مهمته توزيع منشورات مكتوب عليها « الموت لمن يتعاون مع الاستعمار» الديب.. التّرزى الذى «قصَّ» الإنجليز!

26/10/2016 - 2:28:12

  فاطمة قنديل تحاور إبراهيم الديب -   عدسة : إبراهيم بشير فاطمة قنديل تحاور إبراهيم الديب - عدسة : إبراهيم بشير

حوار - فاطمة قنديل

قصص الفداء والكفاح أثناء العدوان الثلاثي، أكبر وأعمق من أن تُحكى، أو تسرد فى سطور مجلة، أو دوريّة. حكايات بقامة النخيل، والأشجار الوارفة. بطولات لا تنحنى ولا تعرف الاستسلام. وراء كل حجر حكاية وقصة، وبين أيدينا الآن تفاصيل دقيقة يسردها لنا أحد الفدائيين البورسعيديّة الشجعان.


اسمه فى البطاقة: إبراهيم محمد إبراهيم الديب، وهو أحد مقاتلى الحرس الوطنى فى المقاومة الشعبية فى بورسعيد أثناء العدوان الثلاثى على مصر عام ١٩٥٦. محل الميلاد: بورسعيد. السن وقت عدوان ٥٦، ٢٢ عامًا.. المهنة: ترزي!.


قرر ترك عمله والتطوع فى كتائب الحرس الوطنى مع الفدائيين، بهدف تأمين قناة السويس، وهذا التطوع كان بدون أى عائد مادى، كان فقط بهدف حماية بلده، والقوات المسلحة هى التى كانت تقوم بتدريبه.


شهادات «الديب» فى هذا الوقت كانت مهمة جدًا، والتى نذكر تفاصيلها بكل دقة، يقول «الديب»: انضممت إلى اللواء ٢٦ حرس وطنى، وتم تدريبنا فى معسكرات الحرس الوطنى فى بورسعيد، بالإضافة إلى معسكرات أخرى فى منطقة الوايلى بالقاهرة على جميع الأسلحة والقنابل اليدوية وسلاح «آر بى جي».


وحينما وقع العدوان الثلاثى على مصر «بريطانيا وفرنسا وإسرائيل»، «استدعونى فى الحرس الوطنى للقتال، وذهبنا إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وبدأنا فى استلام السلاح وتخزينه، لكى نقاتل قوات العدو ووقفنا على الساحل ننتظر قوات الضفادع البشرية للإنجليز لقتالها ومنعها من دخول بورسعيد».


«الديب» يتذكر تفاصيل ما حدث يوم ٥ نوفمبر ١٩٥٦: «فى صباح هذا اليوم تقدمت أسراب من طائرات الإنجليز، وقامت بإنزال موجة من المظلات فى منطقة الجميل غرب بورسعيد، واشتبكت معها قوات الحرس الوطنى والمقاومة الشعبية وتم إبادة الموجة بالكامل، بعد ذلك قامت قاذفات القنابل الإنجليزية بدك جميع المواقع الموجودة فى منطقة الجميل، وتم إنزال موجة ثانية من المظلات غزيرة العدد وتحميها الطائرات المقاتلة. وصلت المظلات إلى الأرض وبدأ الاشتباك مع المقاومة الشعبية وكانت أسلحة ضباط وجنود الإنجليز هى الرشاشات وبنادق «التوجان واللانكستر والبرتا» وأسلحة المقاومة الشعبية هى البنادق الفردية والنصف آلية فقط.. وانتهت الاشتباكات فى منطقة الجميل بخسائر فادحة فى قوات العدو، ولكن تم أسر محمد مهران قائد سرية الحرس الوطنى والمقاومة الشعبية فى منطقة الجميل، وتم نقله بطائرة هليكوبتر إلى قبرص وهو مصاب وهناك تم نزع عينيه، وظهر بعده قائد المقاومة السيد عسران.
تدمير «حى المناخ» تفاصيل عاشها «الديب» بكل قسوتها ولا زال يتذكر تفاصيلها وكأنها تحدث الآن، يتذكرها بقوله: قامت قاذفات العدو بتدمير حى المناخ بالكامل بالقنابل الحارقة «النابالم» وكانت معظم مساكن الحى خشبية فاحترق الحى وأصبح عبارة عن رماد وسقط الكثير من سكانه شهداء، وبعد ذلك ضربوا كل شىء فى المدينة بالنابالم حتى الجبانات والمستشفيات لم يرحموها».


مهمة الفدائى «الديب» أثناء العدوان هى توزيع منشورات مكتوب عليها باللغتين العربية والإنجليزية «الموت لمن يتعاون مع الإنجليز»، وهو يروى « كنت ألصقها على جدران المنازل والسيارات، وكانت معى بندقية آلية وقنابل يدوية، وكانت الدورية الإنجليزية تسير فى الشوارع الضيقة عبارة عن مجموعتين كل مجموعة ٣ أفراد، وكانوا مانعين أى شخص من السير فى الشوارع بعد الساعة الخامسة مساء، ولو خالف ذلك يطلقون عليه النيران، فكان وزملاؤه يختبئون فى مداخل البيوت وعلى أسطحها ويلقون عليهم القنابل اليدوية.


يأخذ نفسًا عميقًا ويُكمل «نظرًا لوجود العديد من الأسرى المصريين لدى القوات الإنجليزية قمنا بعدة عمليات أسر لضباط وجنود قوات الإنجليز بهدف تحرير الأسرى، فقمت بإحدى العمليات بقيادة حمدالله وسائق السيارة الأجرة على جنزير بخطف الضابط «مورهاوس» وتم نقله إلى أحد الأماكن فى شارع أحمد عرابى وتم وضعه فى صندوق وإخفائه تمامًا.. وبعد ذلك قامت القوات الإنجليزية بمُحاصرة المكان وقامت بتفتيش جميع المنازل المحيطة بشارع محمد على، وحاولوا الوصول إليه بكل الطرق لكنهم فشلوا تمامًا، ولم تستطع المقاومة الوصول إليه لإدخال الطعام له، فمات «مورهاوس» وأصبح لدينا جثة أسير».


عملية قتل قائد المخابرات «جون وليامز» من الأعمال المهمة التى لا ينساها الفدائى «الديب»، «وليامز» كان قائد المخابرات الإنجليزية وكان موجودا فى بورسعيد من قبل العدوان ضمن قوات الاحتلال الإنجليزى عندما كانت مصر محتلة بالكامل، ونظرا للفترة الطويلة التى قضاها فى بورسعيد، كان على علم بأدق تفاصيل حوارى وشوارع المدينة، بل ويعلم رموز المقاومة «نفر نفر» ولذلك فهو كان يمثل خطرا شديد عليها، ولذلك ابتكر السيد عسران وسيلة جديدة للمقاومة وهو «السندوتش» بحيث وضع قنبلة يدوية داخل سندوتش وتقدم إلى عربة «وليامز» حيث كانت تسير أمام قسم الشرق القديم وقدم لـ»وليامز» ورقة بها شكوى، وقبل أن يمسك بها ألقى عسران السندوتش بالقنبلة عليه فى السيارة فانفجرت وقُتل «وليامز» وبذلك تخلصت المقاومة من أخطر قائد للمخابرات الإنجليزية».


أما معركة «بور فؤاد» هى معركة كبيرة جدًا، يروى تفاصيلها «الديب»، وقعت معركة كبيرة جدًا ولم تأخذ حقها وتُذكر بشكل حقيقى حتى الآن، وهى معركة بورفؤاد التى لم يتحدث أحد عنها سوى قائد الكتيبة الفرنسية «لوبان» التى احتلت المدينة، وأعلن ذلك بنفسه قريبًا منذ عدة سنوات، قبل أن يتوفى، وكان هو المؤسس لحزب الجبهة الوطنية الفرنسية المعادى للعرب فى فرنسا وابنته تولت رئاسة الحزب بعد وفاته.
«عندما نزلت قوات «لوبان» فى بورفؤاد لاحتلالها تصدت له سرية من ثلاث قوى «حرس وطنى ومقاومة شعبية من أبناء بورفؤاد وفصيلة من شباب الجامعات المصرية» وكان عددهم يقرب من ١٢٠ فردا واشتبكوا مع الكتيبة الفرنسية، وكانت بنادق سرية المقاومة روسية نصف آلى وفردية «لى آنفيلد» وهى بندقية إنجليزية قديمة عتيقة عمرها أكثر من ١٠٠ سنة، بينما كانت أسلحة الفرنسيين رشاشات عنيفة ومدرعات وعربات جيب، واشتبكوا معا واستمرت المعركة عدة ساعات سقط فيها عدد كبير من القوات الفرنسية، وبعد ذلك سكتت البنادق تماما، وتقدمت القوات الفرنسية بين الشهداء وحدثت مفاجأة كبرى حيث لم يجدوا بندقية واحدة فيها رصاصة لأن جميع البنادق كانت قد فرغت من الرصاص، وانتهت الذخيرة تماما من المقاومة حيث إنها استمرت عدة ساعات، أى أنهم استشهدوا وبنادقهم خالية بدون أى رصاص، وعندها وقف لوبان «وهذا الكلام على لسان لوبان نفسه»، وأعلن أنهم خسروا خسائر فادحة فى الضباط والجنود الفرنسيين وقال:»علينا أن نحترم هؤلاء الذين قتلوا من المقاومة الشعبية لأنهم أبطال ظلوا يقاومون ويقاتلون حتى آخر نفس فيهم وآخر رصاصة لديهم».


يحكى «الديب» باقى القصة، «ثم طلب لوبان من جنوده دفن شهداء المقاومة فى بورفؤاد طبقا للشريعة الإسلامية وإطلاق الرصاص تحية لهم على ما قاموا به من بسالة أمام القوات الفرنسية. وعلينا أن لا ننسى أن أحد شهداء هذه المعركة وهو البطل جواد حسنى الذى كتب قصة المعركة بدمائه على الجدران قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، وما زالت هذه الجدران التى تحمل كلماته بدمائه موجودة بالمتحف حتى الآن، وللأسف الكثير من الشعب المصرى لا يعلم أى شىء عن هذه الواقعة، بالرغم أن هناك الكثير من المدارس والشوارع والميادين على مستوى الجمهورية وليس بورسعيد فقط تحمل اسم الشهيد البطل جواد حسنى».


من البطولات أيضًا التى يجب ذكرها هو الدور الذى قام به البطل حسن رشدى إبراهيم مدير أمن بورسعيد فى هذا الوقت، حيث جمع الأوراق والمستندات المهمة التى كانت فى مبنى المحافظة وجبس قدميه وأخفى فيهما هذا الورق واستقل القطار لأحد الأماكن الآمنة وحفظه بها.


وعن أهل بورسعيد خلال هذه الفترة، يتذكر «الديب» كان عدد سكان المدينة حوالى ٢٦٠ ألف نسمة، وخلال الـ٤٧ يوما مدة العدوان خرجت الأغلبية العظمى من أبناء بورسعيد من الأطفال والنساء والشيوخ وهاجروا عن طريق المطرية وبحيرة المنزلة، وسقط عدد كبير منهم شهداء فى قاع البحر، وانقلبت بهم لانشات ومراكب الصيد التى كانت تنقلهم إلى بحيرة المنزلة ومنها إلى فراسكور فى دمياط، حيث معسكرات أبناء بورسعيد، ومنهم والدتى وأخى الصغير، وجزء منهم ذهب إلى الدقهلية والمطرية والمنزلة، والمنصورة والسنبلاوين استقبلت أعدادا كبيرة من أبناء بورسعيد، وبعضهم ذهب إلى الصعيد لأنها كانت فى هذا الوقت محترقة ولا يمكن الحياة فيها بسبب الشظايا والقنابل والضرب بالرصاص الحى فى الشوارع.


وبعد ٤٧ يومًا عاد أهل بورسعيد، وكل من احترق منزله حصل على منزل جديد فى منطقة الحرية، وبعد ٦ أشهر فقط تم بناء أكبر منطقة سكنية فى بورسعيد بأمر من عبد الناصر، ولا يوجد مواطن واحد ضُرب أو دُمر مسكنه أو احترق إلا وحصل على سكن بديل خلال ٦ أشهر فقط بعد جلاء العدوان.
وعن الظروف المعيشية، تذكر «الديب» هذه الأيام، لم يكن هناك طعام فى بورسعيد طيلة فترة العدوان، سوى الدقيق فقط، ومقر حزب التجمع الآن كان هو مخزن الدقيق فى بورسعيد، وأصبحنا نأكل «عيش» بدون خميرة وبدون ملح أو أى شىء آخر عيش فقط لفترة، وبعد ذلك أصبح «عيش» ومعه بطاطس مسلوقة وكان هذا هو غذاء بورسعيد لمدة ٤٧ يوما.. ومع ذلك كانت الروح المعنوية فى بورسعيد مرتفعة جدا وظللنا نقاتل العدو حتى لم يستطع الاستمرار فى بورسعيد سوى ٤٧ يوما فقط من الجحيم المتواصل عليهم من قبل المقاومة الشعبية.


«الروح المعنوية العالية» كانت كلمة السر وقتها، هكذا تحدث الفدائى «الديب بقوله: هذه هى طبيعة المدينة وعلى سبيل المثال حى العرب وهو أشهر أحياء بورسعيد وحى الأفرنج، هو حى الجاليات الأجنبية بالكامل كان الصراع دائما بين حى العرب وحى الأفرنج حول الوطنية، حتى إن عددا كبيرا من أبناء بورسعيد اسمه السيد العربى وهذا يعنى «أننى السيد والعربى» يعنى صاحب البلد وأنتم الرعاع.
حتى الصبية عندنا أبطال وشُجعان وكان أشهرهم هو البطل الشهيد نبيل منصور الذى لم يتجاوز سنه ١٣ سنة وذهب عند معسكرات الإنجليز وتولدت له فكرة عمل «كورة شراب» وشبعها بـ»الغاز»، ووقف على أحد الأسوار وأخذ يرشق الخيام وأحرق بعضها وأطلقوا عليه النار ومات وحمله الأطفال وصاروا به فى مظاهرة شديدة فى بورسعيد والآن أكبر شوارع بورسعيد اسمه شارع نبيل منصور.. «ببساطة هى دى بورسعيد» مواجهة الاحتلال المستمرة أدت إلى بروز الوطنية الشديدة داخل أبنائها.. عبد الناصر، البطل المناضل العزيز علينا فى بورسعيد، قام بتعيين الكثير من شباب بورسعيد فى المصانع والشركات، وتم تعيينى فى مصنع الجمبرى وعملت فيه خفيرا وكان مرتبى ١٣٠ مليما فى اليوم، وبعد ذلك قام عبد الناصر بتأميم المصنع وضمه إلى مصنع دمياط للسالمون وعمل الحد الأدنى للمرتبات ٧ جنيهات ونصف،
كما حصلت على تعويض مالى قدره ٢٥ جنيها حيث أصبت بطلقة فى كتفى وحصلت على نسبة عجز ٢٥٪.