هكذا عاشت بور سعيد قبل انسحاب المعتدين

26/10/2016 - 2:58:24

هذا واحد من أبناء بور سعيد الباسلة، الذين عاشوا فى قلب البركان الثائر ... لقد استطاع أن يتسلل من خطوط الأعداء وجاء يرسم لنا صورا جديدة للمدينة الباسلة


بورسعيد ... وقد تقرر إيقاف إطلاق النار... يلفها هدوء عجيب ويشملها صمت رهيب... والكآبة تجلل الشوارع والطرقات، وتتجلى فى خطوات الأهالى الذين يسيرون وقد تفضلت جباههم حنقا وسخطا، واتسمت أعينهم وهى تلمع يلهب النقمة والغضب...


وهذا هو شارع النهضة، أهم شوارع المدينة الباسلة، ومركز البيع والشراء، وعصب الحياة التجارية فيها... لقد ساده الوجوم، ولأول مرة تبـدو متاجره مقفلة الأبواب.


وفى الحوارى ترى جماعات من الأطفال الصغار تؤلف مظاهرات تهتف بسذاجة : «إيدن مات فى القنال... واحنا ولادك يا جمال «.


وفى النوافذ... فى البقية الباقية من الأحياء الشعبية ... تلمح فوهات صغيرة ... فوهات البنادق التى اتخذ المرابطون خلفها لأنفسهم شعارا : «لن تمروا من هنا « .


وبعد بضع دقائق، كانت جماعات من رجال البوليس المصرى تطوف الشوارع، وتقوم بتصريف شئون الأهالى ... وتحركت المدينة ... نوعا .


وفجأة انتشر جنود الاعتداء فى الشوارع، واقتحموا مخازن التموين ونهبوها عن آخرها، الأرز والدقيق والسكر والبترول والشاى... حتى الخبز اليومى لسكان المدينة سرقوه وتركوا الأهالى بلا طعام...


وذهب رجال البوليس إلى «شون» بنك التسليف الزراعى والتعاونى، وكانت تختزن القمح والشعير والذرة، ولكنهم لم يجدوا حبة واحدة... فقد استولى المعتدون على محتوياتهم، بقصد التأثير فى معنويات الأهالى، عندما يعضهم الجوع...


ولكن الأهالى لم يخطر ببالهم طعاما غير طعام الكفاح، ولم يؤثر فيهم ظمأ إلا الظمأ للقتال ... ومع هذا فقد استطاع المسئولون من رجال السلطات المحلية، تدبير القوت الضرورى للأهالى، حتى جاءت معونة جمعية الهلال الأحمر وارادت القوات المعتدية أن تتقرب إلى الأهالى، فسمحت للصيادين بمزاولة عملهم فى البحر، على أن يتسلموا منهم جانبا كبيرا من محصول الصيد، فرفض الصيادون ، وآثروا الموت جوعا على إطعام أعوان الشهر، وعندئذ اضطرت القوات المعادية إلى تركهم وشأنهم... وفى اليوم التالى ظهر السمك فى السوق المحلية.


الأهالى يرفضون ماء الأعداء


وكانت المياه قد انقطعت عن المدينة الباسلة بفعل قنابل العدو، وظل الأهالى بلا ماء أربعة أيام كاملة، انتهز العدو فرصة لينفث سمومه ضد مصر ، فأصدر منشور جاء فيه :


«يا أهل بور سعيد... سوف نحمل لكم الماء من الخارج.


وما إن ظهر المنشور حتى رد عليه الأهالى ردا طريف فعلقوا صورة جمال عبدالناصر على الأبواب والنوافذ والشوارع، ورفعوا أعلام الثورة وأعلام الجمهورية، وكتب على الجدران وأرض الشوارع عبارات بالإنجليزية تتضمن هذه المعانى ...


«الماء من أيديكم سم قاتل» ... و «لن نقبل الماء الملوث « ... و «الموت عطشا أشرف من حياة لكم فيها بعض الفضل» ...


ووجد الانجليز أنهم قد فشلوا فى اجتذاب الأهالى نحوهم بل إن المنشورات التى وزعوها جاءت بعكس المقصود بها فقرروا أن يطرقوا باب المحافظ .


وكان «كيتلى « قائد حملة القوات المشتركة، قد اعتقل الأستاذ محمد رياض محافظ المدينة، ثم وعده بالإفراج عنه إذا تولى أمور المدينة متعاونا مع القوات المعادية، داعيا الأهالى لإلقاء السلاح... ولكن المحافظ رفض العرض، ولما وجد منه «كيتلى « إصرارا على موقفه أصدر قرار بالإفراج عنه...


وبعد قرار وقف إطلاق النار ، ذهب «ستوكويل « قائد القوات البريطانية فى المدينة إلى المحافظ فى مقره الجديد وقال له:


- أنت محافظ المدينة وقد جئت أرجوك أن تتولى الإشراف على تموين القوات البريطانية وتموين الأهالى .


- إن تموين القوات البريطانية شأن من شئونكم الخاصة ولا دخل لى به، أما تموين الأهالى فهذا من اختصاصنا نحن المصريين...


- نحن على استعداد لتقديم المعونة.


- ولكننا لا نريد أية معونة.


- لماذا لا تريدون رفع أنقاض البيوت المهدمة؟


- حتى لا نخفى آثار جريمتكم، وتبقى شاهدا عليكم أمام الرأى العام العالمى ...


- إذن ارفعوا الجثث التى أصابهــا العفن تحت الأنقاض .


- ستبقى الجثث مكانها... ولن نرفعها ولو تصاعد منها سم يقضى عليكم...


يستجدون الأهالى بالهيليكوبتر


وفى اليوم التالى لوقف القتال شاهد أهالى بور سعيد طائرات هليكوبتر تحلق فى سماء المدينة، وتلقى عليهم منشورات تدعوهم فيها للتعاون معهم مقابل أجور مرتفعة... ولكن الأهالى رفضوا التعاون مع الأعداء بأية وسيلة من الوسائل ومهما كان الأجر مغريا ... وقد جاء فى هذه المنشورات:


«تود قيادة الحلفاء أن توجه نظر الأهالى إلى أنها بحاجة إلى بضع مئات من العمال المصريين للعمل فى تطهير القناة بأجر يومى قدره ثلاثة جنيهات... وأن قيادة الحلفاء مستعدة لنقل الأهالى العمال من بيوتهم إلى أماكن العمل والعودة بهم، وستتولى توزيع الطعام والشراب عليهم مجانا .


وبعثت بورسعيد ردها على هذه المنشورات، فى لافتات كبيرة أغرقت بها الجدران وأرض الشوارع ، وقد جاء فيها «لا تعاون .. لا تعاون .. أخرجوا من بلادنا «.


وجن جنون العدو، وصدرت الأوامر للدوريات بالمرور فى شوارع المدينة للإرهاب ومحاولة خطف الأهالى وتسخيرها فى العمل...


وحاولت قيادة العدو أن ترغم التجار على فتح متاجرهم فى الشوارع الرئيسية بالقوة والتهديد، ولكنها لم تفلح معهم، وظلت النقود المصرية فى أيدى الجنود الانجليز والفرنسيين دون أن يتمكن جندى واحد من تصريفها، من دفع القيادة إلى إعادة جمعها من أفراد قواتها مادامت ؟؟؟؟ تستخدمها ....


وقد ذهبت قوة مسلحة من القوات المعادية إلى مصارف المدينة الثلاثة: «باركليز» و «الكريدى ليونيه» و «الكونتوار» وأمرت بفتحها وتسليم الأجانب الودائع التى أودعوها فى خزائنها، بعد أن أبدوا رغبتهم فى الرحيل من مصر


الفرنسيون يعتقلون الأهالى


وعاملت القوات الفرنسية الأهالى فى بورفؤاد معاملة قاسية وقد قامت بتفتيش مساكنهم والعبث بأمتعتهم، بدعوى البحث عن القائم مقام حسن رشدى مفتش المباحث العامة لإكراهه على التعاون معهم باعتباره من رجال الإدارة المحبوبين لدى المواطنين، ولكى يدعو الأهالى لإلقاء السلاح...


وقد اعتقلت السلطات الفرنسية السيد إبراهيم كساب باشكاتب المحكمة الكلية، كما اعتقلت اليوزباشى احمد برهان بتهمة إخفاء القائم مقام حسن رشدى... واعتقلوا السيد أمين العصفورى، وشقيقه السيد محمد العصفورى.


وحاولت قوات العدو أن تستميل إليها الأطفال، بتوزيع الحلوى عليهم، ولكن هؤلاء كانوا يعزفون عن حلواهم، وينطلقون عدوا وهم يهتفون: «جى موليه... إخص عليه».


وقد كادت تقع ملاحم دموية بين أفراد الشعب والقوات الفرنسية... فقد حدث أن سارت دورية فرنسية فى شوارع بورسعيد، وعندما شاهدت شابة من الوطنيات انقضت عليها تحاول خطفها واغتصابها ... فاندفع الأهالى نحو الفرنسيين والنار تغلى فى عروقهم، وكادت تقع مجزرة.


الإنجليز يربطون أسلحتهم


وكانت المظاهرات لا تنقطع من شوارع المدينة، تتقدمها صور الرئيس جمال عبد الناصر، مما كان يثير الإنجليز فى أماكن حراستهم ... وعندما كان أحدهم يقترب من المتظاهرين، كان يفاجأ باختفاء سلاحه من يده، مما جعل القوات البريطانية تصدر أمرا إلى جنودها بأن يربطوا بنادقهم إلى سواعدهم بالسلاسل، حتى لا يخطفها الوطنيون أو رجال المقاومة الشعبية.


وعندما استنفد الانجليز كل وسائلهم فى استمالة الوطنيين إلى جانبهم، بدأوا يقلدون الفرنسيين فى أعمال السلب والنهب، وقد فتحوا محلات العاديات عنوة، واستولوا على محتوياتها من الهدايا التى كانت معدة للبيع فى عيد الميلاد ورأس السنة، كما خطفوا أغطية الرءوس من المواطنين، بل لقد أحاط خمسة من الجنود الانجليز بأحد المواطنين وخلعوا عنه جلبابه، وارتداه أحدهم وسار مزهوا به فى الطريق.


منشورات الأهالى بالإنجليزية


ونشطت هيئات المقاومة الشعبية لطبع المنشورات باللغة الإنجليزية، وتوزيعها على الجنود الإنجليز حتى تتضح حقيقة العدوان الغاشم الذى دفعهم إليه رجال السياسة فى بلادهم بالتآمر مع الآخرين... وقد رؤى توحيد تلك الهيئات فى هيئة واحدة ، وأصدرت منشورا بالانجليزية جاء فيه:


«اخرجوا من بلادنا ... قبل أن تصبح قبورا لكم ... إن أمهاتكم فى انتظاركم حول كعكة عيد الميلاد .... أخرجوا قبل أن نفتك بكم».


وأحدث هذا المنشور أثرا كبيرا لدى الجنود البريطانيين، ولذلك فقد خصصت القيادة البريطانية فرقة كاملة من الجنود، لتقوم بجمع هذه المنشورات، وإزالتها من الشوارع التى ألصقت على جدرانها... وما كادت تلك الفرقة تنتهى من عملها، حتى عادت المنشورات تحتل مكانها على الجدران، وتفتح القبور أمام القوات المعتدية...


وتضاعف رعب جنود الاحتلال من رجال المقاومة الشعبية، فساروا فى الطرقات بسيارات تحمل مكبرات الصوت، وأعلنوا بالعربية أن القوات المشتركة ستنزل أشد أنواع الانتقام بالأهالى، إذا وقع حادث لأى جندى بريطانى، أو خطف منه سلاحه، وقال المذيع : «سننتقم ... سننتقم أشد انتقام ... وسنقتل مقابل كل جندى منا ٥٠ من الأهالى... فحذارٍ من المساس بجنودنا.


مدفع وغصن زيتون


وتركت المدينة وهى تغلى حقدا على المعتدين، وقال لى أحد المسئولين وهو يساعدنى على عبور خطوط الأعداء فى طريقى إلى القاهرة: «لن نترك سلاحنا... حتى بعد رحيل الأعداء ... سنحمله فى يدنا نذيرا لهم... ونبنى باليد الأخرى مدينتنا الجديدة... وسوف نضع عليها المدفع... وبجانبه غصن الزيتون... فقد علمتنا التجربة أن نكون دائماً على حذر.


نشر بمجلة الاثنين والدنيا بتاريخ ١٧/١٢/١٩٥٦