محمد مهران الشاهد الحى على عار بريطانيا: فقدت عينىّ.. وكسبت وطنى

26/10/2016 - 2:33:54

  صلاح البيلى وفاطمة قنديل يحاوران البطل مهران صلاح البيلى وفاطمة قنديل يحاوران البطل مهران

حوار: صلاح البيلى وفاطمة قنديل

اسمه له حظ من ماهيته، بطل شعبي، ومناضل مؤمن بحق الشعوب فى استقلالها واسترداد كرامتها، محمد مهران، يكفيك اسمه لإنعاش ذاكرتك الوطنية، واستعادة تاريخ زاخر بالعزة والفخر، ذكريات مجيدة لشعب اعتاد على العيش بكرامة، شعب مصر، وفى القلب منه بورسعيد، المدينة التى تصدّ العدوان بمقاومتها الباسلة.


مهران أتم عامه الثامن والسبعين، لذلك نحن لا نقف اليوم أمام مجرد رجل اسثنائي، أنت تقف اليوم أمام التاريخ، يأخذك من يدك ليحكى لك أمجاد آبائك وأجدادك، تاريخ حى لايموت، قد ينتهى جسدا، لكنه يظل حيا بنضاله ونقائه المتجسد على الأرض، مهران هو معشوق كل أهالى بورسعيد، وهو البطل الذى وصفه عبد الناصر بأنه «الشاهد الحى على عار بريطانيا العظمى»، وفى حين سمل البريطانيون عينيه انتقاماً منه لفدائيته، إلا أن كل جنود الأرض تعجز عن نزع وطنيته وحبه لمصر من قلبه.


«المصور» كانت معه فى بيته، وسط شوارع بورسعيد، قضينا معه يوماً يحكى لنا فيه قصته، قصة كفاح شعب مصر وبورسعيد ضد العدوان الثلاثى.. اقرأوها، وعندما تفتحون دفتر الوطنية لا تنسوا أن تحكوا لأولادكم قصة عم مهران.


اسمى محمد مهران مُحاضر بمتحف بورسعيد الحربى للتوعية ببطولات الجيش والشعب المصرى ضد العدوان الثلاثى ٥٦، ضابط متطوع بالحرس الوطنى، من مواليد ٦سبتمبر سنة ١٩٣٨ فى بورسعيد لأسرة تعود جذورها لمحافظة سوهاج بصعيد مصر، عمرى حالياً ٧٨ سنة، ورغم أنى بالمعاش إلا أن القائد الأعلى للقوات المسلحة أصدر قراراً باستمرارى فى العمل كمحاضر فى المتحف مدى الحياة مع تعيين جندى مرافق لى مدى الحياة، ويوم خروجى للمعاش سنة ١٩٩٨ طلبنى المشير محمد حسين طنطاوى فى يوم تفوق الجيش الثانى الميدانى فى الإسماعيلية، وكرمنى، ومنحنى درع التكريم، ولما قامت ثورة ٢٥يناير ٢٠١١ ، وتسلم “اللى اسمه مرسى” الحكم اتصل أحدهم من طرفه ليحدثنى برغبته فى لقائى، فلم أرد عليه وظل يكلم ابنتى د. أميمة ساعتين كاملتين، وهى تقول له بحزم إننى أرفض مقابلته، ولما تعبت من الكلام معه أعطت التليفون لابنتها “رُفيدة” وقررت نفس الرفض فما كان من مرسى إلا أنه ألغى المكافأة الشهرية التى كنت أتقاضاها!..


وكنت كل شهرين أذهب إلى كلية ضباط الاحتياط فى فايد؛ لأقوم بإلقاء محاضرة للطلبة والضيوف، وكانت آخر مرة فى أول أكتوبر سنة ٢٠١٣، وأخبرنى مدير الكلية، اللواء أركان حرب أحمد حلمى الهياتمى، أنى سأتكلم عن ذكرى عبدالناصر وذكرى انتصارات أكتوبر، وقلت ما يمليه علىّ ضميرى، ومما قلته فى عبدالناصر إنه لن يجود التاريخ بمثله إلا إذا أراد الله، وكان بالاجتماع محافظون وقادة سابقون وحاليون، ووصل الكلام لمرسى فألغى وجود الجندى معى كمرافق لظروف فقد بصرى وغضبت لأنى فقدت زوجتى يرحمها الله الحاجة “حميدة حسن إسماعيل” التى رحلت فى ١٧ يناير سنة ٢٠١١ وكانت عينى التى أُبصر بها وقلبى ويدى وقدمى وحياتى كلها، وكان زواجنا دام ٥٣ سنة وشهرين وثلاثة أيام لم أر خلالها منها إلا كل خير، وكانت صممت أن تتبرع بإحدى عينيها لى عندما سمعت بحكايتى وبعد خروجى من المستشفى بيومين وبالتحديد يوم الخميس ١٤ نوفمبر سنة١٩٥٧ عقدنا قراننا وتزوجنا ولم أشعر معها أنى فقدت بصرى أبداً ويوم وفاتها فقط شعرت بفقد بصرى وباليُتم!


المهم بعد إلغاء الجندى المرافق لى، وقبلها إلغاء مكافأتى الشهرية، أعصابى تعبت، وكل بورسعيد تظاهرت وغضبت من أجلى، وحذرت الجميع من المساس بالمتحف، وقلت إن من سيرمى المتحف بطوبة كمن ضربنى بقنبلة، وأرسل صديقى المؤرخ ضياء القاضى رسالة إلى المشير السيسى (وقتها) حكى له فيها ما حدث، فأرسل إلىّ فى بيتى اللواء أركان حرب، عادل الغضبان، الحاكم العسكرى لبورسعيد، المحافظ الحالى للمدينة، وأرسل خطابا رسميا يطالب فيه بإعادة الجندى المرافق لى، وزيادة مكافأتى الشهرية بعد إعادتها مع سفرى للحج بمرافقة ابنتى دكتورة أميمة.


بداية النضال


نعود لبداية القصة، عندما قامت ثورة يوليو سنة ١٩٥٢ ، كنا نشعل الحرائق فى معسكر “جولف كامب” الإنجليزى فى شارع محمد على، وبعد أن أسست القيادة العامة للقوات المسلحة قيادة عامة لفدائيىّ الحرس الوطنى افتتحت معسكرا لها فى بورسعيد، وانضممت مع الشباب لتلقى التدريبات فى المعسكر على حمل السلاح، وحصلت على عدة فرق، منها فرقة تدريب راقٍ فى منطقة الأهرامات، وفرقة انتحارية فى السويس، وفرقة ضباط القادة المتطوعين فى إنشاص، وكان عمرى أقل من ١٨ سنة وكنا نطارد القوات الإنجليزية فى شوارع بورسعيد، وبعد أن كان الجنود الإنجليز يمشون يتسكعون فى الشوارع صاروا يمشون كل ثلاثة جنود معاً والسلاح مربوط فى وسط كل منهم، فكنا نهاجمهم بتسعة فدائيين.. ثلاثة يكتّفونهم من الخلف وثلاثة آخرون يطعنونهم والثلاثة الباقون يقطعون السلاسل المربوط فيها سلاحهم، ونأخذه منهم عنوة، ونهرب إلى المعسكر لتسليم السلاح، وكتابة تقرير بالعملية، وحرمنا عليهم المشى فى شوارع بورسعيد، فكانوا ينتقلون بالعربات ما بين “جولف كامب ومعسكر بورفؤاد ومكان الميناء الحالى،” وكنا نختبئ لهم فى أحواش العمارات ومعنا سلاح ماركة “كارل جوستاف»، وهو سلاح سويدى، وكنا كلما شاهدنا سيارة تحمل الجنود الإنجليز نفتح عليها النار ونرميها بالقنابل اليدوية ونهرب.


كان الإنجليز ومنْ على شاكلتهم فى الداخل يرددون مقولة سائرة تقول “لو طلع الشعر فى كف يد الإنسان فإن الإنجليز لن يخرجوا من مصر”، وكانوا يتباهون بهذه العبارة، ولكن بعد تكرار عملياتنا ضدهم اضطروا إلى توقيع اتفاقية الجلاء سنة ١٩٥٤، وأهم بنودها أن تنسحب القوات البريطانية من مصر فى موعد أقصاه عشرون شهراً، وكانوا انسحبوا من القاهرة والإسكندرية عدا خط القناة، فاستمرت العمليات الفدائية ضدهم طوال سنة ١٩٥٥ فى بورسعيد والإسماعيلية، حتى اقتصر تواجدهم مع بداية عام ١٩٥٦ فى بورسعيد فقط، مما اضطرهم لتعجيل الانسحاب فى يوم ١٣ يونيو ١٩٥٦، وليس فى يوم ١٨ يونيه ١٩٥٦ .


احتفلت مصر بالجلاء فى بورسعيد، البوابة الشرقية الشمالية التى منها غزا الإنجليز مصر، ومنها حصلنا على استقلالنا وحريتنا واحتفلنا بالجلاء مع الرئيس عبدالناصر، وقائد عام فدائيى الحرس الوطنى، اللواء عبدالفتاح فؤاد، وكان اجتمع بنا فى المعسكر قبل العرض العسكرى، وأخبرنا بأننا سنركب السيارات ونذهب للميناء من باب عشرين، لأن الرئيس عبدالناصر سيرفع علم مصر مكان العلم الإنجليزى، وبالفعل ذهبنا للميناء من باب ٢٠ للترسانة البحرية “نيفى هاوس”، وحضر عبدالناصر ورفاقه من الضباط الأحرار، وتم إنزال العلم الإنجليزى بعد احتلال دام ٧٤ عاماً لمصر دنس فيها سماءنا وهواءنا، وبيد عبدالناصر هبط العلم الإنجليزى ونحن نهتف “الله أكبر .. تحيا مصر .. يعيش جمال عبدالناصر”.. وخطفنا العلم من يده ووضعناه تحت أقدامنا، وتسلم علم مصر الأخضر ذا الهلال والنجوم الثلاثة، رفعه ونحن نهتف، ثم سلموه علم الفدائيين، وقال عبد الناصر للواء عبدالفتاح فؤاد: أسلمك العلم أم لأولادك الفدائيين؟.. وجرينا نحو عبدالناصر أخذنا منه العلم وقبلناه وسلمناه للواء عبد الفتاح فؤاد، وركب عبدالناصر سيارته وانصرف وركبنا سياراتنا وعدنا للمعسكر، واجتمع بنا اللواء عبدالفتاح فؤاد، وقال إن مصر قد تحررت، والحمد لله لا يوجد جندى أجنبى واحد على أرض مصر، وشكرنا على ما قمنا به، ثم أمرنا بأن يعود الطالب لدراسته والصانع لمصنعه والتاجر لتجارته والصياد للصيد، بشرط أن نتواجد يوميا لمدة ساعتين من الرابعة مساء للسادسة مساءً لمواصلة التدريبات لمواجهة أى احتمال يطرأ على الموقف.


“التأميم ”


وفى يوم الخميس ٢٦ يوليو سنة ٥٦ وأنا فى بيتنا بشارع الحميدى بحى العرب فوجئنا بقرار تأميم قناة السويس، يذاع فى الراديو، وفرحنا فرحة عارمة مع مصر كلها، هتفنا “الله أكبر.. تحيا مصر.. يعيش جمال عبدالناصر”.. وخرجت النساء للشرفات يزغردن، وشعرنا أن الحق عاد لأصحابه الأصليين والشرعيين، وفى اليوم التالى (الجمعة ٢٧ يوليو ١٩٥٦) وقبل صلاة الجمعة، كنت واقفاً أسفل بيتنا فى الشارع مع اثنين من أصحابى، جاءنى شخص من “صف ضباط المعلمين” وكانت فى يده حقيبة جلدية، وأخرج منها ورقة سلمها لى، ومضى لحال سبيله دون أن يتكلم إلا بجملة واحدة، هى: “اقرأها واعتمد على الله” ووجدتها استدعاء لى، فطبقتها فى جيبى ولم أخبر أحداً بشىء ،لا أصحابى ولا أهلى، وأسرعت أجرى نحو المعسكر، وتم تشكيل الكتيبة الأولى لفدائيى الحرس الوطنى فى بورسعيد، وكنت فيها قائداً للسرية الثانية وكان معى ٦٤ فدائيا،ً وكلفت بالدفاع عن مطار بورسعيد ومنطقة الجميل، وجهزت المنطقة للمعركة المنتظرة حتى جاء يوم ٢٩ أكتوبر سنة ١٩٥٦ .


بدأت المؤامرة الثلاثية ضد مصر من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ، بهجوم إسرائيلى على سيناء، أعقبه إنذار كل من بريطانيا وفرنسا لمصر وإسرائيل، وجاء فيه دعوة إسرائيل لاحتلال سيناء عدا شريط ضيق يمتد من بورسعيد للسويس بعمق عشرة كيلومترات عن القناة، ويدعو الإنذار لسحب القوات المصرية بالكامل من سيناء، وأن تبتعد غرب القناة بمسافة عشرة كيلو مترات من بورسعيد شمالاً، إلى السويس جنوباً، لتتقدم القوات البريطانية والفرنسية لاحتلال منطقة قناة السويس من بورسعيد شمالاً إلى السويس جنوباً.


أشاع الإنجليز بأن الإنذار ما هو إلا مقدمة لاحتلال مصر من جديد، وفى هذه المرة سيبقون فى مصر إلى ما لا نهاية وليس لمدة ٧٤ سنة فقط، وكانت بريطانيا آنذاك أقوى دولة فى العالم وتليها فرنسا، وكانت معهما العصابة الصهيونية المسماة إسرائيل، فهل نقبل الإنذار؟!، نستسلم ونصير عبيداً، لا والله.. إن الشهادة أفضل ملايين المرات من العبودية، لذلك رفضت مصر كلها، قيادة، وحكومة، وشعباً، الإنذار البريطانى - الفرنسى المشترك، وبدأت الغارات الجوية على بورسعيد!.


قصف بورسعيد


استمرت الغارات الجوية على بورسعيد يومياً، من الإثنين ٢٩ أكتوبر، حتى يوم ٥ نوفمبر سنة ١٩٥٦، أى أن القصف الجوى استمر ٨ أيام، دمروا خلالها حى المناخ بالكامل، وكان يمتد من شارع الأمين إلى المقابر، وكان يسكنه البسطاء فى بيوت خشبية أحرقوها بالكامل من الجو بالبودرة الحارقة بمن فيه . وفى حى العرب )دمروا شوارع عباس وعبادى وتوفيق وإبراهيم من الجو، وفى حى الأفرنج، أو حى شرق، الذى نحن فيه حالياً، وكان سكانه آنذاك معظمهم من الأجانب، دمروا بضع عمارات لمصريين، كما دمروا منطقة الجمرك القديمة وشاطئ بورسعيد بأكمله، وفى يوم الاثنين ٥ نوفمبر سنة ١٩٥٦ واصلت الطائرات البريطانية قصفها لبورسعيد كعادتها من أول ضوء للصباح، وفوجئنا فى الساعة السابعة والنصف صباحاً بالدفعة الأولى من رجال المظلات البريطانيين يهبطون فى منطقة “الجميل” ، ونجحنا فى القضاء عليهم بالكامل، وكان عددهم نحو ٣٠ مظلياً.


وبعد سنوات طويلة، جاءنى التليفزيون البريطانى وسجل معى، ووجدت معهم اثنين قالا إنهما كانا من المظليين الذين نزلوا فى أول دفعة، وأنهما نجيا من الموت المحقق، وقالا لى إن عددهم كان أكثر من ٤٠ مظلياً، وإن معظمهم قُتل، ومن بقى أو نجا منهم اختبأ فى جراج المطار أو خلف البراميل فى أرض المطار، واتصلوا بوحدتهم وأبلغوهم بعدم الاقتراب من البراميل لأن المصريين لغموها، والحقيقة أننا كنا ملأنا البراميل بالخرسانة المسلحة كى تعوق هبوط ونزول الطائرات، وليس بالمتفجرات كما ظنوا!


الإنزال الثانى للمظليين


بعدها عادت الطائرات البريطانية تقصف بورسعيد بشكل وحشي، ثم جاءت طائرة هيلوكوبتر، بحراسة ٣ طائرات مقاتلة، وهبط منهم ٥ جنود بريطانيين بأسلحتهم وأجهزتهم اللاسلكية، فما كان من زملائى فى الحفر إلا أن استأذنونى لإطلاق النار عليهم، فرفضت، وأخبرتهم أن هؤلاء الجنود عبارة عن وحدة استطلاع، وهدفهم أن نطلق عليهم النار حتى يكتشفونا ويقتلونا جميعاً ويحرمونا من القتال فيما بعد، ونحن نريد أن نقاتل أكبر عدد من الجنود، ونقتلهم، وإذا متنا نكون قد أدينا واجبنا نحو مصر، واضطروا لدفع ثمن غالٍ جداً مقابل حياتنا، وبالفعل بعد استطلاع المنطقة عاد العساكر الخمسة لطائرة الهيليوكبتر التى أقلعت، وقامت الطائرات الثلاث المقاتلة بمسح المنطقة “بمدافع الفيجرز لمدة ٢٠ دقيقة، ثم فوجئنا بالسماء مليئة بالطائرات حاملات الجنود، وهو الإنزال الثانى للمظليين البريطانيين من الجو، وبدأ القتال الفعلى بعد أن وصلت قوات العدوان إلى الأرض، حتى أصبح بيننا وبين المتقدمين غرب المطار أمتار قليلة جدا، وصرخت على زملائى فى الحفر: “كثفوا ضربكم لأن الموت اقترب منا” وفوجئت بزميلى فى الحفرة واسمه “زكريا” قد رفع غطاء الحفرة، وأسرع داخل صفوفهم للاشتباك معهم بدبشك وسونكى البندقية، وسقط جريحا فى الحال بدفعة رشاش فى ظهره، فاضطررت لاستعمال القنابل اليدوية، وكانت الحفرة مليئة بالقنابل اليدوية، وكان معى رشاش سبعة ٦٢ ، ورميت على القوات المتقدمة قنبلتين، ومع دخان القنابل، وما أحدثته من زوبعة، قفزت من حفرتى لحفرة أخرى فى الخلف، وظللت أقاتلهم حتى حاصرونى، ولما أفقت من الغيبوبة وجدتهم قد احتلوا المطار ومنطقة الجميل، وكان يقف نحو ٢٠ جنديا إنجليزيا على مسافة قريبة منى، يجلسون باسترخاء يغنون ويشربون، فلما جلست فارداً قدمى، كفوا عن اللهو، واقترب منى أحدهم وقال لى: “هالوا عايز جلاس ووتر؟.. عبدالناصر مجبش هنا ميه عشان تشرب” ! .. قلت له: “عايز ميه مصر اللى إنت وزملاؤك تشربوا منها، مش من عبد الناصر” فسبنى وسب عبدالناصر بأقذع الألفاظ، وحاولت أقنعه ألا يسب مصر التى يقف على أرضها، فسبنى من جديد، فلعنته ولعنت أباه ولعنت أنتونى إيدن” وبريطانيا، فركلنى وركلته وطرحته أرضا،َ وما إن حاولت خطف بندقيته، إلا وقد رمانى زملاؤه بقنبلة مضادة للأفراد، أصابت قدمى اليمنى واليسرى، وطرحت أرضاً وتهيأ لى أن أقدامى قد طارت عن جسمى، وأعطونى علقة ساخنة ثم نقلونى لمطار بورسعيد .


محاكمتى


وفى حجرة داخل مطار بور سعيد، بدأت محاكمتى أمام محكمة عسكرية بريطانية، وبدأ القائد البريطانى يسألنى عن الفدائيين وعن التشكيلات العسكرية داخل وخارج بورسعيد، وأنا أموت ولا أرد على أى سؤال لأن بلدى أهم منى، فhدعيت الجهل وكنت أرد على كل سؤال بكلمة: “لا أعرف” فقال لى : “أنت تعرف كل حاجة وإذا لم ترد ستعرض نفسك لأشد عقوبة، سألنى عن خسائرهم فقلت: “لا أعرف غير أنى مصرى أدافع عن بلدى والمعتدى يدفع ثمن عدوانه وأنا لست معتدياً، فتركونى وانصرفوا، وعادوا وقالوا لى : “.. وانت كمان تدفع ثمن العدوان ضدنا، لقد حكمنا عليك باقتلاع عينيك انتقاماً منك”.


فقلت له : “ممكن أقول كلمة؟” قال لى :“قل” فقلت : “أنا مصرى ولست جبانا،ً والذى يحكم على إنسان مثله وهو أسير هو الجبان” .


مساومتى


بعدها تم وضعى فوق نقالة ونقلى لطائرة إنجليزية ومنها “لمطار لارنكا” فى قبرص، ومنه تم نقلى لمستشفى القوات البريطانية فى قبرص، وقلت فى نفسي: ربما سيعاملوننى كأسير وسيقومون بعلاجي، ولكنهم دفعوا بى بقوة على الأرض، وكان بانتظارى ٤ جنود بريطانيين أخصائيى تعذيب، كانوا كالوحوش الآدمية، عذبونى بلا رحمة، حتى حضر طبيب إنجليزى وأمرهم بالكف، وقال لي: “مسكين أنت، هل ترى الذين فقدوا بصرهم وصاروا عمياناً الأفضل لك أن تظل مُبصراً” أو أن تصبح أعمي.. عموماً اتفقنا أن تكون أعمى، وعندنا ضابط إنجليزى أُصيب بنيران من مدفعك وفقد عينيه، ولا يزال على قيد الحياة، وأنت محكوم عليك بنزع عينيك لترقيع عينيه،” قلت له: “هل أنت الطبيب المكلف بإجراء العملية؟” قال: “نعم، ولكنى الوسيط بينك وبين القيادة، وبدلاً من أن أنزع عينيك سأنزع عيناً واحدة كى ترى بالعين الأخرى، وهو أيضاً يرى بعين واحدة، ولكن مقابل ترك عينك الثانية سترد على جميع الأسئلة، وسوف أسجل معك حواراً بصوتك عن استقبال الشعب المصرى للقوات البريطانية فى بورسعيد، وعن السياسة فى مصر، فقلت له : “سهل جداً والنتيجة أنت تراها أمامك الآن كيف استقبلنا القوات البريطانية، وعن السياسة المصرية فأنا كمصرى أطلب من الله النصر لقادتنا”.


قال لى : “لا لا المطلوب أن تدلى بأقوال أخرى”. فقلت له : “هذه هى الحقيقة مهما كان الثمن”. فأعطانى فرصة للتفكير فى العرض وهو يقول لي: “إذا جاوبت بما نريد ستعيش مُبصراً بعين واحدة، وإذا رفضت ستصبح أعمي”. ثم تركنى للوحوش الأربعة لتعذيبى بالضرب والكى بالنار وتكسير عظامى، لدرجة أنى شعرت بالموت، قبل أن يقترب منى الطبيب مرة أخرى ويأمرهم بالكف عن تعذيبى، فى هذه المرة قال لى “إذا وافقت سأترك لك عيناً وستأكل وتشرب»، وغاب نحو ١٢ دقيقة ثم عاد وفى يده جهاز تسجيل ومعه ٤ بريطانيين جُدد، وأمر الوحوش الآدمية الأربعة الذين عذبونى بوضعى فوق السرير، وبدأ التسجيل قائلاً: “معنا الشاب المصرى محمد مهران، سوف يتحدث عن السياسة الفاشلة لمصر، والاستقبال الرائع من الشعب المصرى للقوات البريطانية فى بورسعيد، وأمرنى بالكلام، فقلت : “تحيا مصر، ويعيش جمال عبدالناصر، ومن هنا أطلب النصر لمصر، فأوقف التسجيل، وانصرف بعد أن أمر الوحوش الآدمية بتعذيبى من جديد!


نزع عينّي!


نقلونى بعدها لغرفة العمليات، وحضر الطبيب، ومعه اثنان آخران، وثلاث ممرضات، وكان إلى جوارى رجل إنجليزى على السرير القريب مني، وكنت أخاطب فى الطبيب إنسانيته بأن يترك لى عيناً واحدة أُبصر بها، فكان رده الحاسم: “أنت رفضت طلبنا ونحن نرفض طلبك”، وكانت هذه آخر صورة شاهدتها عينى، ثم تم نزع عينىّ الاثنتين ويداى مربوطتان فى السرير، وبعد أن انتهوا، فككت يدىّ، ولمست وجهى، فوجدته كله مربوطاً بالشاش والقطن، ولما سألتهم عما حدث لى، كانوا يضحكون: «هههه..هههه.. لقد نزعنا عينيك عشان تكون عبرة لأمثالك فى مصر، فعلى أى شىء أخاف بعد ذلك، أهلاً وسهلاً بالموت، فقلت لهم: “مهما حدث لن تستطيعوا أن تأخذوا منى ذرة من وطنيتى، وسوف ننتصر عليكم وتنسحبون من بلادنا”، وهتفت باسم مصر وعبدالناصر ولعنت “أنتونى إيدن” رئيس وزرائهم، وكان حاضراً الصحفى السورى “أنطون حمص، فنقل ما حدث داخل المستشفى معى للصحف السورية، فعلمت كل مصر بما جرى لى.


عودتى لبورسعيد


بعد ذلك نقلونى لمطار الجميل، وكان فى بورسعيد آنذاك كمال الدين رفعت، أحد الضباط الأحرار، يقود المقاومة والفدائيين فى المدينة، وكان تم نقلى بسيارة لكازينو بلاس بجوار تمثال ديليسبس، حيث مقر قائد الحملة الإنجليزية الجنرال “ستكويل، ثم نقلونى لمستشفى “الديلفراند، وكان كمال الدين رفعت يتابع مع رجال المقاومة تحركاتى وخطط لخطفي، وبالفعل جاء الفدائيون فى سيارة ونقلونى بسرعة لمكان آمن، ومنه للقاهرة حيث تلقيت علاجى بالمستشفى العسكرى فى العجوزة، ثم فى مستشفى كوبرى القبة، ونمت لأول مرة باطمئنان، وبعدما استيقظت، جاءنى قائد المستشفى الأميرال، طبيب فتحى الليثى، وبشرنى بأن هناك من أحبهم ويحبوننى سوف يزوروننى بعد قليل، ولم يقل لى من هم، فقط قال إنها مفاجأة، ظننت أنها والدتى، أو أعمامى وأقاربى، وبعد قليل وضعت الممرضات فازات الورد فى الطرقات وفى الغرفة، ثم سمعت صوت الأقدام والصوت الذى أعشقه يقول :بطلنا هنا يا أولاد؟” قلت من فرحتى: “عبدالناصر، فرد على: “أيوه ياحبيبى” وصافحنى ثم قدم إلىّ زملاءه كى أصافحهم، عبدالحكيم عامر، ثم زكريا محيى الدين، ثم حسين الشافعى، ثم كمال الدين حسين.


عار بريطانيا!!


ثم جلس عبدالناصر بجوارى، ووضع ذراعه اليسرى على كتفى، وقال لى : “قل يامهران.. هل تستطيع أن تحكى ما حدث فى بورسعيد وقبرص” بشرط ألا تتعب فإن تعبت توقف عن الكلام، وسآتى إليك مرة ثانية لأسمع منك الحكاية”.. فحكيت ما حدث بالتفصيل، حتى وصلت لتهديدهم لى بأنهم سينزعون عينى كى أكون عبرة لغيرى من المصريين، وفوجئت بعبدالناصر يصرخ وهو يقرصنى فى رقبتى: “قلت إيه.. سينزعون عينيك حتى تكون عبرة لأمثالك من المصريين!!”.. الإنجليز غلطوا غلطة كبيرة يا مهران لأنهم نزعوا عينيك لتكون قدوة لأى مصرى ولأى حر فى العالم،.. وسيرى العالم وحشية الاستعمار التى تمثلت فى نزع عين إنسان يدافع عن بلده، ولا يمكن لأى مصرى حر أن يسمح بتدنيس الأجانب لأى شبر من أرض بلده، حتى لو كان الثمن حياة الأحرار، لقد حرمت جنود الاحتلال من كل مميزات كانت لهم، ثم نظر للصحفيين المرافقين له، وقال لهم: “سرقوا أعين شبابنا.. إنه عار بريطانيا فى عيون مهران”!


ونشرت الصحف قصتى وعرف العالم بحكايتى وزارتنى والدتى وأسرتى ومصر كلها، وجاءنى فريق طبى من الاتحاد السوفيتى، ثم فريق ثان من ألمانيا الشرقية، ثم فريق ثالث من إسبانيا، ثم فريق رابع من النمسا، وكلهم كشفوا على وأخبرونى بأن البريطانيين نزعوا عينى، وعصب العين حتى لا يعود بصرى نهائيا”!


الاستعمار فريسة المقاومة


نعود للإنذار البريطانى - الفرنسى المشترك الذى كان مقدمة لاحتلال مصر كلها، وفى الحقيقة أنهم عندما هبطوا لبورسعيد تحول جيش بريطانيا العظمى وقوات فرنسا الغازية لرهينة وسجناء داخل بورسعيد، ونجح شعب بورسعيد مع قواتنا المسلحة فى أن يحكموا على المعتدين بالسجن داخل المدينة، والعجز عن الخروج خارجها، وكبدوا المعتدين خسائر جسيمة فى ضباطهم وأفرادهم ومعداتهم، وكانت الشوارع مليئة بجثث الشهداء، وجثث المعتدين، ولم تتوقع الدولتان العظميان الخسارة التى لحقت بهما، وكانت خسارة قاسية، دخلوا بورسعيد يوم ٥ نوفمبر ١٩٥٦ وانسحبوا بالخزى والعار يوم ٢٣ ديسمبر ١٩٥٦ ، أى أن مدة بقائهم فى المدينة الباسلة لم تزد على ٤٧ يوما، وانسحبوا هربا من الموت المحقق يجرون ذيول الخيبة والعار فجر ٢٣ ديسمبر ٥٦ ، وارتفع علم مصر فوق بورسعيد المحررة ليعلن للعالم كله هزيمة بريطانيا وفرنسا على أرض مصر، وهزيمة العصابة الصهيونية معهما، وكما قال عبدالناصر: “استطاع أبناء بورسعيد أن يحولوا الدول العظمى لدول من الدرجة الثانية والثالثة”، وستظل مصر حرة ليوم القيامة.


رسائل قصيرة


ومن فوق منبر “المصور” أوجه رسالتى لشباب وآنسات مصر بأن يعلموا أن الحرية التى ينعمون بها حاليا” دفع ثمنها من أرواحهم ودمائهم الأجداد والآباء، فحافظوا على مصر وحريتها واجعلوا أجسادكم سداً لحماية مصر وناراً تحرق أعداء مصر لو حاولوا العدوان عليها من جديد.


وبخصوص قرار التأميم، كان قراراً جريئاً وحكيماً، وأنا ناصرى حتى النخاع، وعلاقتى بأسرة البطل عبدالناصر طيبة للآن... “عادل شقيقه وعبد الحكيم ابنه” يتصلان بى، وأتصل بهما، وكان عبدالناصر والداً لكل المصريين وليس لى وحدى، وكلما مر الوقت أحبه أكثر من الأول، وحبنا يزداد له، ولو كان عبد الناصر على قيد الحياة، لما جرؤ أحد على أن يفعل بالمنطقة العربية ما فعل بها، لأنه كان المارد العربى... وفى ظروفنا الراهنة أقلق على مصر من الإرهابيين الذين يقتلون جنودنا الذين يدافعون عنا، أما الرئيس السادات فكنت أحبه جداً حتى زار الكنيست الإسرائيلى، فأخذت موقفاً منه، لأنى كمقاتل أعتبر العصابة الصهيونية المسماة إسرائيل هى مخلب قط الاستعمار، وأحيى القيادة الحالية على المشروعات القومية وإعادة الروح لبورسعيد، والحمد لله على محبة كل شعب بورسعيد وكل المصريين لى، وأنعم بوجود ابنتى الكبيرة دكتورة أميمة إلى جوارى، وزوجها وابنتها رفيدة، وكذلك ابنتى المهندسة نسرين، وأولادها على وعمرو ومحمد، ويومياً أخرج الثامنة صباحا لألتقى أصدقائى على قهوة سمارة، وأحاضر فى المتحف أو غيره إذا طلبونى، وكان المخرج سعيد شيمى قد أعد فيلما “تسجيلياً” مدته عشرون دقيقة عن حكايتى عنوانه: “حكاية من الزمن الجميل”.


تمثال عبدالناصر


لى طلب وحيد لى فى آخر عمرى، أتمنى أن يوضع تمثال الزعيم الخالد جمال عبدالناصر على القاعدة التى كان يشغلها تمثال ديليسبس الذى أسميه “ديلزفت” ، لأن عبدالناصر هو الذى حرر مصر وقاوم الاستعمار وأمم القناة، أو يوضع تمثال للجندى المصرى الذى يمثل عز وفخر العسكرية المصرية، أو تمثال العامل المصرى الذى حفر قناة السويس التى راح ضحية حفرها ١٢٠ ألف عامل مصرى موتاً وجوعاً ومرضاً، لأن دماء المصريين سالت فى مجرى القناة قبل أن تسيل فيها مياه البحر.