بورسعيد56 يوميات الحرب وذكريات الانتصار فى مدينة تعشق الحياة وتصنع التاريخ

26/10/2016 - 2:56:18

  حى المناخ تم تدميره كاملا بالنابالم وهو يمثل ثلث مساحة بورسعيد حى المناخ تم تدميره كاملا بالنابالم وهو يمثل ثلث مساحة بورسعيد

بقلم: جلال عارف

«تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية.. “بهذه الكلمات التسع، كان جمال عبدالناصر يضع الحد الفاصل بين عهدين، وكان يكتب فصلاً جديداً في تاريخ مصر والعالم كله عنوانه»التحرر الوطني ونهاية عهد الاستعمار ونهب ثروات الشعوب».


أنت تقرأ الآن هذه الكلمات بفكر هادئ بعد ستين عاماً من الحدث الكبير. لكن مثلي يقرأ هذه الكلمات وكأنها لحم ودم، ويعيشها حتى الآن بين الفرح الجنوني في لحظة التأميم الخالدة، وبين الصمود الذي لا تعرف من أين جاء لأطفال مثلنا (في ذلك الوقت) وهم يواجهون الموت ويسندون جثث الشهداء، ويترقبون يوم النصر حين يجيء ليغسل كل الدموع ويفتح أمام مصر والأمة العربية وشعوب العالم المقهورة كل أبواب الحرية، ويوقد كل شموع الأمل..


كان جميلاً ومؤلماً - في نفس الوقت - أن تفتح عيونك على الحياة في هذه المدينة الرائعة. أن تولد في مدينة النور والنار معاً. وأن تبدأ الحياة في» بورسعيد» الجميلة فتعانق البحر والقناة معاً، وتشهد - ما سنعرفه بعد ذلك بسنوات - عن عبقرية المكان ولقاء التاريخ مع المستقبل في صراع الحرية والبقاء.


أن ترى الحياة بين البحر والقناة، كان نداء الحياة في أجمل معانيها، في المقابل كان عليك أن تفتح عيونك على ذل مضاعف. ذل احتلال بريطاني دام أكثر من سبعين عاما. ترك أنحاء مصر بعد معاهدة ١٩٣٦ ليركز وجوده على طول قناة السويس من خلال أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط كله. ثم .. ذل أن تدرك أن قناة السويس ليست قناتك (!!) وأن دماء عشرات الألوف من المصريين الذين راحوا ضحية أبشع استغلال بشري. وهم يحفرون القناة لحساب من سرقوها من مصر، بل وسرقوا مصر كلها بعد ذلك واحتلوا أرضها.. كل هذه الدماء قد ذهبت هدراً، وكل هذه التضحيات قد تحولت إلى أكبر عملية نهب في التاريخ.


كانت القيمة الأساسية لثورة يوليو وقائدها جمال عبدالناصر، أنها لم تأت من فراغ. ولم تكن مجرد احتجاج من ضباط على أوضاع في الجيش، أو انتقاماً من زعامات فاسدة ونظام فقد صلاحيته.. بل كانت المعبر الحقيقي عن ضمير الشعب وعن أهداف الحركة الوطنية في الاستقلال الحقيقي وفي الانتصار للعدل والحرية.


في يونيه ١٩٥٦ خرج آخر جندي من جنود الاحتلال البريطاني، تنفيذاً لاتفاقية الجلاء التي كان عبدالناصر قد وقعها مع البريطانيين قبل عامين، والتي عارضها “الإخوان”وعرضوا على الإنجليز - في اجتماعات سرية كشف النقاب عنها بعد ذلك - أن يمنحوهم شروطاً أفضل، بينما كانوا يعدون لاغتيال جمال عبد الناصر.


من ميناء بور سعيد خرج آخر جندي من جنود احتلال ربض على صدر مصر لأكثر من سبعين عاماً، تحررنا من ذل الاحتلال، وبقى ذل سرقة قناة السويس، لكن الأمر لم يبقَ طويلاً على حاله، بعد أسابيع فقط كانت الأزمة حول تمويل البنك الدولى للسد العالى.


وافق البنك فى البداية ثم كان القرار الأمريكى بمعاقبة مصر على مواقفها التحررية المستقلة .. سواء فى مساعدة حركات التحرر العربى، أو فى اللجوء للتسلح من الكتلة الشرقية، التى كان يتزعمها الاتحاد السوفيتى فى ذلك الوقت، رداً على رفض أمريكا مدنا بالسلاح للدفاع ضد اعتداءات إسرائيل التى تكررت، وتهديداتها التى تصاعدت.


بقرار أمريكى سحب البنك الدولى موافقته على تمويل بناء السد العالى، وبقرار غيّر تاريخ المنطقة والعالم كان رد مصر المزلزل بتأميم قناة السويس .


مازالت أتذكر شلال الفرح الذى غمر المدينة التى لا تعرف التحفظ فى التعبيرعن مشاعرها. بعد لحظات كان الآلاف تزحف نحو القناة تريد أن ترى قناتها لحظة التحرير. كانت الزوارق الصغيرة تنطلق في عرض القناة تحيي البواخر العابرة وتتلقى منها التهاني. كان المشهد كما قال عنه صلاح جاهين بعد ذلك: “الفرحة عاملة في الكنال زفة “ والزفة لم تكن في داخل القناة فقط بل كانت تجتاح المدينة كلها. ما أجمل أن تتحرر من ذلك الاحتلال العسكري، ثم من ذل النهب الاستعماري في بضعة أسابيع.. بعد انكسار دام عشرات السنين.


•••


تتطور الأحداث.. ويبدأ العدوان الثلاثي على مصر، بعد أن فشلت محاولة تعطيل الملاحة في قناة السويس )وهذه قصة فخر للإرادة المصرية لم تكتب فصولها الكاملة حتى الآن( .


كانوا يتصورون أنهم سيجتاحون مدن قناة السويس بأكملها خلال أيام، فإذا ببورسعيد تتحول إلى صخرة تصمد أمام العدوان ببسالة لا يمكن وصفها.


كانوا يعرفون - بحكم احتلالهم الطويل - كل مواقع المدينة.


بضربات مركزة عزلوا المدينة عن باقي المدن المصرية. قطعوا الطريق إلى دمياط وإلى الإسماعيلية. وكان على المدينة الصغيرة أن تتدبر أمورها. ولك أن تتصور أحوال مدينة تعرضت للقصف الجوي بلا هوادة لأكثر من أسبوع من أساطيل وطيران أقوى قوتين استعماريتين في ذلك الوقت. تعيش وسط لهيب منازل تحترق بقنابل النابالم، وتحاول أن تدفن شهداءها حين تتوقف الغارات بعد حلول الظلام، وتقطع عليها القنابل الطريق فلا تجد إلا أن تحيل ملعب النادي المصري إلى مقابر للشهداء. ثم تعود لتمسك بالبنادق الصغيرة لتواجه بها العدو المدجج بالسلاح. وتنجح في أن توقف تقدمه حتى يستيقظ العالم ويتم إيقاف إطلاق النار. تنجو مصر، ولا تعبر قوات الغزو إلى باقي مدن القناة، وتفتدي بورسعيد الوطن، ويكون عليها أن تواجه أياماً صعبة تحت سطوة قوات الاحتلال.


تعيش المدينة تحت الاحتلال، لكنها لا تفقد - للحظة واحدة - روح المقاومة. يفرض حظر التجول من الخامسة مساء حتى الصباح. تعيش»بورسعيد» بلا موارد، لولا أن المقاومة استولت على ما كان في مخازن الجمارك ومستودعات التموين من الأرز والعدس وبعض البقوليات لأصبح الأمر أكثر صعوبة. لأسابيع طويلة عاشت المدينة على هذا المخزون. كان صيد السمك ممنوعاً خوفاً من تهريب الأسلحة. وكانت اللحوم والطيور والخضراوات خارج قائمة غذاء المواطنين. ومع ذلك لم يشك أحد، ولم يستمع أحد للنداءات المتكررة من قوات العدوان بتوفير فرص عمل لديها بمرتبات مجزية. لم يكن للخيانة موقع في معركة الشرف والمصير.


•••


على مدى ما يقرب من شهرين عاشت المدينة تحت سطوة الاحتلال. ولكن أيضاً عاش جنود الاحتلال في رعب من المقاومة التي تصاعدت يوماً بعد يوم، حتى وصل الأمر إلى أن أصبحت كل دورية تتجرأ على المرور في شوارع المدينة، تعرف جيداً أنها ستكون عرضة للهجوم المسلح، وأنها ستدفع الثمن جنوداً قتلي أو جرحي، خاصة بعد أن واجهت قوات الاحتلال عمليات فدائية نوعية كان لها صداها مثل خطف الضابط البريطاني»مورهاوس» أو اغتيال مسئول المخابرات البريطانية الأساسي في المدينة، أو مطاردة دوريات جنود الاحتلال في شوارع المدينة بالرصاص والقنابل.


تقاسمت المدينة لقمة العيش وطلقات الرصاص. لم يتزعزع الإيمان بالنصر للحظة واحدة. كانوا يظنون أن المدينة ستقبل احتلالهم فكان الرد بالرصاص. وكانوا يظنون أن المدينة ستنام في الخامسة فكانت سهرات «السمسمية» هى الرد الذي سجل يوميات الصمود العظيم والنصر الآتي. وكانت هجمات الفدائيين لا تنقطع ليلاً أو نهاراً.


في تلك الأمسيات التي لا توصف، غنت بورسعيد على «السمسمية» أجمل أغانيها الوطنية. سجلت مقاومتها للعدوان يوما بيوم في»سبع ليال وصبيحة» ووهبت تضحياتها للوطن مؤكدة أن ما قدمته كان “فدا الوطن.. وفداك يا جمال”ووضعت القضية في موقعها الصحيح وهى تلعن”ديلسبس”وكل من ساهم في جريمة الاستيلاء على قناة السويس وتحويلها إلى دولة داخل دولة.. ولعلها كانت تبعث برسالة لكل من يطالبون اليوم بعودة تمثال ديلسبس إلى مدخل القناة، ويعتبرون ذلك تصحيحاً للتاريخ، وليس إهانة لشعب بأكمله!!


•••


٢٣ ديسمبر قبل ستين عاماً. لم يكن يوماً كباقي الأيام. تستيقظ المدينة المقاومة الصابرة على نداء النصر الكبير. انسحب آخر جنود الاحتلال قبل أنوار الفجر الجميل. يتسابق الجميع إلى شوارع المدينة التي تحولت إلى ساحة للاحتفال، نسي الناس أن نصف مدينتهم قد تهدم. لكنهم لم ينسوا أرواح آلاف الشهداء ولأنها كانت معهم تحتفل بالنصر العظيم.


كنا نستنشق نسيم الحرية وندرك أن تضحيات الوطن ودماء الشهداء لم تذهب هدراً . خرج الاحتلال هذه المرة إلى غير رجعة. عادت القناة إلى حضن الوطن. كنا صغاراً فلم ندرك يومها أن ما حدث قد غير خريطة العالم كله، وكتب تاريخاً جديداً للشعوب العربية ولشعوب العالم الثالث فى أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية . وأن التاريخ سيذكر بعد ذلك أن العالم بعد حرب ١٩٥٦ لن يكون كما كان قبلها.


سقط الاستعمار القديم بسقوط آخر امبراطوريتين فيه سلمت فرنسا باستقلال الجزائر بعد كفاح شعبها العظيم ورحلت عن شمال أفريقيا. أعلنت بريطانيا عن رحيلها عن دول الخليج العربى . بدأت شعوب أفريقيا تنهى سنوات الاحتلال الأوربى الطويلة، تحولت القاهرة إلى عاصمة لحركات التحرر الوطنى . فتح تأميم شركة القناة الباب أمام شعوب العالم المقهورة لاستعادة ثرواتها المنهوبة . وشاء القدر أن يكون انتصار مصر الآخر فى حرب أكتوبر ٧٣ هو الخطوة التى استكملت سيطرة العرب على بترولهم . وأن تكون بورسعيد أيضاً على الجبهة الأمامية للقتال، وأن تدفع الثمن وهى تصمد لعدوان ٦٧ ، وتطلق أول إشارات الصمود فى معركة رأس العش، ثم معركة إغراق المدمرة إيلات على سواحلها ثم تخوض حرب الاستنزاف .. وتكون فى مقدمة الصف ونحن نعبر الهزيمة إلى آفاق النصر فى أكتوبر .


•••


لم تطلب»بورسعيد» يوماً ثمناً لتضحياتها . كان يكفيها أن تتحول إلى إنشودة للحرية على لسان كل عربى وكل مناضل من أجل عالم بلا احتلال أو استغلال . وكان عيدها فى ٢٣ ديسمبر من كل عام حين تلتقى بجمال عبدالناصر ومعه زعماء العرب والعالم وقادة حركات التحرر . وكان فخرها أن يتذكر قادة فى كل قارات العالم.. من نكروما وسيكوتورى فى أفريقيا إلى كاسترو فى أمريكا الجنوبية أنهم استلهموا من صمود بورسعيد وهزيمة العدوان عليها إيمانهم بالنصر والحرية ونهاية الاستعمار وسطوته، وبدء عصر جديد تكون الكلمة فيه للشعوب وللحرية والاستقلال .


لم تطلب»بورسعيد» ثمناً لتضحياتها وهى التى ترجمت كلمات عبدالناصر «سنقاتل .. ولن نسلم» إلى حقيقة غيرت وجه التاريخ . لكنها للأسف الشديد - دفعت ثمن اغتيال حلمها(وحلم مصر كلها) فى أن تتحول إلى منطقة حرة تقود قاطرة التنمية فى مصر من خلال موقعها العبقرى الذى يلخص موقع مصر الفريد فى ملتقى قارات آسيا وأوربا وأفريقيا.


كانت الدراسات العلمية معدة منذ الستينيات من خبراء مصريين، ومن مكاتب خبرة عالمية .. وكانت الظروف مهيأة لكى ينطلق المشروع فيحول بورسعيد إلى قاعدة ارتكاز للتجارة والتصنيع تملك الإمكانيات جميعها لتتفوق على»هونج كونج» وغيرها من المناطق الحرة فى العالم.


لكن البداية فى منتصف السبعينات خضعت لاعتبارات أخرى، وحلت»الفهلوة»بدلا من العلم . وتم إهدار كل الدراسات العلمية، وخضع الأمر لمنطق أحمد عثمان رجل المرحلة الذى حول بورسعيد إلى منطقة حرة ( أو هكذا تصور) بكلمتين وبس .. حين أفتى للسادات الذى وافقه على رؤيته بأن الأمر لا يحتاج إلا إلى كشك للجمارك عند منفذ الجميل غربا، وكشك آخر عند منفذ الرسوة جنوباً.. فتتحول المدينة بعد ذلك إلى منطقة حرة !!


وهكذا كان. وهكذا بدأت قصة اغتيال الحلم التى انتهت بما نراه الآن من كساد تجارى يضرب المدينة التى كان يفترض أن تكون عنواناً للرخاء ، وقاعدة للصناعة، وقائدة للتنمية فى المنطقة .


ومع ذلك فإن بورسعيد المجاهدة لم تترك - فى عز أزماتها - روحها المناضلة . ولعلنا نذكر كيف كانت أول مدينة تعلن العصيان على حكم الإخوان ، وكيف رفضت الخضوع لحظر التجول الذى أعلنه المخلوع مرسى ، وكيف كان تلاحم الجيش مع الشعب فى»بورسعيد»هو البشير لمصر كلها بما تم - بعد ذلك - فى ٣٠ يونيه .


•••


ونحن نحتفل بستين عاما على انتصارنا العظيم فى معركة استرداد القناة وتحرير الإرادة الوطنية ، تمر»بورسعيد»وهى رمز هذه المعركة وعنوانها الرئيسى بأزمات عديدة، وتمر مصر بظروف صعبة تحتاج فيها لأن نتذكر - أكثر من أى وقت مضى - دروس الانتصار فى معركة بورسعيد . ونحتاج فيها أن تتذكر أجيالنا الجديدة أن النصر ممكن حتى فى أصعب الظروف ، وأن القتال حين يكون مفروضاً علينا فلابد أن نخوضه، وأن ننتصر فيه .


احتفالنا بالذكرى الستين لانتصارنا فى معركة قناة السويس لا ينبغى أن يكون فقط احتفالاً بالماضى ، بل هو - فى الأساس - ضرورة حتمية لكى ننتصر على تحديات الحاضر، ولكى نقطع الطريق على كل من يحاولون مصادرة المستقبل، ولكى نقول إن كل محاولات تدمير الذاكرة الوطنية لن تنجح. وأنه قد آن الأوان لأن ننطلق مرة أخرى من لحظة الانتصار لكى نبنى الوطن. وأن نترك وراءنا سنوات طويلة من إهدار الجهد الوطنى ، ومن التبعية بديلا للاستقلال ، ومن الخصام مع كل ما مثلته»بورسعيد ٥٦”من انحياز للحرية والعدالة والتحرر الوطنى واستقلال القرار، وإنهاء التبعية التى أفقدت مصر دورها ومكانتها وقيادتها لأمة عربية تعرف جيدا، أن “بوصلة “التقدم كانت فى مصر .. وستظل كذلك !!


تأتى الذكرى الستين لانتصارنا على عدوان ١٩٥٦ الذى غير تاريخ العالم، ونحن نخوض معركة مصير مماثلة.. حرب ضد إرهاب منحط، وضد حصار يريد كسر إرادتنا، وضد مخططات تريد رسم خريطة المنطقة فى غيابنا ، وضد ظروف اقتصادية صعبة ، وضد محاولات مستميتة لتعطيل مسيرتنا فى التقدم، وفى القلب منها مشروع تنمية القناة .. وفى القلب منها “بورسعيد” المناضلة والمجاهدة والصابرة على كل ما تعانيه .


•••


كم أتمنى أن يكون الاحتفال لائقاً بالمناسبة، وأن يكون استعادة حقيقية لذاكرة الوطن التى يحاولون تزييفها أو تغييبها . وكم أتمنى أن يكون الرئيس السيسى فى بورسعيد فى ٢٣ ديسمبر ليعيد الاعتبار ليوم تاريخى يحاول الكثيرون ألا يجعلوا مصر تتذكره، لأنه يعنى بوضوح كامل أن مصر حين تواجه التحديات، فإنها ستقاتل، وستنتصر .