الشعوب العربية ضد العدوان

26/10/2016 - 2:53:01

بقلم: السيد الغضبان

الزمان أحد أيام النصف الثانى من شهر أكتوبر عام ١٩٥٦ لم أكد أجلس فى مكتبى فى صباح هذا اليوم، حتى تلقيت اتصالاً هاتفيًا من مكتب الأستاذ محمد أمين حماد مدير الإذاعة يطلب سرعة الحضور لمقابلة المدير، استقبلنى الرجل بوجهه الصارم ليخبرنى بضرورة التوجه فورًا إلى مكاتب المخابرات العامة للقاء الضابط المسئول عن الشئون العربية «فتحى الديب».


ذهبت من فورى إلى المبنى الذى يقع فى شارع قصر العينى كانت مكاتب المخابرات العامة فى ذلك الوقت تشغل مبنى فى شارع قصر العينى. وفى مكتب فتحى الديب استقبلنى الرجل ومعه مساعده «عزت سليمان» بالترحيب، وبدأ فتحى الديب بسؤالى إذا كنت أقبل القيام بمهمة بالغة الخطورة، مؤكدًا أن المهمة تطوعية وأن رفضى لها لا تترتب عليه أى مشكلة. وتابع هذه المهمة متعلقة بالثورة الجزائرية.


أومأت برأسى موافقا، فعاد ليكرر أننى لست مرغما على القبول ولابد أن يكون القبول بمحض إرادتى. وكررت عبارات القبول وطلبت مزيدًا من التفاصيل.


قال الرجل إن المجاهدين الجزائريين حرروا بعض المناطق فى الجزائر ويرغبون فى إطلاق «إذاعة» ويريدون مساعدة فنية، وتم تجهيز بعض الأدوات الهندسية ومطلوب أن نرسلها لهم مع «مذيع».


واصل الرجل حديثه محذرًا فى حالة بدأت التنفيذ فيجب أن تعلم أن المهمة سرية لا تخبر أقرب المقربين إليك، ولن نصدر قرارات رسمية تتعلق بهذه المهمة، حتى إذا حدث لك مكروه أو تسرب الخبر إلى الفرنسيين نستطيع أن ننكر أى صلة لأجهزة الدولة بتصرفاتك.. وهنا توقف ليعيد نفس التساؤل هل توافق بعدما سمعت وأدركت أبعاد المهمة؟.


وكانت إجابتى السريعة والحاسمة.. متى تريدنى أن أبدأ؟


ابتسم الرجل وقال خلال يومين على الأكثر.


بعد يومين كنت فى مطار القاهرة ومعى بعض الأجهزة الهندسية تسلمتها من مكتب مدير الإذاعة ومعها جواز سفر «مهمة» بتأشيرة خروج «كان على المواطن المصرى فى تلك الأيام إذا رغب فى السفر خارج البلاد أن يحصل على تأشيرة من الجوازات تسمح له بالسفر» وبالجواز أيضًا تأشيرة لدخول إسبانيا.


فى إسبانيا


وصلت مطار إسبانيا وعند خروجى وجدت شخصا يحمل لافتة عليها اسمى.. توجهت إليه وعلمت أنه سائق تاكسى سيقوم بتوصيلى إلى الفندق الذى سأنزل به.


انطلق التاكسى بعد أن وضع الرجل حقيبتى والحقائب التى وضعت بها الأجهزة الهندسية. لم نتبادل الحديث، فالرجل لا يعرف غير اللغة الإسبانية التى لا أعرف منها حرفا.. فى الطريق لاحظت أن الرجل يسير فى بعض الشوارع الضيقة، ويكثر من التلفت يمينًا ويسارًا وفى أحد الشوارع الجانبية توقف.. وشاهدته يشير إلى رجل أقبل نحونا بسرعة. انتابنى فى لحظة شعور قوى بأننى سقطت فى فخ وفى ثوان تذكرت تحذيرات فتحى الديب من الخطر الكبير الذى يحيط بالمهمة.


لم تمض سوى ثوان حتى كان الرجل الذى أسرع نحو التاكسى يركب فى المقعد الأمامى ويلتفت إلى وعلى وجهه ابتسامة عريضة وهو يقول «حمدالله على السلامة يا أستاذ سيد» هدأت مخاوفى قليلا، واستطرد الرجل يقول إنه مبعوث من الملحق العسكرى المصرى لاستقبالى وتأمين إقامتى فى أحد الفنادق المأمونة، وأننى سوف أبقى فى الفندق بضعة أيام، حتى يحدد الفدائيون موعدا لاصطحابى فى رحلة دخول الجزائر متسللا من الحدود المغربية، وأضاف الرجل أنه سيتركنى الآن حتى لا يراه أحد معى وأن على أن أعيش حياتى بشكل طبيعى كسائح فى إسبانيا.


حاولت أن أسيطر على شعورى بالقلق بقضاء ساعات طويلة أجوب فيها شوارع العاصمة الإسبانية مدريد، والأيام تمر ببطء شديد فى مثل هذه الظروف.


اكتملت أيام الأسبوع ولا أحد يتصل بى.. وأخيرا وفى مساء يوم ٢٩ أكتوبر عدت إلى الفندق لأجد مندوب الملحق العسكرى الذى استقبلنى بالتاكسى يجلس فى بهو الفندق.. حاولت التظاهر بأننى لا أعرفه - حسب التحذيرات التى سمعتها منه - لكننى لاحظت أنه أسرع نحوى وعلى وجهه ملامح غضب مختلطة بمسحة من الحزن.. وفى صوت متحشرج أطلق الرجل كلمات موجزة هزتنى كطلقات رصاص «إسرائيل وفرنسا وإنجلترا أعلنوا الحرب على مصر»..


وقبل أن أفيق من الصدمة واصل الرجل حديثه «القوات الإسرائيلية احتلت سيناء، والقوات الفرنسية والإنجليزية بتهاجم بورسعيد، وطيرانهم ضرب كل المطارات المصرية وضرب مراكز البث الإذاعى كلها وتوقفت الإذاعات المصرية عن البث».


لم أستطع النطق بأى كلمة، حتى سمعت الرجل يقول «إن رئيس الإذاعة اتصل هاتفيا بالسفارة المصرية فى مدريد لإبلاغى بإنهاء المهمة والعودة فورًا إلى القاهرة».


فى تونس


وفى اليوم التالى كنت فى طريقى إلى تونس لأعود إلى القاهرة بالطريق البرى؛ نظرًا لإغلاق المطارات المصرية.


وصلت العاصمة التونسية، ولاحظت منذ اللحظة الأولى ترحيبًا حارًا من كل من تعاملت معه وأنا أنهى إجراءات خروجى من مطار تونس.. كان المواطنون التونسيون يحيطوننى بكل ألوان الترحيب والتعاطف مرددين عبارات التأييد لمصر.


والتاكسى يقطع الشوارع فى الطريق إلى الفندق، لاحظت أن الشوارع مليئة بلافتات تحمل عبارات التأييد لمصر.. وصلت الفندق، وسائق التاكسى الذى حملنى إلى الفندق يودعنى بحرارة وكأننا أصدقاء، ويرفض بحسم وإصرار أن يتقاضى أجره رغم إلحاح منى.


اتصلت بالسفارة المصرية لأسال عن أخبار مصر، حضر الملحق الإعلامى إلى الفندق. رحب الرجل بى وأخبرنى أن الأخبار القادمة من مصر شحيحة، ولكنها تشير إلى أن الشعب المصرى كله مستنفر وُمصْرّ على المقاومة.


وعلمت منه أن الإذاعتين الأردنية والسورية خصصت كل منهما ساعة يوميًا يقدم فيها مراسلوا صوت العرب فى هذه الدول أخبار مصر تحت شعا «صوت العرب من عمان» و«صوت العرب من دمشق». طلبت منه أن نتصل بمدير الإذاعة التونسية لأقوم بعمل مماثل، لكنه ابتسم وأكد لى أن المسئولين فى الإذاعة التونسية لن يستجيبوا لمثل هذا الطلب، لأن سلطات الاحتلال الفرنسية لم تزل لها الكلمة العليا على المؤسسات الرسمية فى تونس. قلت له لابأس من المحاولة. وفى صباح اليوم التالى بعث لى بسيارة حملتنى إلى مبنى الإذاعة التونسية. استقبلنى مدير الإذاعة التونسية بترحيب حذر، وعندما طلبت منه تخصيص ساعة على أثير الإذاعة التونسية أقدم فيها أخبار مصر تحت شعار «صوت العرب من تونس» أسوة بالإذاعتين الأردنية والسورية» ابتسم الرجل وأجاب بأنه لا يستطيع أن يفعل، وأضاف بأنه حتى لا يستطيع أن يذيع أخبارًا أو موضوعات فى الإذاعة التونسية لا ترضى عنها السلطات الفرنسية التى تمثل الاحتلال الفرنسى فى تونس».


الشعب التونسي


كانت مشاعر الشعب التونسى بكل طوائفه وفى كل مكان تتدفق بكل ألوان التعاطف والتأييد لمصر ضد كل قوى العدوان، رغم المواقف الرسمية التى تلتزم بتأييد الغزو الفرنسى أو على الأقل لا تجرؤ على التصريح بالتعاطف مع مصر. فى المساء أخبرنى الملحق الإعلامى المصرى أن «اتحاد الشغل التونسى» الذى يمثل عمال تونس سيعقد فى الغد مؤتمرا حاشدًا لإعلان التأييد لمصر.


وسألته أن كان من الممكن أن أحضر هذا المؤتمر، ابتسم وقال اتحاد الشغل يطلب حضورك وإلقاء كلمة، وقبل أن أعبر عن دهشتى قال لقد أخبرتهم أن صوت العرب أرسل مذيعا من مصر للتواصل مع الشعب التونسى بعد أن توقف بث الإذاعات المصرية نتيجة هجمات طيران قوات العدوان، أصروا على أن تحضر المؤتمر وتخاطب الجمهور مباشرة.


احتشد عشرات الآلاف من أعضاء اتحاد الشغل التونسى، لافتات التأييد لمصر فى كل ركن، الهتافات ضد العدوان والمؤيدة لمصر هادرة لا تتوقف.


صعدت على المنصبة ليقدمنى المسئول عن المؤتمر بصفتى مذيع صوت العرب الذى حضر إلى تونس لتطمين الشعب التونسى على صلابة الموقف المصرى.


حاولت لأكثر من ربع ساعة أن أبدأ الحدث، لكن الهتافات الهادرة لم تمكننى من بدء الحديث، كان المشهد رائعًا، وعواطف التونسيين المتدفقة كفيلة بأن تجعل الكلمات تتحشرج وأشعر أن كل كلام مهما بلغت بلاغته لا يمكن أن يعبر بصدق عن هذا المشهد المهيب. وأخيرا تمكنت من أن أقول «إن الشعب المصرى يبعث لشقيقه الشعب التونسى بتحية خاصة ويطمئنه أنه لن يستسلم للعدوان» انفجرت عاصفة من الهتافات لم تهدأ.


وفى ختام المؤتمر أعلن المسئولون عن اتحاد الشغل التونسى التضامن الكامل مع الشعب المصرى ضد العدوان، وأعلنوا فتح باباب التبرع وباب التطوع للذهاب إلى مصر والقتال فى صفوف الفدائيين المصريين.


لم أكد أصل إلى الفندق بعد هذا المشهد الرائع، حتى وجدت الملحق الإعلامى فى انتظارى ليخبرنى بأن علىّ أن أحزم حقائبى فورًا لمغادرة تونس لأن السلطات الفرنسية أصدرت قرارا بإبعادى فورًا عن تونس. حاولت مناقشته لكنه أخبرنى بأنه لا مفر من تنفيذ هذا الأمر وأضاف سوف تتحرك خلال ساعة مغادرًا العاصمة تونس لأتجه إلى ليبيا، وسوف أغادر بسيارة سفير مصر بصحبة الأستاذ أحمد قاسم جودة نقيب الصحفيين المصرى يومذاك والذى تصادف وجوده فى تونس فى هذه الفترة.


قرويون تونسيون


تحركت بنا السيارة فى ساعات الليل الأولى. الصمت سيد الموقف. وفجأة ونحن فى الطريق إلى «صفاقس» توقفت السيارة فجأة، وفى لمح البصر كانت السيارة محاطة بعدد كبير من التونسيين يحملون بنادق قديمة يلوحون بها وهم يطوفون حول السيارة.


تبادلنا النظرات فى السيارة، ونحن نحاول أن نخفى حالة الذعر والخوف التى سيطرت علينا.


وفجأة سمعنا صوتًا مجلجلًا يصرخ «هادول مصاروه». وهجم الرجال المسلحون على السيارة يفتحون الأبواب ويجذبوننا إلى خارج السيارة وهم يهتفون لمصر ويحتضوننا بلهفة وعواطف جياشة، وبعضهم يغالب البكاء. استسلمنا فرحا وارتياحًا لهذا الترحيب، وإن كنا لم نفهم سر هذا المشهد.


بعد أن انتهى حفل الترحيب الذى اقترن بتنافس المسلحين فى تقديم التمور لنا، شرح لنا السائق سر هذا المشهد. قال السائق أن هؤلاء المسلحين من القرويين المقيمين فى هذه المناطق وإنهم يقطعون الطريق ومعهم أسلحتهم البسيطة، هؤلاء مصرون على التصدى لأيه قوات فرنسية تحاول أن تتحرك من تونس لدعم العدوان على مصر. وأنهم عندما رفعوا غطاء العلم الموجود على مقدمة سيارة السفير وعرفوا أننا مصريون كانت هذه المظاهرة العاطفية فى حب مصر.


وفى ليبيا


بعد قضاء ما تبقى من الليل فى مدينة صفاقس واصلنا الرحلة، حتى وصلنا إلى العاصمة الليبية طرابلس.


فى طرابلس كانت المظاهرات الشعبية المؤيدة لمصر لا تتوقف، وكانت قوات الاحتلال البريطانية تطارت المظاهرات وتفرقهم بعنف.. ولا تكاد إحدى المظاهرات تنفض حتى تكون مظاهرة أخرى قد بدأت فى تحدى قوات الأمن.


طلبت من الملحق الإعلامى بالسفارة أن يمكن من تسجيل لقطات من هذه المظاهرات، لكنه حذرنى من أن قوات الأمن لن تمكننى من ذلك وأنها سوف تبطش بى بعنف لو شاهدتنى أسجل هذه المظاهرات.


فى المساء انتحى بى الملحق العسكرى المصرى جانبا وأخبرنى أن مجموعات من الفدائيين الليبيين فى بنى غازى يخططون لنسف مستودعات الوقود فى القاعدة البريطانية، وأن المتفجرات المناسبة لهذا العمل جهزتها مجموعة من الفدائيين الليبيين فى طرابلس ويريدون توصيلها إلى مجموعة بنى غازى.


وفهمت أن المطلوب منى المشاركة فى عملية النقل، لأننى مجرد عابر لا يثير الشكوك، وسألنى أن كنت أقبل التطوع لأداء المهمة. وطبعًا قبلت على الفور وبدأنا فى ترتيب أفضل طريقة لنقل المتفجرات إلى بنى غازى.


وحدثت المصادفه الحسنة. كان أحد الأمراء الروسين (أظن أسمه عابد السنوسى) إذا لن تخنى الذاكرة، كان الأمير سيتحرك بركب من السيارات إلى بنى غازى. وكانت هذه فرصة لتنضم السيارة التى سنخفى فيها المتفجرات إلى ركب الأمير السنوسى.


رتب الملحق العسكرى لقاء تعارف بين الأمير السنوسى وبينى وأعربت له عن رغبتى فى السفر إلى بنى غازى فى «حمايته» لأننى أخاف أن تستوقفنى حواجز من القوات البريطانية منتشرة على طول الطريق من طرابلس إلى بنى غازى.


وبكل شهامة العربى رد الأمير السنوسى مرحبا بانضمام السيارة التى استقلها لركابه وأنه يسبغ حمايتة على ولن يستطيع أى حاجز أن يقترب منى وأنا فى حمايتة.. وتحرك ركاب الأمير السنوسى وهو يضم السيارة التى تنقلنا والتى تم وضع المتفجرات فى مخابئ سرية بها.


ووصلنا دون مشكلات بفضل حماية الأمير السنوسى إلى بنى غازى.. واستقبلنا الملحق العسكرى المصرى فى بنى غازى وتصادف أننى أعرفة من خلال شقيقه (الملحق العسكرى هو محمد المصرى). وحضر مسئول عن المجموعة الفدائية التى ستتولى تفجير صهاريج الوقود فى القاعدة البريطانية وتسلم المتفجرات التى نقلناها من طرابلس. وبعد أيام قليلة تم فعلا تفجير هذه الصهاريج، وكانت عملية رائعة وذات أثر كبير، لأنها أثبتت أن المعركة بين قوى العدوان لم تعد محصورة فى بور سعيد أو على الأرض المصرية فقط أثبتت الشعوب العربية أنها سوف تطارد قوى العدوان على امتداد كل الوطن العربى.


السائق الليبى


حان وقت مغادرة بنى غازى باتجاة مصر وطلبنا استئجار تاكسى. وبعد أن اتفقنا (الأستاذ أحمد قاسم جودة وأنا) على الأجر إذا بالرجل يطلب أن نعطيه كامل الأجر الذى اتفقنا عليه، ورفض أن يتقاضى نصف الأجر والنصف الآخر يحصل عليه عندما نصل مصر.


لم يكن أمامنا خيار، دبرنا المبلغ بالكامل وأعطيناه للسائق، ولاحظ الرجل أننا نشعر بالضيق من هذا الموقف، لكن كلانا لم يبح بمكنون نفسه.


انطلقت بنا السيارة ونحن نتجنب الحديث مع السائق وهو أيضًا يتحاشى الحديث معنا، إلى أن عبرنا الحدود المصرية وصلنا مرسى مطروح وقررنا أن نقضى ساعات نستريح فيها من هذا السفر الطويل فنزلنا فى فندق متواضع بمرسى مطروح.


فى المساء ونحن نجلس فى بهو الفندق أقبل السائق الليبى علينا وألقى علينا التحية وكان ردنا فاترًا ونحن لم نزل متأثرين بموقفه.


قال الرجل أعرف أنكم لا تطيقون النظر إلى وجهى، لأنكم تتصورون أننى طلبت كامل الأجر استغلالًا للظرف الصعب الذى تواجهونه. لم يرد أحد منا.


واصل الرجل حديثه اسمعوا السبب أولًا ثم أصدروا حكمكم على.. لقد طلبت الأجر كاملًا لأعطيه لأسرتى، حتى تتمكن من تدبير أمور معيشتها فى الفترة التى أتغيب فيها، لأننى قررت إلا أعود إلى ليبيا.


بدأت مظاهر الدهشة تزحف على وجوهنا وبدأنا ننصت باهتمام وهو يقول. «لقد قررت أن أتطوع مع الفدائيين المصريين وأذهب معهم إلى الجبهة فى القتال ولن أعود إلى ليبيا إلا جثة إذا استشهدات أو أعود بعد تحقيق النصر على العدو».


لم نتمالك أنفسنا من القفز لمعانقة الرجل وكانت الدموع التى انهمرت من عيوننا جميعا هى أبلغ تعبير عن هذا الموقف.


وعدنا إلى القاهرة.. وسارعت إلى مبنى الأذاعة بشارع الشريفين. كانت الإذاعة قد بدأت تعود إلى البث على موجات ضعيفة.. وتم ضم جميع الموجات. لتقدم الإذاعة صوتا واحدًا تحت شعار «هنا القاهرة».


ألغيت كل المواد وكانت الأذاعة تقدم القرآن الكريم والأحاديث الدينية والسياسية والعامة ونشرات الأخبار.


وكلفت بأن أتولى مسئولية «الأحاديث» بكل موضوعاتها، وذلك تحت إشراف مندوب من القيادة العامة للقوات المسلحة هو “اللواء كمال الحناوى».


واستمر الحال على هذا النحو، حتى قرار الانسحاب الذى أجبرت قوات العداون على اتخاذه، وعندها عادت الإذاعة إلى سابق عهدها.