قاوموا الاستعمار.. ورفعوا السلاح.. وأحدهم أسر جنديًّا يهوديًا الفدائيون الصغار!

26/10/2016 - 1:04:54

  شنق ايدن فى الطريق العام ولم يكتف الأطفال بموته فراحوا يصيبونه برش البنادق وحصى النبال شنق ايدن فى الطريق العام ولم يكتف الأطفال بموته فراحوا يصيبونه برش البنادق وحصى النبال

تقرير: أشرف التعلبي- محمود أيوب

كُلنا نريد أن نبقى أطفالا لآخر العمر: لو خيِّرنا!. لكن هذا ليس مسموحًا به إلا في عالم الحواديت، السويس حدّوتة كبيرة، في زمن تقزّم الحكايات، وهروب التواريخ. أسموها زمان «هيروبوليس- مدينة الأبطال». في أيام المقاومة الشعبيّة (في زمن عبد الناصر، والشعب المعلم، الذي ضرب الاستعمار على قفاه) أسموها مدينة الأبطال. السويس شجرة كبيرة، نتظلل اليوم، بأحد أفرعها الخضراء: أطفالها الفدائيون.


الأطفال هناك لم يكبروا على صياح المرح، ولعب الكرة في الشوارع، والاستغمايّة، والعسكر والحرامية. كبروا على أصوات القنابل، وأزيز الطائرات. أطفال السويس، في زمن مقاومة الاستعمار، كانوا أبطالا، لبّوا نداء المقاومة الشعبيّة، وحاربوا العدوان الثلاثي الهمجي. شبّوا، ولم تمنعهم الأظافر الناعمة، من تدريب أرواحهم وأياديهم، على مناخ الحريّة، والمقاومة، وحمل السلاح في مواجهة الكيان الصهيوني، والإنجليز.


«المصور» ذهبت إلى السويس. التقت هؤلاء الأطفال الذين مرّوا بمحطات العمر المتأخرة. أعينهم لا تزال هيّ أعين الأطفال، الذين حاربوا العدوان الثلاثي، جملهم البسيطة، سطرت حكايات أجيال بأكملها، رددوا وراء الجنود «الله أكبر»، وتمنوا في ليالٍ طويلة النصر على العدو، وتحقق لهم.


صبية لم تغلق عليهم أسرُهم الأبواب، خوفاً وخشية، بل شجعتهم على مُساعدة الجنود ومدّهم بكل ما يحتاجون. الحكاية طويلة، ومشوّقة. في السطور التالية نرصد ٣ شهادات لثلاثة من هؤلاء الأطفال الكبار.


الفدائى عبد المنعم قناوي، من مواليد السويس عام ١٩٤٥ وهو عضو منظمة سيناء العربية، حكى ذكرياته وقت عدوان ٥٦، والفخر يعلو صوته وكأنه يتذكر أحداثاً وقعت بالأمس القريب، فمازالت جميع تفاصيلها محفورة في خياله. تلتمع عيناه وهو يحكي :»كان عمري ١١ عاماً وكنت أرى أفراد الحرس الوطني يشيدون مواقعهم فى الشوارع الرئيسية وخاصةً شارع الجيش فى السويس، وكنا نقف معهم ونحن سعداء، ومن الفرحة كان كل شخص من الحرس الوطنى يجلس ومعه سلاحه، وكنا نتمنى أن نرفع السلاح مثلهم، لكن لم يكن باستطاعتنا أن نرفع السلاح ونحن فى هذه السن؟»؛ لكن فكرنا في حيلة أخرى وهي صناعة بندقية من الخشب».


يتذكر «قناوي» وقتها ماذا فعل ليكون حاملاً لبندقية مثل الجنود؛ بقوله: «ذهبنا إلى ورشة نجارة كبيرة وقمنا بعمل بندقية خشب، وأتذكر أن البندقية كانت بحاجة إلى خزانة ذخيرة، فجئت بعلبة ورنيش فارغة كبيرة، وأعطيتها للنجار ليضعها فى السلاح الخشب، وكأنها خزانة طلقات.. ولم نكتفِ فقط بصناعة السلاح الخشب، بل كنا وقتها نقوم بمساعدتهم ونمدهم بالمأكل والمشرب، وكل ما يحتاجونه بقدر الاستطاعة، وأتذكر أيضاً أن منطقة الكورنيش كانت عبارة عن «بحر»، وكنا نرى ما إذا كان هُناك إسقاط جوى لقوات المظلات على هذه المنطقة، ونذهب لنشاهدها ونحن أطفال، ووقتها كانت الروح المعنوية للسويس عالية جداً.


«قناوى» يُكمل ذكرياته كأنه يتناول الحلوى: «بعد ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ رفع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر العلم المصري لأول مرة على معسكر «الشلوفه» وذلك يوم ٢٢ مارس عام ١٩٥٤ والذي يقع شمال مدينة السويس بحوالى ١٢ كيلو مترا، إيذاناً برحيل آخر جندي بريطاني بعد احتلالهم لجبهة قناة السويس والتى امتدت لحوالى ٧٢ سنة، وظل هذا اليوم بالنسبة للسويس عيدا قوميا لها من كل عام، وتوالت الاحتفالات بهذا اليوم إلى أن وصلنا إلى نكسة يونيه سنة ١٩٦٧».


وعن الفدائيين فى ذلك الوقت المجيد، يتذكر عبد المنعم قناوي:» كان هناك فدائيون فى عدوان ٥٦ سابقونا قبل ما نكون نحن فدائيين، مثل محمد مهران والذى اتهم بقتل حفيدة ملكة بريطانية فى ذلك الوقت، وتأديباً له أخذوه قبرص «مبصر»، وعاد مرة أخرى وهو «كفيف»، بعد أن نزعوا عينه واستغلوها لعلاج أحد الجنود البريطانيين الذين جاءوا إلى السويس وقت العدوان الثلاثي، وأتذكر أيضاً سيد عصران والذى قام بقتل ضابط المخابرات الإنجليزى ويدعى «ويليامز» الأول فى منطقة القناة كلها، بعد أن وضع القنبلة فى قطعة من الخبز البلدى حتى لا يكشفه أحد، وألقاها عليه وهو يقود سيارته وفر مسرعاً ولقى مصرعه بعدها مباشرة..وأيضاً عبد المنعم الشاعر الذى أسقط تمثال «ديليسبس»ومعه زملاؤه.


كلام الفدائي الكبير لم ينتهِ: «كنا نقوم برحلات إلى قطاع غزة بالقطار، وفى ذلك الوقت كنت غاوى جمع «طوابع البريد والمراسلة» وكنت أستقل القطار الحربى صباحاً من القنطرة غرب إلى القنطرة شرق، وأكون فى غزة الساعة الخامسة قبل المغرب، وأتذكر أنني التقيت عددا من الشخصيات بينهم شخص يسمى منذر الخالدى «وكان مقيما فى شارع النصر، ووليد جعلش وسالم الطلاع وجميعهم أصدقاء من فلسطين».


«قناوي» الذي كان يريد أن يقاتل العدو الإسرائيلي وهو طفل، خاطب الشباب المصري والعربي، ليقول لهم إن مصر مستهدفة من العدو الإسرائيلي، بعد أن زرعتها الدول الأوربية وأمريكا فى منطقة الشرق الأوسط بعد حرب ٤٨ بحيث تكون شوكة للدولة العربية، وتمنى من الشباب أن يعودوا إلى الشعار الذى فقدناه من سنوات طويلة وهو «يد تبنى ويد ترفع السلاح»، وقال للشباب بطريقته العفوية «اللى مالهوش خير فى ماضيه لن يكون له خير فى حاضره أو مستقبله».


طفل آخر، أو بالأحرى فدائي آخر، اسمه يوسف محمود محمد الشهير بـ»يوسف الشريعي». يحكي لنا ويقول إنه ولد في بيوت الشباب بالسويس التي كانت تضم السياسيين والمثقفين بالمحافظة وخارجها والسياح الأجانب، وكانت تعبر فى ذلك الوقت عن المسرح الوطني بالسويس، حيث كانت تقام فيها الحفلات والندوات، «كانت توجد حالة ما بين المحبة والود والمعرفة ما بين الناس، ولم يكن هناك غريب بيننا، إلى أن جاء العدوان الإسرائيلي وبدأت الحرب ورأينا المهازل مع عدوان ٥٦ ثم تكرر المشهد في ٦٧ وما قامت به إسرائيل من ضرب في منطقة عيون موسى وفي جميع أرجاء سيناء، بالإضافة إلى الطيران الذي كُنا نراه أثناء هبوطه وضربه علينا، وكنا في حالة من الفزع والهلع؛ ولكن كنا في قوة وصلابة في نفس الوقت، كنا لا نخاف الموت كبيرا وصغيرا».


مشاهد لا ينساها «الشريعي»، تلمع أمام عينيه الآن، «عندما كنت طفلاً رأيت يهوديا وهو يهبط بالباراشوت فوق مدرسة صلاح سالم، وقمنا مع أطفال آخرين بأسره وتسليمه للجيش، وكانت السويس عبارة عن مسرح همجي بشكل فظيع من أفعال إسرائيل؛ لكن كنا ندافع عن السويس بصلابة، وظهرت القوة بعد حرب الاستنزاف وبدأت الدعوة إلى أرض السويس من المهاجرين، وبدأوا القيام بعمليات فدائية في داخل سيناء والذي كان من بينهم من داخل منظمة سيناء «سعد الجلاد ومحمود طه وعبد المنعم قناوي ومصطفى أبو هاشم»، بالإضافة الى الدور القوي للمقاومة الشعبية المتمثلة في فرقة «ولاد الأرض» في السويس لقائدها كابتن غزالي، والتي وصل صوتها للعالم كله وكانت تغني للجنود للحث على الكفاح والنضال».


مواقف كثيرة في بال «الشريعى» يتذكر منها موقف الطائرة التي سقطت في مثلث السويس، « أسرعنا جميعا عليها، ورأينا المنظر جميعا، ولم يوجد بها أحد على قيد الحياة وكان المنظر رهيباً، وطائرات كثيرة غيرها كانت تنشر الفرحة في السماء وكنا نردد معها «الله أكبر»، كنا نقوم بتلوين جميع شبابيك السويس باللون الأزرق حتى لا يراها الطيران الإسرائيلي، حتى يُغطى اللون الازرق أرض السويس كلها، وكانت ملاحم جميلة تغني بها محمد حمام مثل «يا بيوت السويس يا بيوت مدنيتي.. استشهد تحتك وتعيشي انتي» وهي من كلمات الشاعر عبدالرحمن الأبنودي الذي كان يعيش وسطنا، إلى أن جاء نصر أكتوبر وكانت الفرحة الكبيرة لنا؛ إلا أن إسرائيل فعلت ثغرة داخلة علي السويس والأدبية وبيوت الشباب وناحية سيما مصر في شارع الجيش بالسويس؛ ولكن قامت السويس بالنضال والمكافحة من سيدات ورجال وشباب وبنات، بالإضافة إلى القوات المنظمة للمقاومة الشعبية، وأخرى لقوات سيناء وجميعا في إطار واحد ندافع عن السويس ليست السويس بل ندافع عن مصر».


«كنا كذلك» - الكلام على لسان «الشريعي» - نرسم «كاريكاتير» لأكثر من ١٢ دبابة التي تم ضربها بزجاجات ماء النار من بداية المثلث الى سيما مصر.. إلى أن وصلت لسن الشباب في حرب ١٩٧٣ وكانت توجد معارض لوحات فنية تشكيله، لوحات تعبيرية، رسومات وكتابة شعر، الأعمال الفنية والأدبية والسياسية التي تخص البلد، إلى أن رجعت السويس كما هيّ، ورجعت الأهالي المهاجرة، وعمت الفرحة أرجاء السويس، وبدأ التعمير في السويس من الصعيد والفلاحين، فالسويس بلد الغريب».


الفدائي أبو بكر على محمد السبعيني يتذكر طفولته التي طرحت وسط القنابل والطائرات، « بصراحة هي التي جعلتنا أبطالا فيما بعد، حيث كان للمقاومة دور كبير مع الجيش في صد العدو، ولم نكن نعرف الخوف رغم أننا كنا اطفالا.. وكل المواقف التي أتذكرها هي أننا ولدنا حفظنا أن نكره إسرائيل، وطوال فترة طفولتي وشبابي، ونحن نحاربها وسنظل نكرهها».


«على» يضيف: «فى عدوان ٥٦ فوجئنا نحن كأبناء السويس أن قواتنا انسحبت من سيناء وتمركزت فى السويس نتيجة للضغوط عليها، وبعدها حدوث العدوان الثلاثي والقوات المنسحبة ظلت متواجدة فى السويس، إلى أن انسحبت جميع القوات المعادية لمصر فى ٢٣ ديسمبر؛ لكن الحرب كانت «خاطفة» وغادرة لأن اليهودى طول عمره جبان، وما قام به فى ٥٦ هو نفسه الشيء قام به فى ٦٧ وبالتالى عمرك «ما هتاخد من الصهاينة غير الغدر والخيانة».