البورسعيدى الثائر جورج إسحاق.. يتذكر: وزعت منشورات ضد الإنجليز .. وقدمت التحية لـــ «عبد الناصر» و «أنا قاعد على القهوة»

26/10/2016 - 2:14:25

    الزميل محمد حبيب يحاور جورج إسحاق - عدسة: حسام عبد المنعم الزميل محمد حبيب يحاور جورج إسحاق - عدسة: حسام عبد المنعم

حوار يكتبه: محمد حبيب - بمشاركة: شريف البرامونى

جورج إسحاق السياسى والثائر البورسعيدى الكبير و عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان .. كان عمره ١٦ عاما وقت بدء العدوان الثلاثى على بلده.. ما بين لحظة والثانية يسمع أصوات القنابل، التى تلقيها طائرات العدو.. يتابع أعمدة الدخان التى بدأت تعلو فى الأفق من منازل عدة فى المدينة، ويحاول أن يفهم حقيقة الأمر.. بعدما فشل فى الإجابة عن سؤال وجهه له أحد مدرسيه «لو مشيتوا كلكم من بورسعيد مين اللى هيفضل عشان يدافع عنها؟!».. قرر ألا يغادر المدينة الباسلة، أقنع والدته بالتراجع عن قرار الهجرة، وبدأ مسيرته مع النضال.


حرب ٥٦.. النقطة الفاصلة فى حياة جورج إسحاق، فمن بعدها بدأ يعرف الطريق إلى السياسة.. مواجهة العدو «عين بعين» كانت أولى المعارك التى خاضها فى تاريخه السياسى.. بدأ الأمر بـ «منشورات» شارك فى توزيعها تطالب أهالى بورسعيد بعدم التعامل مع جنود الاحتلال، ثم تطور حتى أصبح «جورج إسحاق» واحدا من رموز السياسة فى مصر المحروسة.


 


 الماضى.. من الوهلة الأولى فى الحديث مع جورج إسحاق، يتضح أنه لم يغادره، فما أن جاءت سيرة حرب الـ ٥٦، إلا وعادت إلى وجهه ملامح الشاب  الذى كان فى السادسة عشرة من عمره، ويدرس في مدرسة بورسعيد الثانوية .. وبدأ فى رواية الأحداث بقوله: الأمر بدأ بعدما أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قرار تأميم قناة السويس في يوليو ١٩٥٦ وهو أمر تسبب فى اشتعال غضب الغرب، وبعد قرار إغلاق الممرات البحرية، دخلت إسرائيل بعدما اعتبرت القرار اعتداء على كيانها، وأذكر أننا قبل هذا القرار، كنا نشعر ( أبناء بورسعيد) أننا مواطنون من الدرجة الثالثة، وتحديدا يقول، عندما كنت أستقل «المعدية» من بورسعيد إلى بورفؤاد، كنت أمتلك دراجة، وكانت «المعدية» مقسمة إلى جزءين أحدهما فاخرة للأجانب و الجزء الآخر للمصريين، وكنت أتعمد فى كل مرة أستقل فيها المعدية الوقوف فى المكان المخصص للأجانب حتى يأتى المسئول ويطالبنى بالانتقال إلى مكان المصريين.


«أيام الحرب على بورسعيد لا يمكن أن أمحوها من ذاكرتى».. جملة ضغط إسحاق على حروفها، وأكمل بعدها قائلا: «لا أستطيع نسيان هذه الأيام، وأذكر أننى ذهبت فى يوم ما إلى مدرستى ووجدت أستاذا يدعى «شرف» يسألنى «أنتو هتعملوا إيه؟.. أجبته وقتها بأن أسرتى تعد أغراضها للهجرة من المدينة، ففوجئت به يقول لى عندما يرحل الجميع عن بورسعيد منْ سيبقى للدفاع عنها، وكانت تلك الجملة نقطة تحول فى حياتي، فذهبت إلى أمى وقلت لها لن أترك بورسعيد سنبقى لندافع عنها بأرواحنا، وعندما بدأ العدوان على المدينة كانت المفاجأة الكبيرة عندما أرسل الرئيس عبد الناصر السيارات التى كانت تحمل السلاح وتم توزيعه على المواطنين من أجل مقاومة العدوان، وعندما وصلت القوات البريطانية إلى مطار الجميل تم إبادتها من قبل الشعب حامل السلاح، وأتذكر فى بداية العدوان ذهبنا إلى المخابئ، ومكثنا بها ثلاثة أيام دون طعام أو شراب، ولم نكن نسمع إلا أصوات طلقات النار، ويوم الجمعة اقتحمت قوات بريطانية المخابئ، وتعرضنا للضرب بظهور البنادق وتم اقتيادنا إلى شاطئ البحر، وكانت المرة الأولى التى أرى بورسعيد منذ بداية العدوان فكانت المنازل مشتعلة نتيجة استخدام العدوان مادة «النابالم» الحارقة، وكانت جثامين الشهداء والمصابين تملأ الشوارع، وشاهدنا العربات والدبابات البريطانية وحاملات الجنود وهى تقوم بإنزال الجنود بجوار الشاطئ فأدرك الجميع أن بورسعيد احتلت.. !».


مشاهد «العدوان» التى يتضح أنها لا تزال عالقة فى عقل ووجدان «إسحاق»، لم تكن الأمر الوحيد الذى احتفظت به ذاكرة الشاب صاحب الـ ١٦ عاما، حيث قال: بعدما تم اقتيادنا إلى الشاطىء فى تلك الليلة كنا عندما نطلب الطعام كان جنود العدوان يقدمون لنا الخبز الجاف المصاب بالعفن، وقدموا لنا الماء الذي عليه كيروسين «الجاز»، وبين الحين والآخر كان يدخل أحدهم ليعلن أمامنا أنهم استطاعوا الاستيلاء على مدينة الإسماعيلية ثم السويس، وأعلنوا قرب سقوط نظام جمال عبد الناصر، واستمر الوضع حتى صباح يوم السبت، وقتها طالبنا الجنود بمغادرة الكبائن التى كنا متواجدين فيها والذهاب إلى منازلنا، لكننى عندما خرجت إلى الشارع لم أستطع التعرف على بيتى ولا على المدينة التى عشت وتربيت فيها بسبب حجم الدمار الذى كان موجودا وقتها، وتم إعلان حظر التجوال بداية من الساعة السادسة مساء، وفى صباح اليوم التالى ذهبت إلى الحى الإفرنجى فشاهدت سوقا كبيرا أنشأه مجموعة من البمبوطية لمحاولة بيع بضائعهم إلى جنود الاحتلال، فقام أحد المواطنين وهو محام يدعى إبراهيم جودة بصياغة منشور أكد فيه أن التعامل مع جنود الاحتلال خيانة وطنية، وشاركت فى توزيع ذالك المنشور، ويمكن القول إن هذه الواقعة كانت بداية علاقتى بالعمل السياسى، وبعد أن انتهينا من توزيع المنشور، وفى اليوم التالى أصبح السوق خاليا، ولم يأت أحد إليه لبيع البضاعة للإنجليز، وأدركت يومها أن الناس كانت تحتاج إلى التوعية وأنهم لم يكونوا خونة.


«وشوش العدو».. نقطة أخرى كان لها محل من الإعراب فى حديث الذكريات مع جورج إسحق، وتحديدا القائد الإنجليزى «مورهاوس»، والذى قال عنه: هذا الرجل كان شديد العنف والصرامة، فمن كان ينظر فى عينيه بشكل مباشر يتم اقتياده إلى الشاطئ وإحضار جوال ويطلب منه أن يملأه بالرمل باستخدام ملعقة شاي، وخلال الحرب استطاع شعب بورسعيد إلقاء القبض عليه واحتجازه حتى الموت، وبعد مرور خمسة عشر يوما على الاحتلال انتقلت برفقة أسرتى إلى بورفؤاد، وأثناء استقلالنا المعدية، فوجئنا بقيام جنود الاحتلال بوضع ختم على أيدينا لإثبات أننا لسنا من أهالى بور فؤاد.


 «المقاومة» هى الأخرى كانت حاضرة فى ذهن «اسحاق» الذى قال عنها: خلال تلك الفترة الطويلة من العدوان كانت المقاومة بديعة ومشرفة، فعندما يأتى المساء تستمع إلى أصوات الطلقات النارية، ولا زلت أذكر من بين رجال المقاومة شخصين من أصدقائى أطلق عليهما «الإخوان أسمر» لأنهما كانا شقيقين ولديهما خبرة كبير فى حمل السلاح والتنظيم وتنفيذ الخطط على الأرض؛ لأنهما فى الأصل كانا ضابطين بالجيش المصر، كما أذكر أيضا أن الأهالى اعتادوا خلال أيام الحرب على جمع الكلاب من الشوارع وكتابة اسم «إيدن» رئيس وزراء بريطانيا عليها، وهو أمر كان يتسبب فى إزعاج جنود العدوان، واستمر الأمر خلال أكتوبر ونوفمبر ثم تم الانسحاب فى شهر ديسمبر، فذهبنا لمشاهدة الجنود وهى تخرج من الشاطئ المصرى وفوجئنا بهم يطلقون النار علينا بكثافة حتى لا نشاهدهم وهم منهزمون، وكانت الفرحة الكبرى عندما شاهدنا قوات الشرطة المصرية وهى تدخل مدينة بورسعيد وهى أول قوة منظمة تدخل المدينة بعد العدوان.


 الطعام.. الشراب.. شكل الحياة اليومية تحت القصف، وبعيدا عن اللحظات العادية التى إعتاد الإنسان العيش فيها، أمور كثيرة مرت على خاطر جورج إسحق، أثناء الحوار، وقال عنها:» مدينة بور سعيد معروف عنها أنها مدينة كبيرة فى إنتاج الخضراوات والفاكهة، وعندما بدأ العدوان كان اعتمادنا الأساسى على تناول الخضراوات الموجودة فى مخازن الترانزيت قبل تصديرها، محصول البطاطس كان مهولا، واعتمدنا عليه طوال أشهر العدوان، وكنا لا نتناول إلا البطاطس، أما اللحوم والدواجن فلم تكن متوافرة، والسمك هو الآخر لم يكن ممكنا نتيجة صعوبة الصيد والاقتراب من الشواطئ خلال فترة العدوان.


 الحرب وإن كانت انتهت من وجهة نظر البعض، إلا أن عقل «جورج» رفض التعامل مع هذا الأمر، حيث بدأ رحلة البحث عن الحقيقة، سافر إلى إنجلترا، بحثا عن وثائق تؤرخ لتلك الفترة، لكنه فوجئ أن الإنجليز لم يتركوا شيئا يذكر هناك، رغم أنه شاهد عددا من جنود الاحتلال يلتقطون صورا لـ «بورسعيد» بعد تدميرها، وقال عن هذه الرحلة: « آثار التدمير كانت رهيبة، وللأسف الشديد لا توجد وثائق خاصة بالعدوان الثلاثى سوى القليل، أثناء رحلتى إلى إنجلترا بحثت كثيراً ولم أجد شيئا وثائقيا عن حرب ٥٦، رغم أن جنود الاحتلال قاموا بتصوير الحملة، وكنت قد شاهدت عددا منهم أثناء الحرب وهناك بعض الصور الخاصة بالحملة، وصلت حينها للأمم المتحدة عن طريق الصحفى مصطفى شردى رئيس تحرير الوفد الأسبق فى بداية عمله الصحفي، وهو زميل دراسة بالمناسبة، هذه الصور سجلت عددا هائلا من المبانى المهدمة والقتلى فى كل مكان، بالإضافة إلى حى العرب الذى دُمر تمامًا، كما رصدت عددا من الأسر التى شُردت من منازلها بسبب العدوان.


واقعة طريفة يحكيها عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان عندما يتذكر كيف كان هو وأشقاؤه وأقاربه يضعون المشغولات الذهبية التى ورثوها من محل والده الراحل،  في جيوبهم؛ ليعبروا بها من بورسعيد من دون أن يمسكها الإنجليز ونجحوا في أن يعبروا بها  .


حديث الحرب، لم يكن الحديث الوحيد الذى ألقى «جورج» الضوء عليه، فالأيام التى تلت الحرب وخروج قوات العدوان من بورسعيد لاتزال ذكراها عالقة فى عقله، وتلك الأيام قال عنها: بعد حرب ٥٦ شهدت بورسعيد حالة من الازدهار على أثر مشروع إعادة إعمار ما أفسدته الحرب، وهو أمر ساهم فى توفير فرص العمل كثيرا، وساهم فى خلق رواج اقتصادي، جعل من المواطنين فخورين جدًا بما صنعوه باعتبارهم شركاء، من هنا جاءت الروح الوطنية التى تلاشت بعد ذلك، وعادت مرة أخرى مع ثورة الخامس والعشرين من يناير والتى قامت على أساس الشراكة، وهى كلمة السر فى استثمار الروح الوطنية والتى جعلت من زيارات عبد الناصر لمدينة بورسعيد شيئا أسطوريًا فى ذكرى انتهاء الحرب ٢٣ ديسمبر من كل عام، وكانت زيارة دائمة يقوم بها «عبد الناصر» لرفع الروح المعنوية لسكان بورسعيد.


وأذكر هنا أثناء زيارة الرئيس الرحل جمال عبد الناصر عام ١٩٦٤ كنت أجلس على أحد المقاهى المشهورة فى بورسعيد، كان دائمًا الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يطوف بورسعيد بسيارة مكشوفة وفجأة وبدون ترتيب وجدت نفسى أقف لتحية الرئيس، كان لناصر كاريزما رائعة جعلت منه زعيمًا لذلك العصر، نعم كان رائعًا فى عصره، أما الآن من الصعب أن تعود هذه الزعامة.


ومن الضرورى أن أذكر هنا أن حرب ٥٦ جاءت بانتصار كبير لروح المقاومة والتى كانت سببا حقيقيا لذلك النصر ومن يتحدث عن «إنذار بولجانين» «رئيس الوزراء السوفيتى - وقتها- والذى قام بإرسال برقية إلى رئيس مجلس الأمن الدولى طالبًا فيها وقف النار خلال ٢٤ ساعة وانسحاب القوات المعتدية من مصر خلال ثلاثة أيام وتهدده باستخدام الصواريخ بعيدة المدى»، أنه السبب الوحيد لرحيل قوات الاحتلال، هذا غير صحيح، فالمقاومة والروح الوطنية هى من صنعت نصر ٥٦ رغم كل الظروف الصعبة التى مرت بها مصر.


١٩٥٦ كانت نقطة فاصلة فى التاريخ الحديث.. هكذا يؤكد جورج إسحاق ، مبينا أنها أذنت بغروب شمس الامبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، بالإضافة إلى اختفاء رئيس وزرائها إيدن إلى الأبد، وظهور القوى الأمريكية محلها، وبدأت علاقات مصر بروسيا تظهر في الأفق ونتج عنها بناء السد العالي فيما بعد .


 وعلى الرغم من أهمية المقاومة الشعبية في ١٩٥٦ إلا أنها لم توثق على الشاشة بشكل لائق، للأسف الشديد ما تم توثيقه سينمائياً، هزيل للغاية، ومنها ما هو دعائي «سخيف» ولا يرتقي لمستوى الحدث العملاق، وروح المقاومة التي استطاعت كسر إرادة تلك الدول الاستعمارية، هكذا يرى جورج إسحاق متابعا وبالنظر إلى تاريخ مصر بشكل عام لم تستطع السينما أن تتفاعل مع أي حدث، مثله في ذلك مثل حرب الاستنزاف  وحرب ١٩٧٣ وغيرها من المشاهد والأحداث التاريخية التي مر بها الوطن، فالواقع في حرب ١٩٥٦ كان هو البطل ولم يستطع أحد تغليف تلك المشاهد الرائعة لذاكرة السينما.


«أهل بورسعيد مقاومون إلى أبعد مما يتصور أحد، ولا يستطيع أحد أن يفرض عليهم شيئا « هذه هى خلاصة ما توصل إليه جورج إسحاق بعد هذه السنوات الطويلة،  فمنذ بداية الخمسينيات  وكفاح شعب بورسعيد قائم وتحديدا منذ إلغاء معاهدة ١٩٣٦ على يد  النحاس باشا، حيث رفض أهل بورسعيد العمل في معسكرات الإنجليز كجزء من الضغط، وبعدها في العمليات الاستشهادية ضد الإنجليز وصولا إلى العدوان الثلاثى، يتذكر جيداً ذلك الطفل نبيل منصور الذي أحرق معسكرا لقوات الاحتلال بكرات اللهب، وقاموا بإطلاق النار عليه حتى استشهد، وهناك العديد من النماذج المشرفة والتي يذكرها أهل بورسعيد مثل جواد حسني والعديد من الشباب، ثم  صمود بورسعيد  في ١٩٦٧و١٩٧٣ وصولا إلى ثورة يناير الإطاحة بمبارك  ثم  تحدى الإخوان أيام الحظر ثم في ثورة ٣٠ يونيه .. بورسعيد شعب مقاوم ويرفض الظلم، ويجب أن تنظر الحكومة الحالية لهم بعين الإنصاف.


«شرق التفريعة» هذا الحلم الكبير الذي ينتظر تحقيقه أهل بورسعيد لتعويضهم عما لاقوه من إهمال عبر السنين .. يعود جورج بالذاكرة إلى نحو ١٠ سنوات عندما ذهب هو واللواء شرين حسن رئيس هيئة موانئ بورسعيد بالمخطط العام لتطوير هذه المنطقة ( شرق التفريعة) عام ٢٠٠٦ إلى كل المسئولين في الحكومة، لكن لم يهتم أحد بالأمر رغم ما تمثله القناة لكل بورسعيدى، فهى  شريان الحياة ويجب الاهتمام بها وتطويرها والاستفادة منها بأقصى طاقة، خاصة أن المصريين  لديهم خبرات رائعة .. يتذكر كيف نجح المرشدون المصريون في إدارة مرفق القناة عقب انسحاب الأجانب منها بعد التأميم.. كانت تجربة خلاقة أبهرت العالم أجمع، ووقف احتراماً لعبقرية المصريين.