محمد فايق: العدوان الثلاثى وحد صفوف المصريين

26/10/2016 - 2:41:01

  غالى محمد وأسرة المصور تحاور فايق -   عدسة: إبراهيم بشير غالى محمد وأسرة المصور تحاور فايق - عدسة: إبراهيم بشير

أعدت ورقة الحوار: نجوان عبداللطيف - أعد الندوة للنشر: فاطمة قنديل - أشرف التعلبى - شريف البرامونى

لحظات تاريخية، محفورة فى الوجدان، لم يستطع محمد فايق رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان، إسقاطها من ذاكرته، مُجرد أنه أزاح عنها تراب الزمن، ليتذكر أحداث العدوان الثلاثى الغاشم على مصر، فى شهادة تاريخية، لن تنساها الأجيال، لأحد من شاركوا فى صد هذا العدوان.


«فايق» سطر لنا ذكرياته فى حوار الأسبوع مع «المصور»، مُتحدثا عن هذه اللحظات بكل ما فيها من فرح، وحزن، وكبرياء، ولازال رغم كل هذه السنوات يتذكر الجملة التى قالتها له والدته وهو ذاهب إلى بورسعيد، قائلة له بعفوية الأمهات المصريات: «أعرف كويس أنك رايح بورسعيد، ويجب أن تذهب وتدافع عن أراضينا، فلا بديل عن ذلك».


«فايق» لخص هذه الحقبة التاريخية فى عبارات وجمل وكلمات، أن «تأميم قناة السويس مُخاطرة محسوبة» والتأميم لم يكن مُجرد نقل ملكية شركة إلى دولة أو عملية اقتصادية فقط لتمويل السد العالى، لكنه كان جزءًا من تحرير مصر واستقلالها.


«فايق» تحدث عن ذكريات دخوله إلى بورسعيد، بقوله: دخلت بورسعيد مُتنكر اً فى زى صياد، وبعد ذلك ذهبنا إلى منطقة تسمى «بوز القرد» وهى منطقة «طينية» فكنا نخلع الأحذية حتى نستطيع الدخول إليها.. موضوعات كثيرة تحدث عنها «فايق» فى شهادته، عن دور المرشدين اليونانيين، وموقف الدول العربية الداعم لمصر، وعن الإرادة الشعبية فى بورسعيد.. وإلى التفاصيل:


المصور: متى فكر الرئيس جمال عبدالناصر فى قرار التأميم.. وما السبب فى ذلك؟


بداية أريد الإشارة إلى أن التعامل مع العدوان الثلاثى على مصر كونه رد فعل لقرار تأميم قناة السويس غير صحيح، فقد كان هناك تفكير فى تأميم قناة السويس قبل التأميم بحوالى عام ونصف العام، وتم تشكيل لجنة بقيادة حسن إبراهيم، عضو مجلس قيادة الثورة وعلى صبرى وسامى شرف، وكانوا يبحثون فى كل ما يتعلق بقناة السويس، ووقتها كُلفت إدارة التعبئة بإحضار كل ما له علاقة بهيئة قناة السويس، وبالطبع كان الأمر يتم فى سرية تامة لعدم الإيحاء بدراسة قرار التأميم.


وفيما يتعلق بتوقيت إعلان القرار، فقد تم اختياره بعد رفض تمويل السد العالى كتوقيت مناسب ورد مناسب أيضًا، لكن فى واقع الأمر عملية التأميم والإعداد لها كانت قبل الإعلان عنها بسنة ونصف على الأقل.


المصور: وهل كان هذا القرار يحتاج لعام ونصف العام من الإعداد قبل الإعلان عنه؟


تأميم قناة السويس لم يكن مجرد نقل ملكية شركة إلى دولة أو عملية اقتصادية فقط لتمويل السد العالى، لكن القرار كان جزءا من تحرير مصر واستقلالها، وقد سبقته عمليات تحريرية مثل كسر احتكار السلاح وإخراج قوات الاحتلال من قناة السويس.


وعملية الجلاء تمت من قبل الثورة، وتحديدا بعد إلغاء معاهدة ٣٦، وتوقفت بعد حريق القاهرة فى ١٩٥١ وعادت بعد ٥٢، وفى ٥٣ و٥٤ كان يقودها مجموعة من رجال المخابرات العامة لكن أيضا كان معها قوى شعبية، إذن هى عملية شعبية كبيرة جدا لإجلاء القوات، لأن شركة قناة السويس كانت دولة داخل الدولة وجزءا من أرضنا لا سيادة لنا عليها، كما كانوا يتعاملون معنا بغطرسة شديدة جدا، وعندما جاء قرار التأميم حرك أشياء كثيرة جدا فى الشعب المصرى، منها على سبيل المثال المأسى التى تمت فى قناة السويس والسُخرة التى تمت فيها والاتفاقية مع سعيد باشا بأن يورد ٢٠ ألف مواطن كل ٣ أشهر، وكانوا يساقون وهم مربوطين بالحبال وماتت منهم أعداد كبيرة جدا، كل هذه الأشياء تحركت عند الشعب المصرى والتالى بدأ يشعر بنوع من الزهو الوطنى.


المصور: ماذا عن الرئيس جمال عبدالناصر.. ألم يكن يخشى رد الفعل الدولى فور إعلانه قرار التأميم؟


فى الأعمال الكبيرة دائما هناك فرق بين المغامرة والمخاطرة المحسوبة، وهنا أقول إن قرار التأميم كان مخاطرة محسوبة ويأتى فى مقدمتها مواجهة الخطر الكامن فى خروج ٨٠ ألف جندى، وهذا وارد فى السياسة، لأنه لكى يتم عمل شىء كبير جدا أحيانا تضطر إلى اللجوء للمخاطرة المحسوبة.


المصور: وهل كان العدوان ضمن الحسابات وردود الأفال التى وضعها الرئيس أمامه؟


بالطبع كان هناك تصور لذلك، و«إيدن» أو الحكومة البريطانية كانت تريد العودة إلى احتلال القناة مرة أخرى، وحينما حدث الإنذار البريطانى الفرنسى كان «إيدن» يتصور أن مصر ستثور ضد الرئيس، خاصة أنه كان فى تصوره أن الشعب لم يكن شريكا فى قرار التأميم، ولكن المفاجأة الكبرى التى حدثت بالنسبة للإنجليز عندما ذهب جمال عبدالناصر للأزهر وقال «هنحارب هنحارب» ووجد الشعب كله يقف معه وهى نقطة تحول خطيرة جدا فى تاريخ الثورة.


المصور: كيف ذلك؟


التلاحم الشديد بين قيادة الثورة والشعب كله، ووجود إرادة حقيقية للتحرير حتى أن سلوك الشعب كان جميلا جدا، فلم نجد من يُخزن سلع تموينية، والأكثر من ذلك أن النظام فى ذلك الوقت وزع حوالى نصف مليون قطعة سلاح دون كشوف ومن كان يريد الحصول على سلاح كان يحصل عليه دون أي عقبات، وبعد انتهاء الحرب حدث نداء لإعادة السلاح والأغرب من ذلك أن السلاح عاد بالكامل حتى مطاريد الجبل نزلوا لإعادة السلاح، وهذا كان انعكاسا لتوحد إرادة الشعب المصرى وراء قيادته، وهذا يُمكن كان أكبر قوة فى مواجهة العدوان الثلاثى هذه الإرادة المشتركة بين الشعب والقيادة.


المصور: من وجهة نظرك.. هل يمكن رد هذا الأمر إلى أن قناة السويس كانت فى وجدان الشعب؟


بالطبع كانت فى وجدان الشعب، ولأنها أيضا حركت المآسى التى حدثت فى حفر القناة، وأن قناة السويس كانت سبب الاحتلال الإنجليزى عام ١٨٨٢.


المصور: وهل من الأسباب التى جعلت الشعب يتضامن مع القيادة أنه منذ ١٩٥٢ وحتى ١٩٥٦ وقعت الكثير من التحولات لصالح جموع الشعب وعلى وجه التحديد الفقراء؟


بالطبع التحولات الاجتماعية التى حدثت خلال هذه الفترة، خاصة بين طبقة العمال والفلاحين، أيضا القضايا الوطنية مثل ما حدث من قبل كالاعتداء على مصر فى قطاع غزة من إسرائيل وحاولت الحصول على سلاح لكنهم حجبوه عنها، واتفاقية السلاح التشيكية كان لها تأثير كبير جدا فى الداخل، والأمر ذاته ينطبق على اتفاقية الجلاء، بالإضافة إلى تجاوب الشعوب العربية بالكامل مع مصر وتظاهرهم أمام السفارات، إلى أن انقطعت خطوط البترول الأتية من العراق فى البحر الأبيض المتوسط فى سوريا، كل ذلك كان بمثابة عملية تعبئة كبيرة جدا داخليا وعربيا.


وأضيف إلى كل ما سبق فإن خطاب التأميم فى حد ذاته كان أول خطاب يحمل فكرة القومية العربية وتكلم بوضوح شديد جدا عنها، و»عبدالناصر» لم يدخل مُعظم معارك مصر بقوة الشعب المصرى وحده، ولكن أيضا كان يخوضها بقوة الشعوب العربية.


وهناك أيضا جزء مهم جدا فى موضوع التأميم والذى كان حدثا من أكبر الأحداث فى ذلك الوقت، لأنه لم يكن قد سبقه تأميم كبير غير «تأميم مُصدق» فى إيران، وهذا ما أقصده وهو لماذا نجح عبدالناصر وفشل مصدق رغم أنه كان زعيما كبيرا جدا؟.. والإجابة هنا أن «عبدالناصر» نجح لأنه خرج للعالم ولم يكن معزولا، فعرف من هم زعماء آسيا وهم عرفوا من هو الزعيم جمال عبدالناصر، وأيضا دخلنا إفريقيا وأصبحت هناك مكاتب لحركات التحرر وكانت حركة قوية ضد الاستعمار التقليدي، فأصبحنا نقطة إضاءة وارتكاز لكل حركات التحرر فى العالم، وهذا كان له تأثير فى الأمر، فى حين أن «مصدق» لم يكن يمتلك كل هذا التأثير.


ومن أجل شعبية «ناصر» وقفت معنا الصين والهند والشعوب العربية، وكانت ثورة عارمة فى كل أنحاء العالم وهنا نجح «عبدالناصر» فى التأميم، وكان هذا له تاثير فى الدولتين العظمتين روسيا وأمريكا وإيزنهاور - الرئيس الأمريكى لم يكن يعلم عن هذا العدوان شيئا.


المصور: بالنسبة لتفاصيل قرار التأميم.. الرئيس عرض القرار على مجلس قيادة الثورة وكان منهم من يرفض القرار.. اشرح لنا ما تم لأن هناك من يعتقد أنه كان قرارا فرديا؟


طبيعة القرار كان فيه قدر من المسئولية، لأننا نواجه دول عظمى ودول أخرى تقف معها وعلى هذا الأساس كانت اللجنة التى تم تشكيلها تعمل فى سرية تامة، لكن الموضوع عُرض على مجلس قيادة الثورة والبعض كان يتصور أن ذلك حلم صعب تحقيقه، وحتى فى موضوع المقاومة كان أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة وهو صلاح سالم معترض، لكن بمجرد اتخاذ القرار أصر على أن يذهب بنفسه ليقود المقاومة فى بورسعيد.


المصور: وهل كان هناك آخرين معترضين على القرار بجانب صلاح سالم؟


كان صلاح سالم المعترض الوحيد، واعتراضه كان من وجهة نظر وطنية، حيث كان يرى أننا لسنا قادرين على مواجهة إنجلترا، لكن عبدالناصر والآخرين أعطوه ثقة كبيرة فى قدرة الشعب أن يقاوم مثل هذه العملية، وبالتالى بمجرد اتخاذ القرار ذهب لقيادة المقاومة فى الإسماعيلية وقطاع بورسعيد.


المصور: بالتحديد.. من الذين كانوا يعلمون بموعد التأميم؟


فى البداية لم يكن الجميع على علم بالقرار، لكن مع بدء عملية التأميم جاء الرئيس جمال عبدالناصر بالعناصر التى ستتولى تنفيذ العملية، واتفق معهم أنه عندما يقول «ديليسبس» فى الخطاب يتم التنفيذ، لأنه كان لا يزال غير متأكد من القرار.


المصور: وما الأسباب - من وجهة نظرك- التى دفعت بشعور عدم التأكد لنفس «عبدالناصر»؟


لأنه كان يتوقع حدوث أى ظروف جديدة، وبالتالى لابد أن يكون مستعدا لها.


المصور: لكن هناك روايات تشير إلى أنه كان يجمع معلومات عن القوات الإنجليزية لتقدير الموقف.. تعقيبك؟


- بالطبع.. ونحن كان لدينا علاقات جيدة معهم مثل مكاريوس «ولازريدس» وكنت المسئول عن استقباله، وهم الذين قالوا لنا إنه سيحدث عدوان وأنهم بالفعل يستعدون لذلك وساعدونا بالمعلومات والتفاصيل المهمة فى هذا الشأن.


المصور: وأين كنت يوم التأميم؟


يوم التأميم كنت متواجدا فى مقر المخابرات العامة، وبالطبع كنا نعلم بالأمر، وشخصيا كنت على علم بالقرار، وكنت فى القاهرة عندما كان الرئيس يخطب، وبعد التأميم بدأنا نشعر أن هناك حربا بالفعل، وبدأنا فى تخزين كميات كبيرة من السلاح ووضعناها فى الأراضى المحيطة بالقاهرة، لأننا كنا نتوقع دخولهم إليها، وكنت ومعى زغلول كامل وحسن شاش مسئولين عن جمع الأسلحة ووضعها فى المزارع منها على سبيل المثال مزرعة عباس رضوان، بحيث نكون مستعدين للمقاومة إذا وقع العدوان.


المصور: على ذكر الحديث عن السلاح.. هل كان لديكم تصور للذين سيحملون السلاح إذا وقع العدوان؟


المقاومة الشعبية بالكامل، والجدير بالذكر أنه حينما فُتح باب التطوع تقدمت إلينا أعداد مهولة، والأعداد التى دخلت بورسعيد متطوعة كانت كبيرة جدا.


المصور: وهل دخلت بورسعيد بعد العدوان؟


كنت فى المخابرات العامة لعمل تقييمات وتقدير موقف وهكذا، وعندما دخل الإنجليز بورسعيد طلبت من الرئيس أن أذهب إليها، وبالفعل ذهبت مع كمال رفعت، وكما سبق وأن أشرت كان صلاح سالم يقود المقاومة هناك ولكن الذى كان ينظم العمليات الفدائية «كمال رفعت» وأول يوم ذهبت فيه بدأنا عملية استكشاف لتحديد الأماكن التى وصل الإنجليز إليها، وطلعنا فى قارب صغير فى البحيرة وحددنا الأماكن التى وصلوا إليها ثم عُدنا، وفى اليوم التالى قطعنا الطريق لمنعهم من التقدم وحينها حدثت مشكلة، حيث دخلت مياه ترعة الإسماعيلية على القناة وتم قطع المياه حتى حلت المشكلة ثم أعدناها مرة أخرى.


المصور: ماذا عن يوميات العدوان؟


بالطبع كنا نحمل هما كبيرا قبل دخول بورسعيد، لكن بمجرد الدخول تلاشى القلق، وأنا دخلت متنكرا فى زى صياد، وبعد ذلك ذهبنا إلى منطقة تسمى «بوز القرد» وهى منطقة «طينية» فكنا نخلع الأحذية حتى نستطيع الدخول إليها، والصيادون هناك كانوا متعاونين معنا جدا ولا يمكن أن أنسى تلك اللحظات التى كان الصيادون يستقبلوننا فيها هم وعائلاتهم.


والأطباء فى بورسعيد كان مسموحا لهم بالسير أثناء حظر التجول، وكان لى قريب فى بورسعيد وهو الدكتور يوسف خليل وكنا نستخدم منزله مركز للقيادة، حيث إن بورسعيد بالإضافة إلى قوات الصاعقة كانت هناك بقايا من قوات الجيش فى الكتائب الموجودة فى الحرس الوطنى من المتطوعين.


المصور: ماذا عن الدور الذى لعبته المرأة خلال تلك الفترة؟


المرأة كان لها دور بارز جدا، وأتذكر أن المركب التى كنت عليها كان يرافقنى عليها «نانا سالم» ابنة المخرج أحمد سالم، وكانت وقتها شابة صغيرة ومن المجتمع الراقى، وكانت معنا على المركب ترتدى زى فلاحة وكانت هذه ثانى مرة أراها، وأول مرة رأيتها كان قبل الثورة فى نادى هليوبليس وطبعا قابلتها وهى فى شكل معين، وفى المرة الثانية قابلتها فى مظهر فلاحة ولم نتحدث نهائيا، وثالث مرة التقينا فيها كانت بعدما خرجت من السجن، وكنا فى ألمانيا فى فرع المنظمة العربية لحقوق الإنسان وقابلتها هناك عندما كانت تعمل كمترجمة فى الأمم المتحدة، وأتمنى أن تكون فى أحسن صحة وحال الآن.


المصور: ماذا عن الدور الذى كانت تلعبه الأحزاب وقتها؟


- الوفد واليسار والمصرى الشيوعى وحدتو كانوا متواجدين، لكنهم لم يكونوا بصفتهم الحزبية، فمشاركتهم كانت تتم كونهم أفرادا مشتركين فى المقاومة.


المصور:


وهل كان لعناصر جماعة الإخوان تواجد فى صفوف المقاومة؟


إطلاقا.. الإخوان لم يكن لهم أى تواجد.


المصور: لكن هناك روايات تشير إلى أنهم انضموا لمقاومة العدوان فى بورسعيد.. تعقيبك؟


هم كانوا موجودين فى حرب ٤٨ ومنهم البطل أحمد عبدالعزيز، لكن بعد ذلك لم يشتركوا فى أى شىء، بل بالعكس كانوا يتمنوا هزيمة عبدالناصر أمام العدوان الثلاثى، حيث كانوا ضد النظام بشكل خطير واعتبروها معركة نظام وليست معركة وطن.


المصور: بالعودة إلى قرار التأميم.. حدثنا عن استعداد الجانب المصرى لإدارة القناة.. وكيف تقييم هذا الأمر؟


- كان هناك حماس شديد جدا، وكانت هناك إرادة واحدة هى إرادة الشعب والقيادة، وكما قلت لم تحدث أزمة تموين واحدة، بحيث لم يقم أحد بتخزين أى شئ باعتبار أننا كنا فى حالة حرب لم يحدث ذلك على الإطلاق، وكان التجاوب الشعبى شديدا جدا، سواء كان فى التجنيد أو التطوع أو عندما حصلوا على السلاح وقاموا بإعادته، وكل ذلك كان يعكس وجود إرادة واحدة.


المصور: كيف كانت تتم عمليات تدريب الفدائيين؟


الحرس الوطنى كان يتولى عملية تدريبهم داخل معسكرات الجيش وكان عددها كبيرا ومنتشرة فى جميع أنحاء الجمهورية.


المصور: وماذا حدث عندما نزل فوج المظلات الأول من قوات العدوان؟


فى البداية جاءت المراكب الفرنسية وحدثت مقاومة شديدة جدا تجاههم، وتم قتل أعداد كبيرة جدًا من الموجة الأولى، وأيضًا سقط شهداء كثيرون منا، وفى وقت من الأوقات كانت الشوارع مليئة بجثث فدائى المقاومة.


المصور: وما الذى حدث بعد نجاحهم فى احتلال بورسعيد؟


عندما احتلوا بورسعيد كان لابد من تغيير أسلوب المقاومة، ويجب أن أذكر أن الدكتور عبدالفتاح رأفت كان فى المخابرات حينها وكان شخصا شجاعا جدا، وكان معنا أيضا سمير غانم وكان معه مجموعة من الفدائيين وقاد عددا كبيرا من العمليات المهمة فى بورسعيد، إضافة إلى التخطيط للمظاهرات مثل مظاهرة لكسر حظر التجول وكانت مظاهرة كبيرة جدًا.


وأود التوضيح أن المخابرات العامة لم تكن تقود مثل هذه العمليات باعتبارها جهازا أمنيا ولكن لأن وقتها لم يكن هناك حزب أو غيره ولم يكن موجود سوى عبدالناصر، والمخابرات كان يعتبر «المطبخ بتاع عبدالناصر».


المصور: وكم كان عمرك وقتها وماذا كانت رتبتك؟


حولى ٢٣ سنة وكنت برتبة ملازم، بالإضافة إلى دور المخابرات السابق ذكره أريد أن أشير إلى أنه كان يقود المقاومة أثناء الاحتلال الإنجليزى، وبعد ذلك تم تقسيم المنطقة إلى القنطرة والإسماعيلية وبورسعيد، وأعدنا المقاومة مرة أخرى على أساس أننا سنظل فيها مدة أطول.


المصور: كيف كانت إدارة الأزمة منذ بداية العداون حتى الشروط الستة؟


كان أهم أمرين أن هناك إرادة الشعب وإرادة القتال موجودة، والأمر الآخر أنه تم تهيئة العالم بشرعية الإجراء، وثالثا الوضع القانونى لأنه لم يتم قفل القناة، وبالعكس كنا متمسكين بالاتفاقيات بفتح القناة وبالمرور وفقا للقواعد، وهذه كانت إدارة دبلوماسية، وفى الغرب حاولوا تحديدًا «يقفلوا العملية» لكنهم لم يستطيعوا، فالدول الآسيوية لعبت دورا مهما، فالهند ساندتنا والأمر ذاته تكرر من جانب يغوسلافيا، للدول الآسيوية دور مهم منها الهند كان لها دور فى مساندتنا ويغوسلافيا.


وأذكر أيضا أننى كنت أذهب للأمم المتحدة بداية من الستينيات حتى سنة ٦٦ للمشاركة فى اللجنة الرابعة بالأمم المتحدة وهى تسوية الاستعمار، وكان كريشنا مينون وزير خارجية ثم وزير دفاع فى الهند، وكان شخصية دبلوماسية خطيرة، حيث كانت الهند عضوا فى مجلس الأمن ولا نستطيع أن نمرر أى قرار دون أن نتفق مع «كريشنا مينون» بسبب كفاءته فى الإجراءات واللائحة وكان له مدرسة، وأذكر أنه فى أول مؤتمر لعدم الانحياز وكان وزير الخارجية محمود فوزى فى بداية الستينيات وكانت الهند صديقة وكان لنا مشروع، وكذلك الهند كانت تقدم مشروعاً، وقال لى وزير الخارجية علينا أن نقدم المشروع فى وقت متأخر حتى يرحل وزير خارجية الهند الآن إننا وجدنا هذا الرجل «صاحى» جدا وفى النهاية وصلنا لاتفاق مشترك من خلال مناقشة القوانين، وهذا الرجل لعب دورا كبيرا جدا فى مساندة مصر فى الأمم المتحدة.


ومن الذين كان لهم دور إيجابى «لورد كاردن» وهو صاحب قرار ٢٤٢، وهو كان شخصية بريطانية مستقلة وكان مندوب إنجلترا الدائم فى الأمم المتحدة وكان يجلس فى اللجنة الرابعة التى كنت فيها، وكانت العلاقة بين مصر وإنجلترا مقطوعة وقتها، ولم نكن نتحدث أبدا ولا توجد علاقة بيننا مطلقا، وفى يوم من الأيام كانت اللجنة الرابعة فى الدول الوصاية، فمثلا كانت أستراليا وصية على غينيا الاستوائية، فقدمت أستراليا تقريرا بما فعلته فى غينيا وتحدثت وكأنها جعلت غينيا جنة، ثم وجدت لورد كاردن يقدم لى ورقة فكان مكتوبا عليها باللغة العربية «القرد فى عين أمه غزال» فاتضح أنه كان سفير لبنان وقامت علاقة بيننا كبيرة جدا، وهذا الرجل استقال عندما أعلنت رودسيا استقلالها من جانب واحد وسمحت لها بريطانيا بذلك، فقدم استقالته من الأمم المتحدة احتجاجا على الأمر، فكان شخصية غير عادية فى الحقيقة.


المصور: من وجهة نظرك.. ما الأسباب التى دفعت بإسرائيل لأن تبادر بالدخول فى سيناء واحتلالها.. وهل كانت القيادة السياسية تضع هذا الأمر فى حساباتها؟


إسرائيل دولة توسعية عنصرية استعمارية، ومن الطبيعى طالما لديها هذه الرغبة فى التوسع أن تكون هناك مشكلات، وحتى الآن لم تقبل إسرائيل الحدود الكاملة لها، فكيف يكون هناك دولة بدون حدود، فهى تريد أن تتوسع، وإذا كانت فعلا تريد أن تعيش فى هذه المنطقة فى سلام، عليها أن تتخلى عن فكرة الاحتلال، والتوسع، حيث تحتل أراض فلسطينية، وهذه الأمور جميعها ضد قواعد الأمم المتحدة، وبالتالى لا يقبل أى نظام فى مصر فكرة التوسع، واليوم هناك تغيير صحيح فى السياسة المصرية تجاه العلاقات مع إسرائيل، لكن السؤال كيف تقبلها وهى تتوسع، فلابد أن تقبل على الأقل بفكرة الدولتين، و»نتنياهو» صاحب عقلية توسعية استعمارية عنصرية ولا يقبل بهذه الفكرة، وظهر هذا فى الجدار ليحدث نوع من الفصل والعازل.


المصور: ماذا عن دور إسرائيل فى عدوان ٥٦؟


هم بدأوا العدوان فى ٥٦، وكان يهمنا سلامة وتنمية مصر، وتغيير العلاقات الاقتصادية حتى تتغير طبيعة المجتمع، فلجأنا إلى أمريكا حتى نأتى بأسلحة صغيرة، ولجأنا لروسيا وتمت الصفقة التشيكية، وأحدثت نوعا من التغيير والتوازن فى المنطقة، وأصبح هُناك مخزون من السلاح الغربى كبير جدًا بالنسبة لمصر، وبدأنا نمنح أفريقيا أسلحة.. وبالتالى صفقة الأسلحة التشيكية لم يكن تأثيرها على مصر فقط، بل كانت على أفريقيا كلها، لأننا قُمنا بمنح الأسلحة الغربية الفائضة لأفريقيا.


المصور: كذلك بدأت أزمة فرنسا معنا عندما تم إرسال باخرة أسلحة للجزائر.. ماذا عنها؟


فرنسا كانت تعبتر الجزائر جزءًا منها، وليس الجزائر فقط، أيضا مُستعمرات أخرى، وكانت تقول إنها أراض فرنسية فى أفريقيا، فبدأ شارل ديجول وهو زعيم فرنسى بتغيير المفاهيم، بأنه عمل على تخيير الناس إما الاستعمار أو الارتباط بفرنسا بشكل ما، ووقتها الجزائر وغينيا رفضت ذلك، و»ديجول» فى البرلمان كان يعتقد أن الدول الأفريقية توافق، فقالوا له: «نحن نٌفضل الفقر مع الاستقلال عن الغنى مع العبودية».


المصور: وهل كنا نتوقع أن تكون بداية العدوان من إسرائيل؟


كان الغريب هو تحالف دولتين من الدول الكبرى فرنسا وإنجلترا مع إسرائيل، وثبت أن هذا كان خطأ كبيرًا وكانت فضيحة وعانوا منها، وكانت مؤامرة وتمت فى سرية، ولم تكن طبيعية أن فرنسا أو إنجلترا كدول عظمى أن تتحالف مع إسرائيل، لكن كانت لهما أسبابهما.. بالنسبة لفرنسا كانت بسبب مُساعدة مصر للجزائر، وإنجلترا بسبب أن مصر هى التى أنهت الاستعمار البريطانى وهو الاستعمار التقليدي، خاصة أنه بعد فشل العدوان انتهى الاستعمار التقليدي.


المصور: البعض كان له رأى آخر بأن ينتظر جمال عبدالناصر حتى ٦٨ الوقت الذى ستنتهى فيه فترة الامتياز.. ما تعليقك؟


أولًا كانت هُناك بوادر حتى من قبل الثورة، وكان من الصعب أن يتركوها، وإلا ما قاموا بهذه المعارك، ونحن نعرف أن الاستعمار لا يخرج بسهولة وبهذا الشكل، فطبعًا من السذاجة التصديق بأن الاستعمار كان سيخرج بسهولة من القناه عام ٦٨، ومنذ أيام بطرس بطرس غالى كانت هُناك مُحاولة لمد الامتياز، فكان مستحيلًا أن يتركوا القناة.. والدليل أنه سحب كل المرشدين فى مُحاولة للتعجيز.


المصور: المرشدون اليونانيون وقفوا معنا فى الحقيقة؟


المرشدون اليونانيون وقفوا معنا فى مواقف كثيرة جدًا أولا بالمرشدين، ثانيًا عندما قام الغرب بتجميد أموالنا، قام رجال أعمال من اليونان فتحوا حساب فى مصر، وفى الحقيقة كنا نهتم بجمعية الصداقة مع اليونان، وعندما استقال زكريا محى الدين طلب من الرئيس أن يترأس جمعية الصداقة، واليونان طول عمرها دولة صديقة.


المصور: هل كان هُناك توقع أن يأتى الهجوم من الإسكندرية؟


أنت لابد أن تتوقع، ومن دراستنا للعسكرية نعرف أن التهديد يأتى من الشرق، منذ أيام أحمس ثم إسرائيل، حتى الآن من جانب الإرهاب، فكان لابد أن نتوقع أى شىء.


المصور: «برجنين وإيزنهاور» لعبا دورًا كبيرًا فى ٥٦، وكان بداية تدشين السياسة القطبية؟


هُنا بدأت سياسة عدم الانحياز، فوجود قطبين أساسيين أعطى فُرقة، وبدأنا فكرة الحياد الإيجابى بأن «نُعادى من يُعادينا.. ونُصادق من يُصادقنا»، وتحولت لفكرة عدم الانحياز، وأن نُجنب العالم حربا جديدة، وكُنا نتمنى عدم التدخل فى الشئون الداخلية والتعايش بين الدول، كُل هذه كانت أسبابا للتعايش السلمي، والآن نُلاحظ عملية التدخل فى الخارج، وبدأت السيادة تقل إلى حد كبير جدًا، فلا توجد سيادة مُطلقة لأى دولة، وأصبح التدخل أحيانا بأن يكون تدخلا إنسانيا وكنا سعداء به عندما بدأ.. وللأسف الشديد اليوم أصبح التدخل الإنسانى يستغل أسوأ استغلال، بحيث نرى كُل تجارب التدخل الإنساني، تحدث بهدف تحقيق مصالح خاصة، وأبسط شىء كانت فى سوريا، حرب لها أسبابها، والتدخل الخارجى سواء بالسلاح أو عن طريق التنظيمات الإرهابية أو حتى الأفراد، حولها لحرب أهلية، وأصبحت الدول تحارب بعضها.


المصور: سوريا كان لها دور فى مُساندة مصر عام ٥٦.. كيف ترى هذه المُساندة؟


سوريا دائمًا أقول عنها إنها «قلب العروبة النابض»، كما أنهم فرضوا الوحدة بين سوريا ومصر، وكانت لديهم رغبة قوية جدًا، وكان جمال عبدالناصر مترددا فيها جدًا، وكانت روح العروبة فى سوريا قوية جدًا، لكن للأسف الشديد كانت الأوضاع الداخلية سيئة جدا.. وبالتالى نقول: «ثورة لها أسبابها».


المصور: تحدثت عن دور سوريا والجزائر فى صد العدوان عن مصر.. فماذا عن باقى الدولة العربية؟


جميع الدول تقريبًا وقفت بجانب مصر فى التصدى للعدوان، وهُنا أتحدث عن الشعوب العربية، لأن موقفها كان واضحًا وجليًا، وربما يكون بدرجات مُتباينة للعديد من الأسباب، فعلى سبيل المثال عندما تعرضت الإذاعة المصرية إلى القذف خرجت الإذاعة السورية فى اليوم التالى خلال افتتاحيتها لتقول «هنا إذاعة القاهرة» من دمشق، فجميع الشعوب العربية دون استثناء كانت داعمة للموقف المصري، وكانت خطابات الزعيم الراحل جمال عبدالناصر ذات تأثير كبير فى وجدان وتوجهات الشعوب. أما فيما يخص الموقف الرسمى للدول فكانت هُناك دول رجعية داخل المنطقة العربية، وكانت هُناك دول لعبت دورًا كبيرًا مع مصر مثل المملكة العربية السعودية، التى لعبت دورًا محوريًا، وكان أول اتفاقية دفاع مشترك ضمت مصر والسعودية وسوريا.. وفى حقيقية الأمر الكل يعى على المستوى السياسي، أن بلدين مثل مصر والمملكة العربية السعودية، إذا اتفقتا على موقف ما، يكون له أثر بالغ على الأوضاع بشكل عام داخل المنطقة العربية والشرق الأوسط، ودائمًا هُناك مُحاولات للفرقة بين البلدين.


المصور: هُناك بعض الروايات التى ذكرت مُشاركة الرئيس الراحل ياسر عرفات فى المُقاومة داخل مدينة بورسعيد أثناء العدوان وكان حين ذاك طالبًا فى الجامعة المصرية.. فما صحة تلك الروايات؟


كان هُناك العديد من أبناء الجاليات العربية فى مصر لديهم رغبة شديد والحماسة من أجل التطوع ومشاركة المصريين فى الحرب الدائرة داخل مدينة بورسعيد، وأنا استطعت تكوين رابطة الطلاب الأفريقية، وتم ضم عدد من الطلاب العرب والمصريين والأفارقة، وكانت لديهم حماسة كبيرة فى المُشاركة.. وأتذكر أن هُناك طالبين أحدهما مصرى وآخر عربى ذهبا معى إلى مدينة بورسعيد، وشاركا فى المُقاومة، كما كان هُناك بعض الشخصيات العربية وخاصة من المملكة العربية السعودية قد شاركوا، وهم جزء مهم من النظام داخل المملكة فى الوقت الحاضر شاركوا فى المقاومة داخل مدينة بورسعيد.


المصور: كيف أدار عبدالناصر الأزمة واستطاع أن يقنع المصريين بحجم مصر الكبير برغم من أن الواقع كان يطرح صغر حجم مصر كدولة ناشئة بعد الثورة فى ظل إمكانيات اقتصادية وسياسية محدودة؟


مصر مثلما قال جمال حمدان هى «دولة الدور» خلقها الله لكى تعلب دورًا محوريًا فى المنطقة، وإذا حُرمت مصر من هذا الدور أعتقد أنه يعد هدرا لإمكانيات كبيرة فى المنطقة.. وأتذكر فى تلك اللحظة لقاء الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بليونيد بريجنيف رئيس الاتحاد السوفيتي، وعندما قال عبدالناصر: إن «مصر دولة صغيرة ومحدودة الإمكانيات وتنتمى إلى دول العالم الثالث»، وكان رد برجنيف: صحيح أن مصر تنتمى إلى دول العالم الثالث، لكنها دولة عظمى بعلاقاتها الواسعة وإمكانياتها داخل المنطقة، وهذا أمر صحيح نتيجة دور مصر المركزى فى المنطقة، ففى عام ١٩٦٤عقد فى مصر أربعة مؤتمرات قمة، اثنان تخص القمة العربية، وثالثة لقمة دول عدم الانحياز، والأخيرة كانت قمة الدول الأفريقية، وهو أمر استثنائى لا يتكرر على مستوى العالم، أن تحتضن دولة واحدة وفى عام واحد أربعة مؤتمرات قمة، وذلك له أهمية بالغة على المستوى الإقليمى والدولي.


المصور: أزمة بناء السد العالى هى السبب المُباشر فى تأميم قناة السويس والتداعيات المُرتبطة بها من إعلان العدوان الثلاثى على مصر.. فماذا عن أهمية المشروعات القومية بالنسبة للشأن الداخلى فى مصر؟


بداية مشروع تأميم القناة كان جزءًا من حركة تحرر وطنى وأحد أهداف مصر فى تحقيق غاية التحرر، صحيح أن أزمة تمويل السد جزء من الأمر، لكن لم تكن سببًا مباشرًا فى إعلان تأميم القناة، لان مسألة التأميم كان لها ارتباط استراتيجى بحركة التحرر الوطني، لكن على المستوى العالمى ارتبطت معركة العدوان الثلاثى بقضية تمويل السد العالى بشكل مباشر، أما على الصعيد الداخلى وخاصة علاقة الشارع المصرى بمشروع قومى مهم مثل بناء السد العالي، كان ملهما واستطاعت الدولة توحيد وتجميع المواطنين حول هذا المشروع.. ففى حقيقية الأمر المشروعات التنموية ذات البعد القومى لها دور كبير فى توحيد الرأى والصف، فمنذ العهد الملكى كانت الحكومات المُتعاقبة تتحدث عن الكهرباء كمشروع قومى يسد حاجة المصريين، وأنه سوف يتم توفير الكهرباء عبر خزان أسوان، إلا أن تلك الوعود لم تحدث، وعقب ثورة ٥٢ بدأت الحكومة فى تنفيذ تلك المشروعات، والتى كانت تُعد مطلبًا محوريًا للنهوض بحياة المصريين.


المصور: من حسم المعركة على الأرض فى مدينة بورسعيد؟


بشكل مُباشر، الإرادة الشعبية هى كلمة السر فى حسم المعركة، فإرادة الشعب المصرى الصلبة والمقاومة الباسلة هى سر الحسم، إلى جانب التضامن الشعبى العربى والموقف الدولى الداعم لمصر، خاصة بين دول العالم الثالث، والدول الباحثة عن التحرر، كان له دور بالغ الأهمية فى حسم المعركة على الأرض.


المصور: ماهى الرسالة التى تُحب أن تقولها لشعب بورسعيد؟


شعب بورسعيد هو رمز حى للوطنية والمقاومة.. وأود هنا أن أتذكر موقف عندما بدأ العدوان قامت الدولة بتهجير النساء وكبار السن من المدينة، وتبقى بداخلها عدد من الناس كان لهم دور بالغ فى المقاومة، ففى «الحى الإفرنجي» كانت هُناك مكتبة تقوم بكل الخدمات التى تقدم للمواطنين، فعلى سبيل المثال اخترنا موقعا قريبا من معسكرات العدو ليكون محطة لتجميع الفدائيين للمقاومة، وفى أحد الأيام استيقظت على صوت «عبدالفتاح أبو الفضل» فكان جنود العدوان قد أحاطوا المنطقة بالسلك الشائك، وكان كل من أراد الخروج يتم ختمه حتى يتمكن من العودة مرة أخرى، وكان هذا الوضع مُعضلة حقيقية، فتوجهنا إلى المكتبة والختم موجود فى كف أيدينا، وطلبنا من الفدائيين صنع ختم شبيه، وبالفعل تم صنعه، وكان ختما من نسختين بنفس الشكل واللون، واستطاع الفدائيون دخول المنطقة والخروج منها دون أن يشعر جنود الاحتلال الغاشم.


المصور: تاريخ المُقاومة الشعبية صانعة للإبداع.. فهل تتذكر تلك الإبداعات التى صنعتها الموقف الشعبية فى بورسعيد؟


طبعًا المقاومة الشعبية صانعة للإبداع بكافة أشكاله، وهو سر عظمتها، بالفعل ذكرت موضع الختم الذى تم صنعه داخل المكتبة، وهناك حادث آخر شديد الأهمية بعدما قامت قوات العدوان بإلقاء القبض على أحد الضباط المصريين، قررت المقاومة أن تلقى القبض على أحد قيادات العدوان، وتم بالفعل القبض على القائد الإنجليزى «مورهوس» وهو ينتمى إلى العائلة الملكية، وتم وضعه فى صندوق واحتجز داخل أحد المنازل، ونتيجة أهمية الشخصية قامت قوات العدوان بفرض كردون أمنى حول المنطقة، وقررت تفتيش المنازل الموجودة فى محيط المنطقة، وكان جنود الاحتلال عندما تقوم بتفتيش أحد المنازل تضع عليه علامة حتى تميزه دون غيره الذى لم يتم تفتيشه، فقامت المقاومة بوضع نفس العلامة على البيت المتواجد به الصندوق الذى تم وضع «مورهوس بداخله، وبالفعل لم يتم تفتيشه، وبعد فترة عندما استطاعت قوات الاحتلال الوصول إلى المنزل، كان القائد قد لقى حتفه.


المصور: بعد مرور ٦٠ عامًا على العدوان.. هل يُمكن لمصر أن تُقاضى الدول التى شاركت فى هذا العدوان؟


- وفق قانون المحكمة الجنائية الدولية صعب أن يحدث ذلك، لأن مثل هذه المُحاكمات لا تتم بأثر رجعي، بل تقوم بالتحقيق والحكم فى الأحداث الجارية والحديثة، لكن على مستوى الانتهاكات التى قامت بها تلك الدول، من حق مصر على المستوى الأدبى المُطالبة بحقوقها نتيجة تلك الانتهاكات.


المصور: وماذا يُمكن لنا أن نُقدمه للشعب البورسعيدى على المستوى السياسى والاقتصاد كجزء من التضحية التى بادر الشعب وقدمها لمصر؟


فى حقيقية الأمر، المناطق الحدودية فى مصر تعانى من التهميش منذ عقود طويلة وفى حاجة ماسة إلى التنمية والمشروعات من أجل النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطن، وبالفعل بدأت الدولة فى تنفيذ تلك المشروعات وهى خطوة إيجابية، فعلى سبيل المثال مشروعات تنمية سيناء، وتوصيل مياه النيل إلى عمق المحافظة، وهنا يجب أن أشير إلى الدور الكبير الذى لعبته الثورة الشعبية فى ٢٥ يناير عام ٢٠١١ فهى صاحبة الفضل فيما يتم إنجازه الآن، فبرغم من كونها ثورة بلا قائد، إلا أنها لخصت المطالب الشعبية فى «العيش والحرية والكرامة الإنسانية»، وأؤكد أنه لا يستطيع أحد أن يتلاعب بتلك الثورة، لأنه لأول مرة يعرف المصريون تلك المطالب على عتقهم دون ممثل عنهم أو بديل، فبالفعل هناك إنجازات إيجابية مرتبطة بالثورة، فلأول مرة فى مصر منذ عقود طويلة تجرى انتخابات سليمة دون تدخل من أحد، إلى جانب حق تكوين الأحزاب، كما لم تشهد مصر محاكم استثنائية منذ قيام الثورة، فأصبحت الديمقراطية لأول مرة فى مصر تكون ضمن المطالب الشعبية، ويجب أن نعى تمامًا أنه لا يُمكن تحقيق معايير حقوق الإنسان فى غياب الأمن، وكذلك العكس، لا يُمكن أن يكون هُناك حقوق إنسان، إذا غاب الأمن، صحيح مازل ينقصنا بعض الأشياء، لكن ما تم إنجازه على أصعدة مختلفة، لابد من الإشارة إليه، والتأكيد على أنه أمر إيجابي، والدفع إلى المزيد من التطور فى هذا الاتجاه.


المصور: مصر تتعرض للمؤامرات منذ عهد عبدالناصر حتى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي.. هل يوجد علاقة بين تلك المؤامرات؟


فكرة المؤامرات على مصر مطروحة طول الوقت على المستوى العالمى وليس فقط فيما يخص الشأن المصري، لذلك يجب ألا نستخدم فكرة المؤامرة كذريعة أو حجة، لكن يجب علينا العمل والتقدم وتحقيق الأهداف التى طالبت بها الثورة، وترك أفكار المؤامرة جانبا، لأنه فى بعض الأحيان نحن نتآمر على أنفسنا، بسبب الاستدعاء الدائم لفكرة المؤامرات التى تتعرض لها مصر.


المصور: العالم كان أكثر إنسانية خلال فترة العدوان وبرغم من أنه لم يكن هُناك حركة لحقوق الإنسان.. فما تفسيرك لذلك؟


صحيح على المستوى الدولى لم تكن هُناك حركة لحقوق الإنسان، لكن كانت هُناك مطالبات دائمًا لتلك الحقوق، وتلك المُطالبات تتركز فى أكثر المناطق انتهاكًا لحقوق الإنسان داخل المُستعمرات، التى استعمرتها الدول الغربية، خاصة فى أفريقيا والتى مورست فيها أشكال مٌتعددة من الانتهاكات.


المصور: وهل لعبت المرأة المصرية دورًا فى حرب ١٩٥٦؟


للمرأة المصرية دور مُشرف عبر تاريخ مصر، فى القلب منها النضال الوطني، ودور المرأة لا يُمكن لأحد إنكاره حتى لو كان بسيطًا، لكنه دور محورى ومُكمل لحركة الوطن، فعلى سبيل المثال لا يُمكن لأحد إنكار دور المرأة فى ثورة يناير، وكيف أثرت بالإيجاب لإنجاز الثورة، واستمرار مطالب الثورة حية، والمُساهمة فى خلق طريق لتحقيق تلك المطالب، وهنا أتذكر أمى وأنا ذاهب إلى بورسعيد وهى تقول لى «أنا أعرف كويس أنك رايح بورسعيد، ويجب أن تذهب وتدافع عن أرضنا، فلا بديل عن ذلك فى تلك اللحظة»، حتى هذا التشجيع لعب دورًا هامًا فى نجاح المقاومة.


المصور: ما الدروس المُستفادة من المُقاومة فى ٥٦ والتى يمكن أن تكون جزءا من الدروس فى عام ٢٠١٦؟


«إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر»، هذا هو الدرس الأول الرابط بين مقاومة الشعب فى ٥٦ وتمسك الناس بمطالب وأهداف ثورة يناير، الجانب الثانى العلاقة بين الدولة والمواطن، فإذا كانت العلاقة مُنسجمة وأهدافها واضحة بين الاثنين، أصبح الأمر واضحًا يستطيع الطرفان أن يكملا بعضهما البعض.


المصور تشكر السيد «محمد فايق» على هذا الحوار المطول والمهم.