«سكينة فؤاد» تتذكر العدوان الثلاثى والمنشورات والطفولة الصعبة: المقاومة رزق بورسعيد.. وعشنا «ع البطاطس»!

26/10/2016 - 2:51:06

عدسة: إبراهيم بشير عدسة: إبراهيم بشير

حوار أجراه: صلاح البيلى

«رفضت أمى أن نغادر بورسعيد أثناء العدوان الثلاثى، وبقينا مع المقاومة التى تشكلت من عشر فرق من أبناء بورسعيد والفرقة العاشرة كانت من الفتيات»، جمل قصيرة لخصت بها الكاتبة الصحفية سكينة فؤاد حال المرأة وقت العدوان الثلاثي، حيث شاركت الرجل، كتفاً بكتف، إلى أن تحقق النصر.


«سكينة» أيضاً أدلت بشهادتها عن هذه الحقبة التي عاشتها بحلوها، ومُرها، وقصت أنها كتبت قصتها الشهيرة «ليلة القبض على فاطمة» من وحى مقاومة نساء بورسعيد للعدوان.


لم نعِش طفولة عادية لأننا نشأنا ونحن نرى كل يوم العسكرى الإنجليزى والمعسكرات الإنجليزية حيث يملؤنا الغضب، وتعلمنا منذ صغرنا كيف نصبح أطفالا مشاغبين وكنا نلعب لعبة نخيف بها العسكرى الإنجليزى، وهكذا كان كل أبناء مدن القناة من بورسعيد للإسماعيلية والسويس وفى المقدمة بورسعيد التى جمعت بين حضارة الشرق وحضارة البحر الأبيض المتوسط حيث نشأت فى بيئة مليئة بالأجانب من يونانيين وإيطاليين وفرنسيين، وعشت الانتماء لمدينة وحضارة مفتوحة، والشعوب شىء وشركة القناة المحتلة شىء آخر، ولأنها مدينة ساحلية تعلمنا التوكل على الله لأن رزقنا فى البحر مع خير بلا حدود وثراء البيئة والمقاومة والغضب من وجود المحتل ووجود حى الإفرنج وأغلبه من الأجانب وحى العرب.


وكانت المدينة فى ظاهرها تعج بالثراء لكنها فى باطنها تعج بالمقاومة والغضب من المحتل والشعور بأن قناة السويس التى حفرت بدماء المصريين يذهب خيرها للأجنبى وكأن شركة القناة كانت دولة داخل دولة مصر، من هنا نشأت شخصيتى كأبناء مدن القناة، الإحساس بالكرامة والوطنية والغضب من الاحتلال وعدم الانكسار مهما كانت العواصف وهى صفات يبدو منها التعصب لمدينتى ولكنه فى جوهره التعصب للوطنية والانتماء لمصر.


تحكي الكاتبة الكبيرة سكينة فؤاد وتتذكر عدوان ٥٦ بقولها: عندما قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن ترث قوى الاستعمار القديم وعلى رأسها بريطانيا، فالصراع ظاهره قناة السويس، ولكنه على المنطقة كلها، وبداية الرغبة فى الاستيلاء على المنطقة، وعندما أمم الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر القناة زعم البعض أنها كانت ستعود لمصر سلماً، وأن عبدالناصر تعجل فى قراره؛ ولكن الثابت أن عبدالناصر والمخابرات المصرية أدركوا أن إدارة القناة لا تنوى تسليمها لمصر بل ستعمل على مد الامتياز فاتخذ موقفه ذلك حتى لا تظل القناة نقطة ارتكاز للاحتلال للبقاء فى مصر، وكان ما كان من خروج الإنجليز من مصر وامتداد حركات التحرر الوطنى للدول العربية والإفريقية والآسيوية وتأسيس حركة عدم الانحياز وقيام قوى جديدة تواجه الاستعمار القديم.


أدارت قوى الاستعمار معركة العدوان على مصر وهى المعركة التى أكدت أن معدن الشعب المصرى وأقوى ما فيه يظهر فى لحظات التحدى عند محاولة كسر كرامته وإرادته، وما حدث أن صحف العالم قارنت بين معركة بورسعيد ومعركة ستالينجراد وكيف استخدم الكيان الصهيونى كمخلب قط لجر الجيش المصرى لسيناء وسهولة السيطرة على بورسعيد كمدخل لامتلاك مصر كلها واحتلالها، ولكن تكفل أبناء بورسعيد من خلال المقاومة الشعبية وكمية السلاح الهائلة التى وزعت على المقاومة من التصدى للعدوان.


المقاومة الشعبية في بور سعيد لم تقتصر على الرجال فقط، بل كان للنساء نصيب فيها، الكاتبة «سكينة» تتذكر هذه الأحداث، تأسست فى بورسعيد عشر فرق للمقاومة الشعبية من أبناء المدينة وكانت الفرقة العاشرة من الفتيات وإحدى الفرق كانت من الجالية اليونانية التى تعيش معنا وبيننا وكان الأطفال فى فرق المقاومة من سن ١٢ حتى ١٧ سنة.


وحوصرت المدينة براً وبحراً وجواً لمنع دخول أية إمدادات عسكرية أو غذائية وصب العدوان النار على المدينة من البحر والبر والجو ومنعوا القوات النظامية من الدخول ولكن تسلل منهم الكثير بسلاحه عبر بحيرة المنزلة ومن المطرية فى ملابس الصيادين. وكان الفدائيون يتخفون فى النهار فى ملابس المرضى بالمستشفيات وتولت ممرضة شهيدة ربط بعض الفدائيين بالشاش لإظهارهم كمرضى، وعندما كان يحل الظلام يتحولون لمردة وشياطين، لدرجة أنهم جعلوا إقامة المحتل فى بورسعيد مستحيلة وجعلوا العدوان يفكر كيف يفلت سريعاً من هذه المصيدة، ومن أبطال المقاومة «عسران» الذى خطف الضابط الإنجليزى «مورهادس» وابن بورسعيد محمد مهران الذى تصدى للعدوان عند شاطئ الجميل وعجزوا عن القبض عليه إلا بعد آخر رصاصة معه ونقلوه لقبرص.


واستطردت بقولها: نجح الفدائيون من أبناء الجيش والشرطة مع فرق المقاومة الشعبية من جعل إقامة المحتل بالمدينة مستحيلة وتعجل الإنجليز والفرنسيون الرحيل والذى تم فى الخامسة من مساء ٢٣ ديسمبر من ميناء بورسعيد وكان آخر جندى راحل من فرقة يوركشاير الإنجليزية. وطلب المعتدى إخلاء المنطقة كلها من أى فدائى أو مقاتل أو حتى مواطن عادى يتطلع إليهم عند الرحيل، وانسحبوا فى رعب. هذا النصر العظيم الذى حدث فى ٥٦ وتأكد فى ٧٣ يؤكد أن القضية ليست فى السلاح بل إن الإنسان المصرى هو سر النصر وأن الروح العالية والاستعداد للاستشهاد يسبق السلاح وهذا ما تنبهت إليه أمريكا فى وراثتها لقوى الاستعمار القديم وبعد حروب ٥٦، ٦٧، ٧٣ وما تم فى حرب الاستنزاف. و٦٧ لم تكن صناعة الجيش المصرى رغم أنه دفع ثمنها ولكن فرض عليه ألا يحارب بل ينسحب وقت الذروة فكان نصراً زائفاً لإسرائيل كما قال الرئيس السادات لأن جيشنا لم يحارب من الأساس.


الكاتبة الكبيرة سكينة فؤاد دائماً ما تتحدث عن الإنسان المصري، والذي لعب دوراً كبيراً فى الانتصار على الأعداء على مر العصور، تقول: كشفت حرب ٥٦ والاستنزاف و٧٣ أن المخطط سيكون استهداف الإنسان المصرى، من هنا ننبه أن مواصلة حلقات النصر تقتضى الانتباه لمقومات هذا الإنسان من تعليم جيد ورعاية صحية وعدالة وسيادة القانون وعدم التمييز والتأهيل بالمهارات المصرية وصناعة الأمل الحقيقى واحتضان الشباب ومقاومة اليأس. وليس غريباً أن يقول رسولنا عليه الصلاة والسلام عن المصريين إنهم «خير أجناد الأرض» وهذا الوصف ليس للمقاتل وحده بل للإنسان المصرى عموماً ويجب أن نؤهله بالقوة التى صنع بها انتصاراته على الاستعمار القديم والحديث.


سكينة فؤاد تتذكر مقاومة نساء بورسعيد وصلابتهن في وجه العدوان، فقد رفضت أمى الخروج من بورسعيد أثناء العدوان مع من خرجوا من الأسر. كما تكرر نفس المشهد فى ٦٧ والاستنزاف و٧٣ وكان أبى ضابط شرطة يتنقل بين محافظات مصر وأصرت أمى على البقاء، فاستوحيت من صلابة النساء قصتى، وهى قبل العدوان كانت سيدة مقاومة للبحر من أجل الرزق ومقاومة للاحتلال من أجل الكرامة. وكل نساء بورسعيد هكذا.


وأذكر أن المدينة لم يكن بها أية مواد غذائية، فعمد الفدائيون إلى مخازن شركة القناة فوجدوا بها البطاطس التى عاش عليها كل أبناء بورسعيد طوال أيام العدوان، لأن نقل المواد الغذائية كان ممنوعاً والصيد فى البحر كان ممنوعاً وتحول كل سكان المدينة لمقاتلين ومن هنا اتصفوا بالشقاوة والمشاغبة، وكان العسكرى الإنجليزى لا يجرؤ على أن يمر وحده فى أى شارع  بل يمرون معاً كجماعة وكان المواطن البورسعيدى لا يعبر من منطقة لأخرى في مدينته إلا بعد لصق أختام على ذراعه تفيد أنه جرى تفتيشه، وامتلأت بورسعيد بالمنشورات الوطنية التى تحفز على القتال وتهدد العدو وحاول العدو نشر منشوراته للوعيد وقطع إرسال الإذاعة فزادت منشورات المقاومة وكانت (مطبعة أبناء مخلوف) تنشر المنشورات تباعاً بالعربية والإنجليزية والفرنسية ومورست كل أشكال المقاومة ولا ننسى أن العدو دخل المدينة بحيلة خداعية عندما أعجزته المقاومة من العبور من البحر فدخل بدبابات برمائية رافعة أعلام الاتحاد السوفييتى، وهذا مثبت فى موسوعة «نضال بورسعيد» لمؤرخها ضياء القاضى ابن بورسعيد.


وعن التحام الشعب مع الجيش والشرطة تقول سكينة فؤاد، طول عمرنا نسيج واحد من الجيش والشرطة والمدنيين والجيش جزء من لحمة أبناء القناة ولديه مكانة خاصة عند أبناء القناة لأن المنطقة طول عمرها مستهدفة وسيناء كانت ولا تزال مطمعاً للعدو الصهيونى وقوى الاستعمار القديم والجديد لحل مشكلة فلسطين على حسابها والمطامع بلا حدود فى الممر المائى. والمنطقة كنز لمصر وأخيراً تنبهت مصر للمنطقة بالمشروعات القومية العملاقة لتشغيل الشباب وصناعة الأمل الحقيقى وأدعو وزير الثقافة لطباعة موسوعة نضال بورسعيد وتوزيعها على المدارس حتى لا نفاجأ يوماً بأن مدرسة خاصة تدرس لأولادنا أن ٧٣ كانت نصراً لإسرائيل، إنها حرب تشن على العقل المصرى.


قصة «ليلة القبض على فاطمة» واحدة من القصص التي تم تحويلها لفيلم من بطولة الفنانة الراحلة فاتن حمامة وحكت ما كان يحدث وقت العدوان، سكينة فؤاد تذكرت وقت كتابتها بقولها، لم أكف عن كتابة القصص القصيرة وأصدرت مجموعات متتالية هى «زمن الهجرة تحت الجلد»، و»دوائر الحب والرعب، و»٩ شارع النيل»، و»ترويض الرجل»، و»محاكمة السيدة س» و»ليلة القبض على فاطمة» التى جاءت كرواية قصيرة أو قصة قصيرة طويلة بإيقاع سريع من وحى صلابة نساء بورسعيد ولأنها مشحونة بالمقاومة والفرادة وجدت طريقها للإذاعة والتليفزيون والسينما فذاعت شهرتها، والأديبة بداخلى تتصارعها الصحفية وكل من لديه ملكة الإبداع تصبح محنته ألا يكتب وأقول إن موت أجنة العقل أخطر من موت أجنة الرحم وكم عانيت ومازلت أعانى من أبطال وبطلات من مخرجات الواقع المملوء بالألم يمتلئ بهم عقلى ولا أستطيع أن أمتلك لحظات الميلاد!.


وذكريات لا تنسى شاركت السيدة الرائعة فاتن حمامة فى بورسعيد عند تصوير الفيلم، وأذكر فى أثناء تواجدى فى ميدان التحرير فى ثورة ٢٥ يناير أن أحاط بى الشباب وسألونى: هل هذه هى ليلة القبض على فاطمة؟ فقلت لهم: إنها ليلة الإفراج عن مصر.


وقد حلمت أن أكتب الجزء الثانى منها ولو ملكت هذا وأكرمنى الله لعدت بفاطمة من مستشفى الأمراض العقلية التى حاصروها فيها بعد أن فشلوا فى قتلها ليكون تحريرها فى ميدان التحرير فى ثورة ٢٥ يناير.


وعن الشخصيات التي قدمتها فى «ليلة القبض على فاطمة» والتي تنوعت بين الانتهازى الذى صادق قوات العدوان وادعى الشرف والبطولة، والبطل الأصلى، «سكينة» تحدثنا عن الاثنين باستفاضة، فى كل حقبات التاريخ كان يوجد الانتهازي الذى يريد أن ينسب النصر لنفسه وقد حدث بعد المعركة أن وجد هذا النموذج الذى تمثل فى عضو مجلس الشعب الذى صنع لنفسه تمثالا مزيفا من الوطنية.. فحذرت من زمن تتالي فيه نماذج كاذبة تدّعى الوطنية وتزعم لنفسها بطولات غير حقيقية. ومن مرحلة تحاول أن تصادر على الحق والحقيقة وعلى كل من يجرؤ على النطق بها، وآخر جملة قالتها فاطمة بعدما أرسل أخوها من يقبضون عليها لإيداعها مستشفى الأمراض العقلية: تكلموا ولا تخافوا ولن يضيع حق وراءه مطالب»، وهو ما حدث ويحدث فى مصر وآخرها فى ثورة ٢٥ يناير عندما خرج المصريون لاسترداد الوطن من كل عوامل الاستلاب والفساد والمفسدين والمستبدين .ولكن الشرفاء أكثر رغم الظروف الصعبة وانهيار التعليم والرعاية الصحية وتوحش قوى النهب المالى والسرقة، ولكن فى النهاية الشخصية المصرية تتحلى بالطيبة والشرف والصفات السلبية دخيلة أو صناعة ظروف صعبة وقهرية وعلينا أن نضع المصرى فى ظروف طبيعية وحضارية وعدالة وسيادة قانون وكرامة وسنأخذ منه أفضل ما يعطى أى مواطن فى أى مكان بالعالم.


ذكريات عام ٥٦ لا تنساها الكاتبة الكبيرة، وتقول إن لم نتذكر نكون مقصرين، وأرجو أن يكون عيد جلاء المحتل عيداً وطنياً بالعمل وليس بالإجازة مع تكريم المخلصين وصناعة القدوة، والتأكيد على أن النصر وليد عمل شاق وليس وليد بطالة والقرآن يدعونا للعمل: «وقل اعملوا» فنحن أحفاد من بنوا الأهرامات وحفروا القناة وصنعوا ٥٦ و٧٣ وبنوا السد العالى.. ارفع رأسك فوق أنت مصرى وإذا لم نفعل ذلك نكون مقصرين فى إحياء هذه القيم، وصناعة الأمل بالعمل وليس بالهتاف ولا بالشعارات.


فأنا لم أغب عن بورسعيد أبداً وأتواصل مع أهلها وأتألم لكثرة السلبيات من العدوان على التراث المعمارى للمدينة والرغبة فى الثراء السريع واغتيال مقومات الحضارة وإهدار ثرواتها، وأعود بذاكرتى للوراء يوم كنت أركب المعدية من بورسعيد لبورفؤاد فأعبر من إفريقيا لآسيا، وأرى انتشار وردة الفل البلدى البيضاء في كل بيت وشارع وبالشرفات وكأن المدينة نزلت بحراً من عطر الفل أو مدينة معطرة أو تتعطر بأجمل العطور عندما يهب نسيم الفل مع العصارى عندما يسقى بالماء، ولى صداقات بالمدينة وكل شعبها أهلى وهو نفس شعور أبناء مدن القناة حيث روح المقاومة التى تجعلهم فى مناعة وقوة نفسية للآن.


وتابعت بقولها: علينا أن نتذكر ١٩٥٦ نتذكر أن المصرى إنسان لا يهزم وأن أخطر أسرار حلقات انتصاراتنا فى جوهر الإنسان المصرى وليس فى السلاح وعلينا أن نوفر للمصرى ما يحتاجه ليستعيد قوته. أيضاً ضرورة المكاشفة والمصارحة والشراكة بين الجميع فى صنع الحاضر والمستقبل. واحترام سيادة القانون والعدالة للجميع وإنهاء أسباب التمييز والطبقية. ولمدينتى بورسعيد.. استنهاض كل عناصر قوتها وجمالها براً وبحراً وجواً لتعود نفس المدينة التى تستحم بعطر الفل فى العصارى وإنجاز ذلك عبر الإدارة بالمشاركة والقضاء على الفساد وإحياء تراثها السياحى والثقافى واستعادة نقطة الارتكاز لكرامة الإنسان المصرى وهى وعيه وإيقاف تغول الرأسمالية المتوحشة.. فأنا أستمد من أهل مدينتى القوة والصمود والجلد وروح الحياة.