الإذاعى الكبير محمد الخولى: البورسعيدية أسقطوا الإمبريالية

26/10/2016 - 2:46:34

   شريف البرامونى يحاور محمد الخولى -  تصوير: مسعد سيف شريف البرامونى يحاور محمد الخولى - تصوير: مسعد سيف

حوار: شريف البرامونى

الذاكرة الشعبية هى شاهد ومؤرخ على عظمة الشعب المصرى وتاريخه النضالي، من أجل التحرر والاستقلال، وعندما تكون تلك الذاكرة يحملها أحد رواد وصانعى الإعلام المسموع فى مصر، الإذاعى الكبير، محمد الخولي، يكون الأمر أكثر تشويقا لمعرفة كيف صنع الشعب المصرى تاريخا حافلا بالنضال من أجل التحرر وتحقيق الهدف المنشود برفعة مصر والأمة العربية.


سنة ١٩٥٦ ستظل تاريخا فارقا فى حياة المصريين، وكانت بداية انطلاقة للدولة المصرية الحديثة التى واجهت بكل حزم ما يسمى بالإمبريالية العالمية. «الخولي» يتذكر لحظات المقاومة، والانتصار فى مُقتبل السطور.


ذكريات المقاومة


 فى عام ١٩٥٦ كنت فى بداية طريقى للدراسة الجامعية، حيث التحقت بكلية الآداب لدراسة اللغة الإنجليزية، لكننى فى حقيقية الأمر أهتم أكثر بكونى أنتمى إلى أحد أحياء القاهرة الشعبية، وهو حى السيدة زينب، والسبب الرئيس فى ذلك هو ما تمتاز به الأحياء الشعبية من سمات كانت لها آثار بالغة  فى تحقيق الاستقلال الوطني، فهى الركيزة الأساسية للحركة الوطنية المصرية، ومقاومة الاحتلال منذ ثورة ١٩، كما أنها القاعدة للنضال الوطنى والتى اعتمد عليها الزعيم الراحل  جمال عبد الناصر فى كل القرارات الثورية التى اتخذها لصالح الوطن.


فى بداية شبابى انضممت إلى الحركة الشعبية المصرية بعد الإنذار الذى وجهته إنجلترا وفرنسا إلى مصر فى سبتمبر عام ٥٦، وكنت جزءا من الشباب الذى عمل وسهر على حماية الحى وتلبية احتياجاته وتقديم التوعية إلى الجماهير البسطاء  بأهداف الاستعمار وفق قدراتنا، حيث إننا فقراء ولا نمتلك جهاز الراديو، ففى هذا الوقت كان جهاز الراديو متوفرا فى عدد قليل من المنازل والقهاوى وبعض المحال، مثل الترزى والبقال، حيث كان هناك محل بقالة تحت منزلنا فى الحي.


كنا نستمع كشباب إلى الدعاية المضادة لمصر، والتى كانت تُبث عبر بعض الإذاعات المختلفة، مثل نور السعيد، من بغداد، وإذاعة العراق، وصوت بريطانية، والتى كانت تُبث من قبرص، إلى جانب إذاعة bbc”»،  وغيرها تلك الإذاعات التى كانت تشترك فى السخرية من جمال عبد الناصر والنظام فى مصر، وكان لهذه الإذاعات مع عملاء الاستعمار أثرا كبيرا فى إشاعة الكراهية لنظام عبد الناصر، لم تكن تقدم تحليلا سياسيا عن الأوضاع فى مصر، بل كانت عبارة عن عبارات سخرية مفرغة من المضمون، فعلى سبيل المثال كانت إذاعة العراق تبث أغنية مصرية من الأربعينيات وهى أغنية «البوسطجية اشتكوا» بشكل مستمر، كنوع من أنواع السخرية من جمال عبد الناصر، لأن والده كانت يعمل موظفا بسيطا فى مصلحة البريد، فكانت تلك الحملة من التشويه المتعمد بقيادة الاحتلال البريطانى وبمعاونة الإدارة الأمريكية، والتى لم تظهر فى الصورة حين ذاك، لكننى اطلعت بعد ذلك على مذكرات الرئيس الأمريكى «ايزنهاور»، والذى أكد أن تلك الحملة كان غرضها هو إثارة الشعب المصرى ضد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، بسبب قرار تأميم قناة السويس، والذى أدى إلى عداء شديد للرئيس عبدالناصر من الدول الغربية لتلك الخطوة التى كبدتهم خسائر فادحة.


القرار البطولى الذى هز العالم


كان قرار تأميم قناة السويس، فى ٢٦ يوليو عام ١٩٥٦،  لم يكن خطوة فجائية أو نتيجة لحظة ثورية، بل كان قرارا مدروسا عكف عليه العديد من الخبراء المصريين لدراسة هذا القرار ونتائجه على المستوى العربى والدولى والقانوني، لإعادة ملكية القناة لمن حفروها وتقع داخل أراضيهم،  فكان الدكتور مصطفى الحفناوي، والأستاذ محمد على الغتيت،  خبير القانون الدولي، والدكتور حلمى بهجت بدوي، أهم الخبراء المصريين الذى عكفوا لسنوات طويلة لدراسة هذا القرار وتداعياته، وهنا يجب أن أشير إلى التواصل الكبير الذى كان بين الرئيس جمال عبد الناصر وتلك الخلية من العلماء، على الرغم من أن الظروف حين ذاك كانت مكدسة بالعديد من المشكلات والتحديات خاصة عامى ٥٤ و٥٥، إلا أن عبدالناصر كان يصنع الوقت من أجل اللقاء مع هؤلاء العلماء، وبحث أمر التأميم، وعندما بدأ تنفيذ مخطط تأميم القناة أوكل الرئيس جمال عبدالناصر مسئولية الاستيلاء على مكاتب شركة قناة السويس العالمية، وكانت بمثابة دولة داخل الدولة فى مدينة بور سعيد والإسماعيلية  والسويس، إلى الضابط محمود يونس، صاحب الشخصية العظيمة التى عملت فى صمت من أجل مصلحة الوطن، وكانت الخطوات العملية للتنفيذ مرتبطة بكلمة السر المتفق عليها والتى نطق بها جمال عبدالناصر فى خطاب التأميم عندما ذكر اسم «ديلسبس» ١٣ مرة فى الخطاب على مسمع من العالم أجمع، ولم يستطع أحد أن يفهم أن هذا الاسم هو «كلمة السر» المتفق عليها للبدء فى الإجراءات العملية للاستيلاء على مكاتب الشركة العالمية.


الانفتاح الدبلوماسى لمصر


بعد تأميم مصر لقناة السويس بدأت مرحلة جديدة من التحديات الناتجة عن قرار التأميم الذى فتح باب التمصير للممتلكات المصرية التى كانت تتحكم فيها دول الاحتلال، خاصة إنجلترا وفرنسا، وهنا كان دور السياسة الخارجية المصرية، والتى كانت انعكاسا للسياسة الداخلية حين ذاك، فانفتحت مصر فى علاقاتها العربية باعتبارها رائدا لحركة التحرر الوطني، وأخذت على عاتقها هذا القرار، وكذلك الانفتاح على العالم الإسلامي، إلى جانب الانفتاح على إفريقيا، وهى خطوة غاية فى الأهمية، فلأول مرة فى تاريخ الدولة المصرية تقر رأس السلطة بأن مصر كما هى عربية وإسلامية، فهى أيضا إفريقية، فاتخذت الخارجية خطوات الانفتاح مع سوريا ولبنان، والتصدى إلى حلف بغداد بكل قوة، وهو حلف غربى كان هدفه توريط الدول العربية التى كان للاحتلال نفوذ فيها، تزامنا مع هذا انفتحت الخارجية المصرية مع ما عرف بكتلة عدم الانحياز، وبدأ ذلك فى باندونج عام ١٩٥٥ ثم نضج فى بريونى بقيادة تيتو ونهرو وعبدالناصر، حيث لعبت تلك الكتلة دورا مهما، عندما بدأت الأمم المتحدة مناقشة قرار مصر بتأميم القناة، حين ذاك ذهب الدكتور محمود فوزي، وزير خارجية مصر  إلى نيويورك، لحضور تلك الجلسات، فكان هناك كتلة تدافع عن حق مصر فى التأميم، ومنهم وزير خارجية الهند كريشنا مينون،  وهو المساعد الأول للزعيم نهرو، وعندما فشلت محاولات الاحتلال بإلغاء قرار التأميم، بدأت فى الترويج إلى ضعف قدرة مصر وفشلها فى إدارة القناة عبر تجميع أكبر عدد من السفن العملاقة للعبور من قناة السويس، واختلاق أزمة، وفى نفس التوقيت سحب المرشدين الأجانب الذين كانوا يعملون فى القناة، فى هذا التوقيت ظهرت قدرة وعظمة المصريين فى إدارة القناة، عبر سياستها الخارجية، والتى دفعت الزعيم تيتو بإعطاء أوامره للمرشدين اليوغسلاف  بعدم الانسحاب من القناة والبقاء فى عملهم، إلى جانب قبرص، والتى كانت السياسة الخارجية المصرية تدعم نضالها من أجل الاستقلال عن بريطانيا، فكانت حركة التحرر بقيادة رجل الدين، الأسقف  «مكاريوس»، والذى أصبح رئيسا لقبرص بعد ذلك، إلى جانب أن جمال عبد الناصر كان يدعم سرا حركة التحرر العسكرية بقيادة الكابتن جرى فاس، فأصدرت قبرص تعليماتها لأبنائها من المرشدين بعدم الانسحاب من القناة، ومساندة البحارة المصريين الذين كانوا مرشدين، على أعلى مستوى استطاعوا من خلال ثلاثة أيام عمل متواصلة، دون ساعة راحة أو نوم، وتوفير كل الدعم لهذا العدد الكبير من السفن من أجل إثبات أن مصر قادرة على إدارة الملاحة فى القناة، كل ذلك كان قبل قرار الدول الغربية بالعدوان الثلاثى على مصر عام ١٩٥٦.


الإنذار العدوانى


هنا يجب أن نقف أمام الإجراءات التى اتخذها عبدالناصر بعد تلقيه إنذارا من الدول الغربية بالعدوان، عندما ذهب إلى الأزهر وألقى خطابه المهم والذى أعلنه فى شعار «سنقاتل ولن نستسلم»، وكان اختيار عبدالناصر للأزهر لم يكن من أجل التمسح بالدين أو إعطاء صبغة دينية لخطابه تخص المسلمين من أبناء الوطن، لكن لأن الأزهر كان القلعة التى ضمت الحركة الوطنية منذ ثورة ١٩، ثم بعد ذلك قررت الحكومة توزيع نصف مليون قطعة سلاح على أبناء الشعب المصرى من أجل مقاومة الاحتلال، وكانت تلك رسالة واضحة للغرب الذين حاولوا أن يقولوا للشعب ادفعوا ثمن القرارات المجنونة لعبدالناصر، كما كانوا يرونها، فتم توزيع السلاح لإثبات أن شعب المصرى ملتف حول قيادته، وبعد نجاح مصر فى التصدى للعدوان، أعلنت الحكومة رغبتها فى استرداد السلاح، فتسارع المواطنون فى تسليم ما فى حوزتهم من السلاح بشكل تطوعي، وكافأتهم الدولة بميدالية بورسعيد التذكارية، وهنا يجب الإشارة إلى أن مقاومة العدوان كانت نقطة انطلاق مصر لزعامة الأمة العربية، فمن بين المتطوعين كانت هناك شخصيات عربية، ومن بينهم أهم قيادات المملكة العربية السعودية الآن، إلى جانب ما قامت به إذاعة دمشق عندما حولت نفسها إلى إذاعة صوت العرب بعدما قامت إنجلترا وفرنسا بضرب مركز البث الإذاعى فى مصر، وكذلك صدرت جريدة الجمهورية من لبنان وسوريا فكانت رسالة واضحة للغرب أن هناك أمة عربية جديدة تقودها القاهرة.


كفاح شعب بورسعيد


ولا يمكن أن ننسى مدينة بورسعيد الباسلة، والتى أطلق عليها فى الأدبيات الروسية «استالينجراد الجديدة»، نتيجة صمود شعبها ومشاركتهم فى الوقوف فى وجه العدوان،  أما الروح الشعبية فكانت باختصار شديد تتمثل فى العزيمة القوية والروح البطولية وعدم التراجع أو الاستسلام، والرغبة فى تحقيق الهدف المنشود، فلم يكن هناك روح انهزامية أو خوف من مواجهة الإمبراطورية العسكرية البريطانية، والتى احتلت مصر أكثر من ٧٠ عاما، فكانت للإذاعة والفن دور كبير فى تلك الروح، فبعد خطاب عبدالناصر فى الأزهر، تجمع الناس فى شارع الشريفين أمام مقر الإذاعة، وكان الملحن الكبير سيد مكاوى من بين الحضور، وتم تسجيل أغنية هنحارب والتى غناها المواطنون، ونشيد «الله أكبر»  الذى ما زال يبث فى العديد من محطات الإذاعة العربية.


ويجب هنا الإشارة إلى الروح الواحدة التى كانت تجمع جميع المصريين من أول رأس السلطة، حتى المواطن البسيط، والذى كان يشعر أن الرئيس يشاركه فى الصعاب والتحديات، فبعد رفض الرئيس مغادرة أولاده القاهرة وبقاءهم تحت قذف العدوان، ومشاركة المواطنين فى أزماتهم اليومية المعيشية، تلك الحالة التى كانت بمثابة دفعة قوية لجميع المصريين وكانت نتائجها مبهرة فى عملية التنمية، فنحن جيل تحملنا كافة الصعاب من أجل حدوث نهضة تعليمية واقتصادية فى مصر، كما أظن أننا جيل حصلنا على قدر من التعليم الذى احترم فى العديد من بلدان العالم نتيجة لتطوره.


معركة الإذاعة المصرية مع العدوان


لم أكن ضمن الفريق الإذاعى فى ذلك الوقت، إلا أنه كان هناك فريق صغير من الشباب حين ذاك بقيادة الإذاعى الكبير أحمد سعيد، والذى احتفلنا بعيد ميلاده التسعين الشهر الماضي، إلى جانب صلاح عويس، وسيد الغضبان، ومحمد أبو الفتوح، وجمال السنهوري، ووجدى الحكيم، ونادية توفيق، وهى التى أسست إذاعة صوت العرب مع أحمد سعيد، هؤلاء الشباب كانوا جزءا من الحركة الوطنية المصرية وتعبيرا عن نبض الشارع فى مصر، لذلك كان للإذاعة أثر كبير فى نفوس المصريين.


من ناصر إلى السيسى


أرفض المقارنة بين الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والرئيس عبدالفتاح السيسى، فعبدالناصر كان زعيم عصره، ومفردات واقعه ومعطيات زمنه مختلفة تماما، فالعالم كان منقسما بين جناحين أساسيين، الكتلة الشرقية، والكتلة الغربية، وكانت السياسات أكثر وضوحا من الآن، أما الرئيس عبدالفتاح السيسى فإنه يواجه ظروفا أكثر صعوبة وتعقيدا مما واجهه عبدالناصر، نتيجة ضبابية المشهد السياسى على مستوى العالم، فليس هناك موقف محدد واضح يمكن دعمه، وموقف آخر يمكن الوقف ضده، هذا الوضع ينعكس أيضا على التضامن الشعبى مع الشعوب العربية التى تمر بظروف بالغة الصعوبة.


جيل الكفاح والكرامة


فكرة العروبة كانت ضمن ثقافتنا الصميمة منذ القدم، فمن قبل ثورة ١٩ كانت هناك منارتان فى المنطقة العربية، الشام الكبرى المتمثلة فى سوريا ولبنان وفلسطين، ومنارة فى مصر، وكان كل هؤلاء هم صناع فكرة العروبة، فقامت لبنان بحركة الترجمة فى ذلك الحين، وكانت معظم الأسر الذين قاموا بالترجمة ينتمون إلى أصول مسيحية، لكنهم قاموا بترجمة أدبيات عالمية فى غاية الأهمية على المستويات «التاريخى والسياسى والثقافي»، إلى اللغة العربية لانتمائهم إلى الوطن العربي، وليس لكونهم أقباطا يعيشون فى دول عربية، وظهرت توجهات الكتابة لرفاعة الطهطاوى التى تتحدث عن العرب واللغة العربية، فتلك الأدبيات هى النواة الأولى لفكرة الأمة العربية، والتى تعلم منها الزعيم جمال عبدالناصر، أثرت فى وجدانه، وأثرت أيضا فى وجدان جيل كامل، كان هدفه تحقيق الوحدة والعمل.