولكن كانت هناك تحركات قبل هذا العدوان؛ تحسبًا له وقد أدى الحس الوطنى لأبناء المدينة إلى الكشف عن بعض مخططات العدو، ومثالاً لذلك أحد العمال الذى كان يدعى أبو الطاهر وكان يعمل فى محطة تموين وقود للسفن بالرسوة جنوب بورسعيد، وأثناء قيامه بتموين إحدى السفن الأمريكية قال له قبطان السفينة أتمنى عند عودتى مرة أخرى أن أجدك بخير وأن تكون على قيد الحياة فاستغرب أبو الطاهر من قول القبطان الأمريكى واستفسر منه عن سبب تمنياته الغريبة، فأخبره القبطان أنه شاهد أثناء إبحاره سفن حربية بريطانية وفرنسية تتجه نحو بورسعيد ولم يتوان أبو الطاهر وقام بإرسال برقية إلى الرئيس جمال عبدالناصر يخبره فيها أنه يريد مقابلته لأمر هام، وما هى إلا أيام حتى تم استدعاؤه من قبل الرئاسة وقابل الرئيس وأخبره بالأمر فأرسل الرئيس إلى بورسعيد من قام بإغراق بعض السفن القديمة والمعدات البحرية المتهالكة فى قناة السويس لغلقها أمام قوات العدو.


خلع عيون مهران


ويكمل عبدالنعيم (محمد مهران هو أحد أبطال معركة ١٩٥٦ وكان من ضمن قوات الحرس الوطنى المكلفين بالدفاع عن منطقة مطار الجميل وانتشر مع زملائه فى غرب المدينة يوم ٥ نوفمبر ١٩٥٦ للتصدى لعمليات إنزال رجال المظلات من الطائرات البريطانية وتمكن من إبادة المجموعة الأولى بالكامل، وعند عملية الإنزال الثانية دارت معهم معارك قوية سقط فيها زملاؤه وألقى قنبلتين يدويتين واختبأ داخل حفرة ومعه الرشاش أطلق منه الرصاص على الأعداء، حتى فوجئ بمجموعة من الجنود يحاصرونه وصوب الضابط الإنجليزى مدفعه ناحيته فعاجله بوابل من الرصاص ووقتها أطلقوا الرصاص وأخرجوه من الحفرة والدماء تتساقط منه وتمكن «مهران» من التسلل إلى بورسعيد، ولكنهم ألقوا القبض عليه بالقرب من المطار وجردوه من ملابسه للحصول على معلومات عن الفدائيين، وعندما فشلوا عقدوا له محكمة عسكرية صورية أصدرت حكمها باقتلاع عينيه لإعطائها للضابط الذى أصابه فى وجهه وتم نقله بطائرة إلى قبرص لإجراء العملية بأحد المستشفيات البريطانية هناك وحاول الطبيب البريطانى مساومته للإدلاء بحديث إذاعى يعلن فيه فشل القيادة المصرية مقابل أن يتركوه، ولكنه رفض فأخذوه لغرفة العمليات وأخذوا منه عينيه، وبعد العملية أعادوه إلى بورسعيد ودخل مستشفى الدليفراند، حتى تمكن الفدائيون من اختطافه بمساعدة ممرضة مصرية داخل المستشفى ونقلوه لمستشفى عسكرى بالقاهرة لاستكمال العلاج.


مجموعة على زنجير


يوم ١١ ديسمبر عام ١٩٥٦ كان يومًا مشهودًا من أيام المقاومة الشعبية لرجال بورسعيد، فقد تجاوز العدوان كل حدوده وهدم المنازل وقتل النساء والأطفال وحوَّل بورسعيد إلى ثكنة عسكرية، وقررت مجموعة من الفدائيين من أبناء بورسعيد الرد على هذه الأفعال بعمل كبير لردع المعتدين واجتمعت مجموعة الأبطال التى ضمت على زنجير وأحمد هلال ومحمد حمد الله وطاهر سعد وحسين عمان ومحمد سليمان، واتفقوا على خطف الضابط الإنجليزى مورهاوس ابن عم ملكة بريطانيا ليردوا اعتبار المصريين، ورصدت مجموعة الفدائيين تحركاته اليومية وانتظروه فى شارع رمسيس داخل سيارة سوداء كان رقمها (٥٧ قنال)، وكلفوا أحد الأطفال باستدراج الضابط الإنجليزى وكانت الساعة السابعة صباحًا، وعند تقاطع شارعى رمسيس مع صفية زغلول قابله الطفل وأخذ يسبه بعنف فقام الضابط بركوب سيارته الجيب وجرى وراء الطفل؛ محاولاً الإمساك به ووصل الطفل إلى أسفل أحد المنازل بشارع جانبى ونزل الضابط محاولًا الإمساك به وضربه وفى لحظة سريعة وحسب الخطة الموضوعة انقض عليه الفدائيون وأمسكوا به ووضعوه داخل السيارة السوداء التى كانت تتبعهم، وقاموا بتكميمه وانطلقوا مسرعين إلى شارع النهضة، ثم شارع عرابى، وأثناء سيرهم قابلتهم دورية إنجليزية فاضطروا إلى الدخول إلى بلوكات النظام من الباب الخلفى وأحضروا صندوقًا حديديًا ووضعوه بداخله، حتى يتمكنوا من الهروب به دون أن يعترضهم أحد واتجهوا به إلى منزل الدكتور أحمد هلال، وهو منزل مواجه لأحد مراكز القيادة البريطانية، وكان من المستبعد أن يفكر البريطانيون أن ضابطهم موجود داخل هذا المنزل وفرضت القوات البريطانية حصاراً على المنطقة وقرروا حظر التجوال وعدم تحرك أى فرد فى الشوارع، ولم يتمكن الفدائيون من الوصول إلى صندوق (مورهاوس) بسبب الإجراءات التى فرضتها قوات الاحتلال، وعندما هدأت الأمور ووصلوا إليه وفتحوا الصندوق وجدوه ميتا، ولم يجدوا مفرًا من أن يقرروا دفنه أسفل سلم المنزل، وبعد مداولات كبيرة قررت مجموعة الفدائيين تسليم جثة (مورهاوس) بعد أن قررت القوات المعتدية وقف إطلاق النيران والانسحاب من بورسعيد بلا عودة، وتم تسليم الجثة للقوات الدولية وللجنة التى شكلها مجلس الأمن، وهكذا كان خطف (مورهاوس) بواسطة مجموعة الفدائيين المصريين أحد أسباب الرضوخ المعتدين الثلاثة لقرار الأم المتحدة وأظهر حجم المقاومة الشعبية وما لاقته القوات المعتدية من بسالة وكفاح.


سندوتش عسران


السيد عسران كان عمره مازال فى السابعة عشرة، ولكنه كان بطلاً من أبطال بورسعيد وهو أحد الفدائيين الذين قرروا مقاومة قوات الاحتلال والدفاع عن أرض بورسعيد، وقرر عسران الانتقام لمقتل شقيقه الذى قتلته القوات الإنجليزية، وقرر الثأر لأخيه من جون ويليامز ضابط المخابرات البريطانى أحد رموز الاحتلال الذى اشتهر بسوء معاملة المصريين وتعقب الفدائيين ورجال المقاومة الشعبية، وفى نفس مكان خطف مورهاوس الضابط الإنجليزى وقف عسران فى انتظار سيارة ويليامز ودقت الساعة التاسعة صباحاً، ودخلت السيارة شارع رمسيس وكان بها ويليامز ومعه الكولونيل «جرين» والسائق، وتقدم عسران للضابط الإنجليزى بورقة وكأنها شكوى فى يده وفى يده الأخرى رغيف عيش قرر عسران وضع قنبلة يدوية بداخله وتظاهر وكأنه يأكل ونزع فتيل القنبلة ووقفت السيارة وفتح ويليامز الزجاج وألقى عسران بالقنبلة إلى داخل السيارة وانفجرت، ولم يتمكن الضابط من الهرب وأطاحت بقدمه اليسرى وقتلت الكولونيل جرين وأصيب السائق وسقطوا جميعاً فى دمائهم ونقلوا إلى المستشفى ومات ويليامز بعد ذلك.


شحبر حيًا أو ميتًا


البطل محمد نصر الدين شحبر أحد الأبطال الذين رصدت قوات بريطانيا مكافأة قدرها ٥٠٠ جنيه إسترلينى لمن يرشد عنه، ونشرت عنه جريدة نيوزكرونيكل الأمريكية بتاريخ ٧ يناير عام ٥٧ بأنه البطل الذى هز عرش بريطانيا، حيث قام عام ٥٦ برئاسة الفرقة الانتحارية فى معركة حى العرب عند شارعى أبو الحسن وعبادى وقام بتسليم ٨١٦ قطعة سلاح بريطانى وفرنسى للواء منير الألفى مدير المباحث الجنائية فى هذا الوقت وأيضا ٢ جهاز لاسلكى تم الاستيلاء عليها من المعتدين بعد عملية فدائية كبيرة.


أم على


لم تقل مواقف السيدات عن مواقف الرجال والشباب والأطفال، فكلها ملاحم بطولية دفاعًا عن بورسعيد «فتحية الأخرس» أو أم على كانت واحدة من بطلات بورسعيد وكانت تعمل ممرضة فى عيادة أحد الأطباء بالمدينة، وكانت هذه العيادة مأوى للفدائيين فى النهار واتخذت من العيادة مأوى ومخزنًا لأسلحة الفدائيين، وكانت أم على تلبسهم ملابس المرضى البيضاء وتخفى الأسلحة أسفل الأسرة وكانت تسهر لخدمتهم دون كلل أو تعب، وقررت أم على ألا يتوقف نشاطها ومشاركتها عند هذا الحد، بل قامت بنقل الأسلحة التى تصل إلى القابوطى بعد تهريبها عبر بحيرة المنزلة ونقلها إلى العيادة وفى إحدى المرات كان الفدائيون يختبئون داخل العيادة وسمعت طرقًا شديدًا على الباب وكان بالخارج دورية بريطانية تريد التفتيش فطلبت من الفدائيين النوم على الأسرة كمرضى وفتحت الباب لتجد الضابط الإنجليزى فى وجهها وأخذت فى الصراخ والعويل، وأوهمت الضابط أن أحد المرضى قد توفى وطلبت منه إحضار الإسعاف لنقله وإتمام عملية دفنه وانطلت الخدعة على الضابط وغادر العيادة مع جنوده.


ملحمة البطولات


يضيف أحمد عبدالنعيم قائلًا: (تعددت البطولات والعمليات التى قامت بها المقاومة، فهناك أيضا مجموعة ضباط الصاعقة جلال هريدى ومحمد أحمد الجيار وأحمد عبدالله ونبيل الوقاد وطاهر الأسمر وفاروق الأسمر ومدحت الدرينى ومصطفى عبدالوهاب والسيد صبحى الكومى وضابط المخابرات الصاغ سعد عبدالله عفرة وضابطا “البوليس” اليوزباشى مصطفى كمال الصياد واليوزباشى منير على الألفى، وكذلك التلميذ حسن سليمان حمودة الذى كان فى الثانية عشرة من عمرة، وكان طالبا بمدرسة القناة الإعدادية بنين وخرج على رأس مسيرة ضخمة حشد فيها رفاقة ليهتفوا لمصر ويسخرون من الأعداء، فاطلق الجنود الفرنسيون رصاصاتهم واردوه قتيلاً ولن تنسى بورسعيد الفدائى الوطنى محمد شاكر مخلوف من حزب مصر الفتاة ببورسعيد (آنذاك)، والذى اشتهر بطبع أول منشور بمطبعته بعنوان (سنقاتل.. سنقاتل)، ثم منشورات أخرى (لا تلقى سلاحك) (وارفع رأسك يا أخى) و(العربات قادمة فى الطريق)، كما أنه كان يحدد الأهداف الحيوية للفدائيين لضربها، كما أصدر العدد الأول من جريدة الانتصار يوم ٩ ديسمبر عام ١٩٥٦ وقامت القوات البريطانية بتحطيم مطبعته وقد اشتعلت بورسعيد بالعمليات الفدائية ليل نهار ومنها عملية مهاجمة البريطانيين فى مبانى الجمرك وعمليات الكمائن اليومية فى الشوارع ومهاجمة معسكرات إقامة البريطانيين فى مبانى مدارس بورسعيد وعمليات اختطاف أسلحة ودوريات البريطانيين فى الشوارع وعملية مهاجمة المعسكر الرئيس للدبابات البريطانية وعمليات مهاجمة البريطانيين فى منطقة حى الإفرنج وعمليات مختلفة فى مناطق حى العرب ووسط المدينة وعمليات المقاومة لإحداث الشلل لحياة القوات البريطانية ومنشورات المقاومة ونشاط المجموعة النسائية من سيدات بورسعيد فى المقاومة ونشاط مجموعة الإسعاف ومدرسى بورسعيد.