حدوتة شعب !

26/10/2016 - 2:48:58

بقلم: مدحت بشاى

قبل ٦٠ عاماً كتب شعبنا بتفاصيل ما أروعها واحدة من حواديتنا المصرية الوطنية الفريدة، عندما واجه جحافل قوى العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦ ققدم شكلًا خاصًا جدًا من أشكال المقاومة الشعبية تحدث عنها الإعلام العالمى والإقليمى أنئذ بانبهار وإشادة..


منها «سمعة إيدن تلطخت للأبد.. والمصريون يحاربون العالم بسعادة كأنهم ذاهبون لـحفلة»، و»بورسعيد دولة عظمى.. والمقاومة هزمت٣ دول ببنادق من مخلفات الحرب العالمية الثانية» ، و«السوفييت كانوا آخر من يعلم بالتأميم.. والمخابرات البريطانية أصابها صمود المصريين بالشلل» ومظاهرات حاشدة فى لندن ضد الحرب.. والمتظاهرون: أعيدوا أولادنا قبل أن يذبحهم المصريون».


أرى تلك الحدوتة المصرية فى مواجهة جحافل قوى باغية، وقد بدت أنها كانت تسطر بداية غروب شمس الإمبراطورية البريطانية التى لا تغيب عنها الشمس، قدمت المقاومة المصرية بحق ما يمكن أن يمثل صفحة مجيدة فى كتاب الوطن.. إرادة وطنية تمثلت فى التصميم على تأميم قناة السويس بقرار وطنى خالص وإرادة مستقلة لعودتها إلى السيادة المصرية، بعد أزمنة من القهر منذ حفرها كانت تخضع للسيادة الفرنسية ثم البريطانية، وكأنها باتت مستعمرة جارحة للشعور الوطنى على أرض الوطن..


أيضًا مثلت حدوتة المواجهة وجود حالة من الاندماج الوطنى الرائعة بين مكونات شعبنا العظيم، يتم استدعاء مقوماتها وسمات تشكيلها عند الشدائد والملمات التى قد تحدق بسلام وأمن الوطن..


على صفحات ذات نفس مجلتنا «المصور» الرائعة عبر كل مراحل عطاء فرسانها، أجرى الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل حوارًا رائعًا مع اللواء «طلعت سليمان الجلبى» عام ١٩٥٤ وهو الملقب بـ«أبوالفدائيين»..


لقد عين اللواء مصطفى حافظ الحاكم العسكرى لغزة فى الخمسينات ــ الذى أنشأ الحرس الوطنى ــ اللواء طلعت سليمان وقتها ليكون مسئولا عن مجموعة الفدائيين بالحرس الوطنى من عام ١٩٥٤ حتى عام ١٩٥٨..


تقول أوراق أرشيفية إن طلعت سليمان مواليد شبرا-- ولد فى ٢٠ فبراير ١٩٢٨ لأسرة قبطية أرثوذكسية من الطبقة المتوسطة.. تخرج فى الكلية الحربية فى عام ١٩٥٢ كان أول مصرى يقود دورية داخل إسرائيل بعد حرب ١٩٤٨، انضم إلى (الحرس الوطنى) الخاص بالمقاومة الشعبية، وتلقى تدريبات مكثفة على أعمال الفدائيين فى منطقة أنشاص سنة ١٩٥٤ كى يقوم بتدريب متطوعين فدائيين على إطلاق النار وتفجير العبوات وإلقاء القنابل وإطلاق النار الذى كان يستغرق التدريب عليه قبل الثورة ٦ أشهر، ولكن تم تكثيفه وأصبح ٤٢ ساعة فقط.. تم اختيار الفدائى طلعت سليمان فى الأعوام ١٩٥٤ و١٩٥٥ لتدريب الفدائيين الجزائريين فى منطقة كوبرى القبة ، ثم فى عام ١٩٥٦، واختاره اللواء مصطفى حافظ مدير مخابرات غزة وقتها (وكانت تتبع الحكم العسكرى المصرى).. اختاره ليقود مجموعة الفدائيين وكان أغلبهم فلسطينيين عدا ٧٢ مصريا، والرجل له أخلاق الفدائى، صاحب المبادئ النبيلة يروى كيف كانت روح الفدائيين وكيف كان الأهالى يتعاونون معهم، يقول: لقد كان الفدائيون يتنافسون على الخروج للعمليات وإذا اُختير أحدهم لعملية، يغضب الأخرون، لأن كل واحد يريد أن يكون هو من يخرج للعملية الفدائية، وكيف قام بتدريب فدائيى الجزائر عام ١٩٥٤ و١٩٥٥ هنا فى مصر فى منطقة كوبرى القبة، وكانوا من المتطوعين صغار السن المتحمسين لدرجة أن بعضهم كان يدعى أن عمره ١٨ سنة كى يقبلوه فى التدريب فى حين يكون عمره أصغر من ذلك... كانوا يتدربون على تنفيذعمليات تفجير عبوات والزحف وعمل الكمائن وغيرها من العمليات، كما قام اللواء المصرى بتدريب الفدائيين الفلسطينيين أثناء العدوان الثلاثى على مصر ١٩٥٦ من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل..


كان اللواء طلعت سليمان فى منطقة تسمى: على المنطار (تمتد من غزة حتى بئر سبع بإسرائيل) وخرج فى دورية مكونة من١٧٠٠ من الفدائيين إلى داخل العمق الإسرائيلى.. وكان الفدائيون يعرفون النقاط التى يدخلون منها والمناطق الخالية من الألغام، وفى وادى السريعة بجوار بئر سبع، وجد الفدائيون منزل شخص يهودى.. قاموا باقتحام المنزل وسألهم اللواء طلعت سليمان ماذا نفعل به؟؟ هل نقتله؟؟.. وكان متعودا على مشورتهم قالوا: لا ، نأخذه معنا حتى نضمن عدم تعقب أحد لنا ورفضوا قتله، لأنه أعزل وتركوه لحال سبيله بعد حوالى ٢٠ كيلو مترا عندما شعروا أنهم أصبحوا فى أمان..


يوضح اللواء الفدائى طلعت سليمان كيف كانت أخلاق الفدائيين ونبلهم، فيحكى عن أول دورية استطلاعية قام بها بعد حرب ١٩٤٨ وكان لايزال ملازمًا أول وكانت داخل إسرائيل وكان الدليل الفلسطينى داخل الأرض هو (بخيت أبو خوصة) الذى كان يعرف الأماكن الخالية من الألغام داخل المستعمرات، وكان ينفذ عمليات إلقاء القنابل على دوريات إسرائيلية، وكان بخيت أبو خوصة يصر على أن ينسب هذه البطولات إلى الملازم أول - أيامها طلعت سليمان ولا يهتم بأى مجد، ولكن الفدائى طلعت سليمان كان يرد الحق لأصحابه ويذكر ان بخيت أبو خوصة هو منفذ هذه العمليات.. يذكر اللواء أن الفدائيين كانوا يدخلون للعمق الإسرائيلى ينفذون العمليات الفدائية ويكتب الفدائى بعدها اسمه على حيطان إسرائيل فتتم محاكمته غيابيا هناك ويأخذ حكم ٤٠ سنة سجناً أو ٥٠ سنة سجناً وكان الفدائيون يتباهون أمام بعضهم بهذه الأحكام، أيضا المدنيون كانوا يتعاونون مع الفدائيين فى غزة وفى منطقة جبل المنطار أثناء العدوان الثلاثى على مصر ١٩٥٦، ويوما ما قرر الحاكم العسكرى أن يترك الأهالى المنطقة إلى منطقة أخرى عند البحر، خوفا عليهم ولكن الأهالى تمسكوا بديارهم وكانوا مزارعين ولهم زراعات، فما كان من مجموعة الفدائيين إلا أن حفروا خنادق لهؤلاء بسلالم لنزول كبار السن، وظل اللواء طلعت سليمان يدرب الفدائيين ويقودهم حتى عام ١٩٥٨، بعدها استمر فى العمل العسكرى حتى ١٩٦٧ وحرب الاستنزاف، حيث كان يرأس فرع التعينات للجيش الثالث وقائد القاعدة الخاصة للجيش الثانى وفى أكتوبر ١٩٧٣ كان يشغل منصب رئيس المعدات الخاصة بالتعيينات فى الهايكستب، وظل يعطى للوطن حتى خروجه على التقاعد..


فى نهاية حدوتة الصمود المصرية، أصدرت الأمم المتحدة بيانا للدول المعادية بوقف إطلاق النار والانسحاب من سيناء، ومع استمرار الضغط الدولى، بالإضافة لتهديد الاتحاد السوفيتي، انسحبت كل من فرنسا وإنجلترا، تاركين إسرائيل بين فكى القوات المسلحة المصرية. وعلى الفور قامت القوات الإسرائيلية بالهروب من سيناء فى ٢٣ ديسمبر، ولهذا تحتفل مدينة بورسعيد من كل عام فى ٢٣ ديسمبر، بجلاء العدوان الثلاثى على مصر.


وكان أبرز أحداث يوم الجمعة ٢ نوفمبر، ذهاب الرئيس عبدالناصر فى موكب مكشوف ليلقى تلك الخطبة الشهيرة من فوق منبر الجامع الأزهر عقب الصلاة، فكشف فيها عن حقيقة التواطؤ الثلاثى وأهدافه العدوانية، ووضع ميثاق النضال الشعبى لمقابلة الغزو الأنجلو ـ فرنسية، ومما جاء فى خطبته:


«فى هذه الأيام التى نكافح فيها من أجل حريتنا وشرف الوطن، أحب أن أقول لكم إن مصر كانت دائمًا مقبرة الغزاة. بعد الغارة الأولى الأنجلو ـ فرنسة التى حدثت ليلة الأربعاء الماضى صرنا نحارب فى جبهتين. جبهة إسرائيل على الحدود الشرقية، وجبهة الاستعمار الأنجلو ـ فرنسى فى القناة. وكان لابد أن نتخذ قرارًا سريعًا وحاسمًا لإحباط خطة العدو، إذ كان الغرض من جذب القوات المسلحة المصرية إلى سيناء هو أن تصل القوات الأنجلو ـ فرنسية إلى القناة، فأصدرت الأمر للقائد العام للقوات المسلحة بسحب جميع القوات المصرية من سيناء إلى غرب قناة السويس، حتى تكون بجانب الشعب لملاقاة الاستعمار ..لقد تم سحب قواتنا من سيناء وتركنا قوةً انتحارية هناك، ورجعت جميع قواتنا إلى القناة والدلتا، ونحن فى انتظار الإنجليز والفرنسيين.. سأقاتل معكم ضد أى غزو.. سنقاتل إلى أخر نقطة دم.. لن نستسلم أبدًا، وسنبنى بلدًا وتاريخًا ومستقبلًا، سنجاهد ونقاتل وننتصر بإذن الله»..