البدرى فرغلى: رفضنا شوكولاتة الإنجليز وصرخنا فيهم ( NO.. NO )

26/10/2016 - 2:22:26

  الزميلة فاطمة قنديل فى حوارها مع البدرى فرغلى الزميلة فاطمة قنديل فى حوارها مع البدرى فرغلى

حوار: فاطمة قنديل

عامل الميناء الذى فهم معنى كلمة «اشتراكيّة» فى سجن بورسعيد، خفيف الظلّ مثل أبناء البحر، وقف ككل أبناء بورسعيد فى صفوف المقاومة، بصوته الهادر وإيمانه بقضايا العدالة الاجتماعية، صار البدرى فرغلى أيقونة لكل حالم بغد يخلو من القهر والاستعباد، وعلى الرغم من سنوات عمره التى تقترب من الواحدة والسبعين إلا أن قلبه يتدفق بفورة الشباب.


فى منزله المتواضع ببورفؤاد يستقيظ البدرى مبكرا فى السابعة صباحا، يتناول فطوره، ثم يقرأ الجرائد قبل أن يعود إلى الشارع. كالسمكة لا يعيش دون ماء، وبحر البدرى هو الناس، يشاركهم همومهم، ويخفف عنهم آلامهم، الصغير قبل الكبير، لم يكمل البدرى تعليمه لكنه صار مدرسة فى النضال الجماهيري، تفتح وعيه على الأغانى التى تمدح الثورة والاشتراكية وعبد الناصر، واعتُقل مع العشرات من عمال الميناء، بعد مشاركتهم فى إضراب عام احتجاجاً على تدنّى الأجور، وفى سجن بورسعيد تعلم مبادئ الاشتراكية من العمال اليساريين، حتى صادر قياديا فى حزب التجمع الاشتراكي.


يتذكر البدرى فرغلى العدوان الغاشم الذى ضرب مصر فى سنة ٥٦ ليفتح خزانة أسرار قلبه ويفضح جميع القوى الجرعية التى أرادت أن تؤبد مصالحها على حساب مصلحة البلاد، يتحدث البدرى عن كبار الإقطاعيين والرأسماليين... “كانوا يريدون هزيمة بورسعيد لإزاحة عبد الناصر وتولى الحكم بقيادة الإنجليز .. ولكن أبناء بورسعيد قضوا على حلمهم «وبخروه» .
وكعادة الإخوان المسلمين فى مواقفهم النفعية، كان سلوكهم إزاء العدوان يتسم بالرعونة والمتاجرة.. «لم يشاركوا فى المقاومة الشعبية وكانوا مُتفقين مع الإنجليز على تولى الحكم بعد الهزيمة”، يؤكد ذلك البدرى ويستطرد الحديث عن موقف الشيوعيين “قاموا بدور كبير فى المقاومة وشكلوا حركة «حدتو» وعلاقتهم مع عبد الناصر لم تهتز إلا بعد الوحدة مع سوريا.
ولا ينسى المناضل أن ينسب الفضل لأهله متذكرا الشهيد حمود “صاحب الـ١٧ ربيعآ الذى قاد أكبر مظاهرة ضد الإنجليز أدت إلى رحيلهم فى ٢٣ ديسمبر، فقتلوه، فأصبحت فانلته الحمراء بدمائه هى علم بورسعيد حتى الآن”.
دفتر ذكريات البدرى لا ينضب من حكايات البطولة، حتى النساء كان لهن دور فى المقاومة «قمن ببطولات فى المقاومة الشعبية، فتحية الأخرس وشهرتها “أم علي” كانت أشهر فدائية فى بورسعيد، المدينة التى شهدت أرضها ٣ أعياد للقوات المسلحة، برية، بحرية، ودفاع جوى، ولأن الأزمات تُظهر المعدن الحقيقى للرجال، أيضآ على مستوى الدول الأزمات تكشف الجميع الأبطال والعظماء وأيضا المنافقون والمنتفعون وحتى الخونة «والتاريخ لا ينسى، ومن أكبر الأزمات التى تعرضت لها مصر هو العدوان الثلاثى (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل)، العدوان الذى كشف حقيقة جميع القوى السياسية التى كانت موجودة فى ذلك الوقت، فمنهم من عظم دوره وسجل التاريخ انتصاراتهم وبطولاتهم، ومنهم أيضا من «عرّه» التاريخ وفضحه”.


عندما يتحدث البدرى لا ينطق لسانه، قسمات وجهه تعود إلى عشرات السنين، يتذكر “كنت أبلغ من العمر ٩ سنوات، وفى يوم ٥ نوفمبر بعد دخول قوات الإنجليز كنت أقف فى منتصف حى العرب ورأيت حى المناخ بالكامل وهو يحترق وأصبح عبارة عن نار حمراء تلتهم الحى والسماء سوداء من دخان النيران الكثيف، وبعد ذلك بحوالى ساعة قام الأسطول الإنجليزى بدك شواطئ بورسعيد بالكامل وتدمير كافة الكبائن والشاليهات والمبانى الموجودة على الشاطئ وشارع عبادى القريب من الشاطئ بحى العرب، ثم نزلت ما يسمى «بالبعابع» أى حاملات المدرعات والدبابات والجنود الإنجليز على شاطئ المدينة لكنها فى البداية لم تستطيع أن تخترق حى العرب بجنوب بورسعيد المعروف الآن بمنطقة “الرسوة»، حيث كانت المقاومة الشعبية به كثيفة ولم تستطع مدرعات أو جنود الإنجليز اختراقه، ولكن بعد ذلك وعن طريق خدعة إنجليزية دخلت ٣ دبابات الحى فى شارع الروضة شارع “شهداء القنال” الآن، وكان منزلى فى هذا الشارع، وهى تحمل الأعلام الروسية وفوق كل دبابة جندى يقول باللغة العربية الركيكة «نحن روس» حتى سارت مجموعات من المقاومة الشعبية والصبية خلف الدبابات فرحين أن جاءنا إنقاذ من روسيا.
ولم يكتف الإنجليز بذلك بل أحرقوا مستودعات البترول بالكامل فى حى العرب بجنوب بورسعيد، وكان اللهب الأحمر يصل إلى عنان السماء، وفى شارع محمد على تم إطلاق الرصاص بكثافة على المقاومة الشعبية، كما تم تدمير المناطق الموجودة شرق القناة، أى أن بورسعيد فى ذلك اليوم تم إحراقها فى الاتجاهات الأربع حتى أصبح لا يوجد مكان واحد يمكن للأهالى اللجوء إليه”.
بزوغ شمس المقاومة الشعبية هى اللحظة التى لن يستطيع البدرى أبدا أن ينساها. “المقاومة بدأت بعد احتلال المدينة مباشرة بقيادة البطل محمد مهران، والذى قاد العديد من المعارك مع القوات الإنجليزية، وأصيب، وقامت القوات بإلقاء القبض عليه ونقله إلى قبرص، وهناك تم نزع عينيه، وبعد ذلك تولى السيد عسران قيادة المقاومة الشعبية، كما ظهر أيضا «مخلوف» صاحب أشهر مطبعة فى بورسعيد، وهو أحد الرموز الوطنية الكبيرة، الذى بطبع أول نشرة أى جريدة باسم الانتصار، وكانت توزع فى شوارع بورسعيد وتدعو إلى المقاومة، وحاول الإنجليز البحث عن هذه المطبعة فلم يعثروا عليها ومازالت سجلات هذه المعركة لدى أبناء مخلوف، واستمرت واستمر عرضها كمتحف لمدة ٣ سنوات فى مقر حزب التجمع الآن”.
من المواقف التى لا ينساها البدرى عندما كان مع عدد كبير من الصبية أمام أحد المقاهى فى شارع كسرة والغورى، “وقفت سيارة جيب أمام المقهى كانت تحمل ضباطا وجنودا إنجليز، ونزل منها جنديان يحملان كرتونة من الشيكولاتة الفاخرة لتوزيعها على الأطفال، وكان أكبر صبى فينا عمره حوالى ١١ سنة، واسمه غريب الشيمى، قال لهم «no” وردد جميع الصبية وراءه «no”، وأخذوا فى البكاء المستمر من الاحتقان الذى ساد الصبية وكانت الرشاشات موجهة إليهم”.
دور الحرس الوطنى فى التنسيق بين فصائل المقاومة، كان بطوليا، يحكى البدرى “كان التنسيق مهمة الحرس الوطنى من أبناء بورسعيد، البنادق وصلت للشوارع وجاءت عربيات سكة حديد قبل المعركة بيوم محملة بصناديق الأسلحة والذخيرة، وقاموا بدور كبير فى المقاومة الشعبية”.
بورسعيد لم تُهزم، ولن تُهزم، عاشت برجالها ونسائها حرة أبية على الترويض، المناضل الاشتراكى يؤكد أن «المدينة الباسلة لم تهزم قط، ليس فى ٥٦ فقط، ولكن حتى فى هزيمة يونيه ٦٧، لم تهزم بورسعيد، والعدو لم يجرؤ على الاقتراب من حدودها الإدارية، ووقف موشيه ديان ينتظر دخول بورفؤاد وضُرب فى منطقة رأس العش، والجيش المصرى له ٣ أعياد فى بورسعيد، وهى إغراق المدمرة إيلات، وهذا يوم البحرية، ورأس العش، وهذا يوم القوات البرية، ويوم الدفاع الجوى، وهو اليوم الذى تم فيه إسقاط ١٧ طائرة فى سماء المدينة فى بورسعيد، واعتبر هذا اليوم يوم الدفاع الجوى، إذ كان هناك ٣ أعياد للجيش المصرى لجميع قواته على أرض وسماء وبحر بورسعيد”.
زملاء الكفاح لم يموتوا، استشهدوا، لكن المناضل البورسعيدى يرى أنهم مازالوا أحياء، منهم حسن حمود، فى نبرة حزينة يذكره البدري، “للأسف الكثير من الشعب المصرى لا يعرفه، البطل الشاب حسن حمود، أبرز شباب مدينة بورسعيد والذى لم يتجاوز عمره ١٧ سنة، وكان مشتركا فى المقاومة الشعبية، وقاد أكبر مظاهرة خرجت من حى العرب كى تقتحم شارع محمد على حيث حدود وجود القوات الإنجليزية، وكان ذلك قبل الانسحاب بيوم واحد، وتصدى الإنجليز للمظاهرة، ورفض حسن حمود التراجع، وكان محمولا على الأكتاف يردد هتافات تدعو للاستقلال وطرد الاحتلال وتحرير بورسعيد، فأطلقوا عليه الرصاص، فاستشهد وهو محمول على الأكتاف، وعمّ غضب شديد من أبناء بورسعيد أدى إلى بث الرعب فى قلوب قوات العدو وانسحابها داخل حى الإفرنج، وقامت الجماهير برفع فانلة حسن حمود التى أصبحت حمراء تماما من دمائه، ومنذ هذه اللحظة وحتى الآن وهى علم بورسعيد الأحمر”.


من أبرز الأسماء التى لعبت دورا فى المقاومة الشعبية، ولم تجد حظها فى المعرفة حتى الآن، أمينة شفيق، الكاتبة، والصحفية فى الأهرام، والسكرتير الأسبق لنقابة الصحفيين، وزميلة كفاح عمنا البدري، وأيضا عبد المنعم القصاص الذى أصبح زوجها فيما بعد، يحكى المناضل اليسارى عن دورهما فى «تنظيم المقاومة السرية داخل بورسعيد، ومعهم إبراهيم هاجوج، وكان من أشهر المقاتلين فى المقاومة الشعبية فى بورسعيد، ونصر حمود شقيق الشهيد حسن حمود، والذى أصبح فيما بعد دكتورا فى الطاقة النووية”.
يتذكر البدرى فرغلى موقف الأحزاب والقوى السياسية، يقول إن الرجال تُعرف وقت الشدائد، كذلك الأحزاب والقوى السياسية الموجودة كانوا من أبناء المدينة ذوى الحس الوطنى والغيورين على مدينتهم وبلدهم، بالإضافة إلى بعض المجموعات اليسارية مثل أمينة شفيق، وعبد المنعم القصاص، وحسن ونصر حمود، ومخلوف الذى كان من مصر الفتاة، وكانت موجودة أيضا الحركة الوطنية للتحرر الوطنى المعروفة باسم «حدتو»، لكن الدور الاسأسى لعبه أبناء بورسعيد الوطنيون”.
وكما أن هناك رجالا صدقوا عهدهم، كذلك هناك من خانوا العهد، عن جماعة الإخوان المسلمين يتحدث البدرى ليفضح مواقفهم لم يسجل التاريخ للإخوان المسلمين شهيدا واحدا أو مصابا فى العدوان الثلاثى، لم يشتركوا فى المقاومة الشعبية، واكتشفنا فيما بعد أنهم كانوا فى الخندق الآخر ينتظرون هزيمة المدينة كى يستلموا الحكم بالاتفاق مع الإنجليز”.
المرأة احتلت هى الأخرى جزءا من ذكريات المناضل الذى تعلم الحرية والمساواة فى السجن، “بالطبع هناك جزء من نساء بورسعيد هجرن المدينة حيث كن أمهات لأطفال ورضع، ولكن الجزء الآخر كن يقمن بأدوار عظيمة فى المقاومة بداية من التطوع فى التمريض لعلاج المصابين، وإعداد الطعام لرجال المقاومة، فضلا عن إخفاء الفدائيين المطاردين من قبل قوات العدو، ومنهن على سبيل المثال امرأة عظيمة من منطقة القبوطى كان اسمها فتحية الأخرس وكانت شهرتها «أم علي” وكانت تعمل ممرضة فى إحدى عيادات الأطباء، وكانت تخفى الجنود المصريين وأفراد المقاومة الشعبية الذين يبحث عنهم العدو ويطاردهم فى العيادة التى تعمل بها وتحرسهم وتحميهم، وفى إحدى المرات هجم عليها الإنجليز فى العيادة لتفتيشها، وكانت تُخفى بعض الفدائيين الهاربين، فتصدت لهم بكل قوة، وصرخت بشدة، حتى انسحبوا خوفا من صراخها”.
مقاومة العدوان لم تقف عند المصريين، بل تعدت ذلك إلى كل من عاش يوما على أرض مصر، حتى من الأجانب، “كان هناك رجال مقاومة غير مصريين ولم يتحدث أحد عنهم مثل الكثير من رجال الجالية اليونانية فى مصر، واشتركوا مع المقاومة الشعبية فى قتال الإنجليز وكان أشهرهم «بنايوتى»، وأيضا سعد رحمى، كما كان هناك علاقات مع المقاومة وحركة التحرر الوطنى الموجودة فى قبرص، وكان لهم جالية، بالإضافة إلى منظمة «أيوكا» التى كانت تقاتل الإنجليز، وتمد المقاومة الشعبية المصرية بالمعلومات عن قوات العدو، وتحركاتهم خلال الـ٤٧ يوما فترة العدوان”.
موقف العديد من القوى السياسية فى مصر من العدوان لم يكن مشرفا، “للأسف الشديد القوى السياسية الشهيرة فى مصر أثناء العدوان الثلاثى كانت تنتظر هزيمة عبد الناصر، وخاصة فى بورسعيد، وذلك لأنهم كانوا على خلاف مع الرئيس عبد الناصر وكانوا يتمنون هزيمته من قبل قوات العدوان البريطانية والفرنسية والإسرائيلية حتى يتمكنوا من إزاحته عن الحُكم، وجميع كبار الإقطاع والرأسمالية التى كانت موجودة فى ذلك الوقت كانت تتمنى هزيمة عبد الناصر لأنه كان يمثل عقبة أمامهم فى تحقيق مكاسب طائلة، والسيطرة على الاقتصاد، ويتسنى لهم بعد ذلك أن يستلموا الحكم من الإنجليز، مُخطط العدو كان يستهدف دخول بورسعيد والانتشار حتى السويس والسيطرة على جانبى الضفة، ثم دخول القاهرة، لإعادة مصر مرة أخرى تحت سلطة الاحتلال البريطانى، وهذه القوى كانت تحكم البلاد كقوى تابعة للإنجليز، ولكن بسبب وطنية وفدائية أهل بورسعيد البواسل تحولت المدينة إلى سجن لقوات الأعداء”.
ومثل كل حركة مقاومة يطهرها الدم والفداء، كان هناك من يدنسها بالخيانة، يذكره البدرى ليلقى به فى غياهب التاريخ «اسمه القاضي، كان خائنا، وكانت مخازن السلاح الخاصة بالمقاومة فى محلات أرضية بجوار جامع علوان، وذهب هذا الخائن وأرشد الإنجليز، عن هذا المكان وبالفعل جاءوا وفتحوا المحلات وحملوا الأسلحة، وعندما هم القاضى بالركوب معهم نهروه ورفضوا ركوبه معهم وقالوا له «أنت خُنت شعبك وسوف تخوننا نحن أيضا” وتركوه ورحلوا، ورأى جميع أبناء بورسعيد هذا المشهد من الشيش وثقوب الشبابيك المحيطة بالمنطقة، وعندما رحلت سيارات الإنجليز، نزل المواطنون وأمسكوا بهذا الخائن وأحرقوه وسحبوه بالسلاسل الحديدية وألقوا به فى مياه القنال الداخلى الذى كان قريبا من المنطقة قبل ردمه، وكانت جثته منتفخة وحولها ملايين من الذباب الأزرق وكان الصبية يذهبون كل صباح يضربونه بالطوب والزلط انتقاما منه لأنه خان أهله ووطنه”.
ومن حديث الخيانة لحديث الشهداء، يقول المناضل السبعيني: “خلال مدة الاحتلال سقط الكثير من الشهداء من أبناء بورسعيد فى الحوارى والشوارع مثل شهداء حى المناخ والشاطئ ومستودعات البترول، وكان لا توجد سيارات لنقلهم فلجأنا إلى العربات الكارو، وكانت بدون أحصنة، لأن جميع الأحصنة والدواب قتلوا من رصاص وشظايا قنابل العدو، فكنا نضع الجثث على العربات والرجال يجرونها من الأمام وعشرات الصبية يدفعونها من الخلف حتى المقابر الجماعية فى النادى المصرى القديم حيث المقابر الجماعية لشهداء بورسعيد أثناء العدوان، كما أن أغلب شوارع بورسعيد وحواريها ومدارسها تحمل أسماء شهداء، مثل شارع الروضة الذى سقط فيه أكبر عدد من الشهداء، وأصبح اسمه الآن شارع شهداء القنال، حتى أشهر شوارع بورسعيد وهو شارع محمد على، اسمه الآن شارع الشهداء”.


وعن الوضع الداخلى بعد خروج قوات العدوات من مصر، لدينا شهادة من البدرى على هذه اللحظة “انتهت المعارك يوم ٢٢ ديسمبر بسقوط آخر شهدائنا حسن حمود، ويوم ٢٣ تجمعت كل القوات الإنجليزية إلى جهة كازينو بلاس، المعروفة بالبوابة رقم واحد الآن، وجاءت البواخر تحمل جنود الاحتلال إلى الرحيل خارج بورسعيد، ومنذ ١٩٥٦ وحتى ١٩٦٧ كان يوم ٥ نوفمبر اسمه يوم الشهداء، وكنا نحن تلاميذ المدارس نذهب فى الخامسة صباحا إلى مقابر الشهداء الجماعية، ونضع أكاليل الزهور، ونقرأ الفاتحة على روح الشهداء، والروح المعنوية كانت فى أعلى معدلاتها فى هذه الفترة، والغريب فى الأمر أن الصبية فى بورسعيد فى سن ثمانى وتسع سنوات كانوا يحملون بنادق وسيوفا خشب ويسيرون فى ورديات فى الشارع والحوارى، تعبيرا عن روح المقاومة العالية فى المدينة”.
ومن الحديث عن المدينة الباسلة إلى الحديث عن الزعيم الخالد، عبد الناصر لم يكن مجرد رئيس، كان وطنا يذكره البدري، “يقدم كل الدعم للمقاومة الشعبية فى بورسعيد أثناء العدوان وبعد ذلك أمر ببناء منازل للأهالى بدلا من المنازل التى دمرها العدو وكان دائم الحضور منذ أول احتفالات ٥٦ حتى هزيمة ٦٧، لأنه لم يكن عيد بورسعيد القومى بل كان عيدا للشعب المصرى بالكامل”.
علاقة الشيوعيين بالرئيس جمال عبد الناصر خلال هذه الفترة كانت قوية جدا حسب شهادة المناضل الاستراكي، «كانت العلاقة وطيدة جدا، وكانوا أهم قوات المقاومة الشعبية والفصائل المشتبكة مع العدو فى المقاومة الشعبية، وهم الذين كانوا فى الحركة الوطنية للتحرر الوطنى «حدتو»، وتصدوا للعدو بقوة، وكانوا لا يتوانون عن فعل أى شيء مناهض لقوات العدو، حتى إذا كلفهم ذلك حياتهم وبالفعل سقط منهم شهداء كُثيرون، والرئيس عبد الناصر كان يقدر لهم تماما هذا الدور، والصدام السياسى مع عبد الناصر لم يحدث إلا بعد انتهاء العدوان الثلاثى، وتحديدا أثناء الوحدة مع سوريا، مما أدى فى النهاية إلى إسقاط الدور الوطنى الذى قامت به حركة “حدتو” داخل بورسعيد، لكن التاريخ موجود ومستحيل يُمحى ولا ينسى رموز المقاومة مثل أمينة شفيق، وعبد المنعم القصاص، وهاجوج، وحسن حمود، ونصر حمود، جمعيهم كانوا فى الحركة الوطنية للتحرر الوطنى حدتو”.
وكأى حرب، مأساة إنسانية تعرضت لها المدينة التى كادت أن تموت من الجوع، «تم إغلاق القناة، التى كان أغلب أبناء بورسعيد يعملون فيها فى هذا الوقت، لم يكن هناك عمل و لامصدر رزق، إلا أن الرئيس عبد الناصر أخذ أعدادا كبيرة من أبناء بورسعيد تعمل فى كل محافظات الجمهورية فى المدارس والمستشفيات والوزارات، ومنهم والدى رحمة الله عليه، ذهب إلى إحدى قرى أسيوط وكان عاملا فى مدرسة، وكان يقبض ٧ جنيهات فى الشهر لمدة ٣ شهور، وبعد ذلك عادوا إلى بورسعيد وبدأ نشاط قناة السويس مرة أخرى”.
هذه بورسعيد التاريخ، أما الحاضر فيحكيه البدري، «نحن الآن نعانى، بورسعيد الآن خسرت معركة رغيف العيش، لم تعد المدينة مدينتنا، والوظائف لا يحصل عليها أبناء المدينة بل آخرون من خارجها، وشركات بورسعيد مثل الغاز والبترول لا يُعين فيها أبناؤها، حتى شوهوا سمعة شباب المدينة «إنه مش بتاع شغل» لكى يستولوا على فرص العمل ويعطونها لمن يملكون الوساطة والمحسوبية، حتى التجارة توقفت تماما، والمحلات مغلقة، وأصبحت مدينة فقيرة وبها أكثر من ٣٠ ألف أسرة عاجزة عن دفع إيجار مسكنها وبالتالى المدينة فى خطر اجتماعى شديد، وحالة الاحتقان بين شباب المدينة فى ذروتها، والمسئولون يقولون لنا أمامكم الاستثمار، بينما الاستثمار هو عمل عبودى الأجر فيه لا يساوى حتى قيمة المواصلات، وبلا حقوق أو تأمينات ويحق لصاحب العمل طرد العامل فى أى لحظة من اللحظات، وعندما أعلن عن مشروع شرق التفريعة قدم عدد كبير من أبناء بورسعيد أوراقهم للعمل هناك، وفى اليوم التالى وجدنا طلباتهم ملقاة فى الشوارع، نحن فى حالة قلقة اجتماعيا واقتصاديا ولا يوجد من يساعد المدينة”.