ملحمة جيش وصمود شعب

26/10/2016 - 1:00:57

بقلم: لواء نصر سالم

فى كتابه (قصة حياتى) يروى «موشيه ديان» وزير الدفاع الإسرائيلى عام ١٩٥٦، تفاصيل الخطة التى تم الاتفاق عليها فى باريس يوم ٢٢ أكتوبر عام ١٩٥٦ بين كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل وتم إقرارها رسميا على النحو التالى:


- ١ بعد ظهر يوم ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦، تقوم القوات الإسرائيلية بهجوم واسع النطاق على القوات المصرية بهدف الوصول إلى قناة السويس فى اليوم التالى.


٢ - فى يوم ٣٠ أكتوبر تقوم حكومتا بريطانيا وفرنسا بتسليم حكومتى إسرائيل ومصر - كل على حده - وفى نفس الوقت طلبا قائما على الخطوط الأساسية التالية:


أ - إلى حكومة مصر:


(١) - وقف مطلق لإطلاق النار.


(٢) - انسحاب القوات إلى بعد ١٠ أميال من قناة السويس.


(٣) - قبول احتلال القوات البريطانية والفرنسية للمواقع الرئيسية على القناة.


من أجل تسهيل الملاحة لكل سفن العالم، وإلى أن يتم التوصل إلى ترتيبات نهائية.


ب - إلى حكومة إسرائيل:


(١) - انسحاب قواتها إلى بعد ١٠ أميال شرقى القناة.


(٢) - سيتم إبلاغ الحكومة الإسرائيلية بقبول مصر، فإذا اعترضت إحدى الدولتين، أو لم تعلن قبولها خلال ١٢ ساعة، فللقوات الفرنسية والإنجليزية اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تنفيذ مطالبها.


(٣) - لن يطلب من إسرائيل تنفيذ الطلب المقدم إليها فى حالة رفض مصر.


(٤) - فى حالة رفض مصر تشن عليها القوات الفرنسية والبريطانية هجوما فى الساعات الأولى من صباح ٣١ أكتوبر ١٩٥٦.


(٥) - ترسل إسرائيل قواتها للاستيلاء على خليج العقبة ومضايق تيران وصنافير لتأمين الملاحة فى هذا الخليج.


(٦) - لن تهاجم إسرائيل الأردن خلال عملياتها ضد مصر، فإذا هاجمت الأردن إسرائيل فسوف تقف بريطانيا إلى جانب الأردن.


• خطة الدفاع الاستراتيجية المصرية:


كانت القيادة المصرية تقدر أن التهديد الرئيسى لمصر هو التهديد الأنجلو فرنسى، وأن الاحتمالات الأكبر أن توجه القوات المعتدية مجهودها الرئيسى فى اتجاه قناة السويس والدلتا، لذا كان قرارها كالآتى:


١ - تركيز الجهود الرئيسية للقوات المسلحة فى المثلث بورسعيد - السويس - القاهرة.


٢ - تركيز الدفاع للتمسك بمنطقة «القناة - الدلتا»، على أن تعزز بالمقاومة الشعبية فى الدلتا والمدن المختلفة.


- ٣ تخفيف حجم القوات فى شبه جزيرة سيناء إلى الحد الذى يمنع إغراء إسرائيل من القيام بمغامرة سريعة بمهاجمة سيناء.


-٤ ينظم الدفاع غرب النيل فى منطتى) غرب القناة، وحول الإسكندرية) على أن تعمل بينهما قوات خفيفة الحركة من خطوط داخلية.


٥ - حشد الاحتياطى الاستراتيجى فى القاهرة وشرقها مع الاستعداد للعمل من خطوط داخلية، إما جنوب القناة، وإما فى اتجاه الإسكندرية.


٦ - توزيع القوات الجوية فى أكبر عدد ممكن من القواعد والمطارات.


• سير القتال:


فى الساعة الخامسة بعد ظهر يوم الإثنين ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦، تم إسقاط كتيبة مظلات إسرائيلية عند المدخل الشرقى لممر متلا على مسافة أكثر من ستين كيلومترا من قناة السويس، وقبل بزوغ فجر الثلاثين من أكتوبر، لحق بها لواء مشاة ميكانيكى إسرائيلى مدعم بالدبابات يقوده العقيد إيرل شارون، وحاولوا اقتحام المدخل الشرقى للممر، فواجهتهم القوات المصرية بوابل من النيران قتل منهم ٣٨ قتيلاً وفشلوا فى تنفيذ مهمتهم باختراق الممر.


وقبل أن تغرب شمس ذلك اليوم صدر الإنذار الأنجلو فرنسى إلى مصر وإسرائيل يطالبهما بالانسحاب - مصر غرب القناة لعشرة أميال وإسرائيل شرق القناة بعشرة أميال.


وفى الساعة السابعة مساء يوم ٣١ أكتوبر بدأت الضربة الجوية الإنجلو فرنسية ضد القواعد والمطارات المصرية، وكانت بمثابة إشارة لبدء تحرك الأسطولين الإنجليزى والفرنسى من جزيرتى مالطة وقبرص فى اتجاه مدينة بورسعيد.


فقررت القيادة المصرية إعادة القوات الموجودة فى سيناء، حتى لا يتمكن العدو من عزلها داخل سيناء، على أن يتم انسحابها تحت ستر بعضها البعض اعتبارا من ليلة ٣١ أكتوبر، وأصدر الرئيس عبدالناصر أوامره بالبدء فى حرب العصابات ضد القوات الإنجلو فرنسية.


استغلت إسرائيل الضربات الجوية الأنجلو فرنسية، وانسحاب القوات المصرية لتأمين القناة، وقامت بمعاودة الهجوم مرة أخرى بعد فشلها طيلة يومى ٣٠، ٣١ أكتوبر.


ونفذت القوات المصرية قرار الارتداد من سيناء إلى القناة، أما قوات شرم الشيخ فقد تمسكت بأوضاعها، وفى غزة بقيت القوات الفلسطينية ولم تنسحب.


مع استمرار حشد القوات الإنجلو فرنسية وتقدمها تجاه بورسعيد من اتجاه البحر واستمرار القذف الجوى للمدن المصرية ومع تصاعد الحملة النفسية ضد القوات المصرية والشعب المصرى، بدأت القوات المصرية بعد توحيد القيادة الشرقية فى تنظيم الدفاعات عن القناة وعن مدنها، وإنشاء احتياطيات لمساندة الاتجاهات التى قد تتعرض للهجوم مع تركيز عناصر الدفاع الجوى على القناة.


وأصبح القتال فى سيناء من جانب واحد فقط، هو الجانب الإسرائيلى، نظرا لانسحاب القوات المصرية عدا قوات شرم الشيخ، كما نجحت القوات الإسرائيلية فى اختراق الدفاعات الفلسطينية حتى غزة والسيطرة على القطاع بالكامل.


وبعد هجوم متواصل على شرم الشيخ نجحت القوات الإسرائيلية فى الاستيلاء عليها بعد أن سطرت قوات المظلات المصرية بطولات فى التمسك بمواقع لأطول فترة ممكنة طبقا لإمكاناتها، وأصبح خليج العقبة مفتوحًا للملاحة الإسرائيلية.


واستمرت عمليات الاستعداد وتحسين المواقع الدفاعية وإنشائها على جبهة القناة وقامت القيادة الشرقية بتوزيع الأسلحة والذخائر على شعب بورسعيد لمقاومة العدوان.


وقد مثلت معركة بورسعيد نموذجا للتلاحم بين الشعب والجيش فى الدفاع عن تراب الوطن، حيث كانت جموع الشعب تحارب جنبا إلى جنب مع جنود الجيش.


وبالرغم من ضعف الأسلحة المعاونة التى كان يجب أن تتوفر بكثافة لمواجهة قوات الغزو، فإن المدافعين تصدوا للقوات الغازية ببطولة نادرة، وتمكنوا من حصر القوات المعتدية داخل كردون ضيق فى مدينة بورسعيد، بل تم فتح طريق اتصال بالمدينة عبر بحيرة المنزلة، مما كان له أكبر الأثر فى إمداد المدينة باحتياجاتها ودفع المزيد من عناصر المقاومة.


وعن الدور المصرى فى الدفاع عن سيناء، يقول «حاييم لاسكوف» قائد مجموعة العمليات رقم (٧٧) التى هاجمت محور (رفح العريش) والذى خلف «موشيه ديان» فى منصب رئيس الأركان عام ١٩٥٨ :


«إننا حاولنا بناء أسطورة حول جيش إسرائيل، وفكرة أنه لا يهزم وأردنا أن يكون لهذه الأسطورة تأثير ضخم على معنويات الجيش والشعب ولا ينبغى أن تؤخذ العملية التى قام بها جيش الدفاع فى سيناء مقياسا لكفاءة القيادات، لأن رئيس الأركان دخل المعركة وهو يعلم سلفا أن القوات الإنجلو فرنسيه سوف تقوم بالدور الرئيسى فى الحرب، ولهذا كان التأكيد على القادة والمرءوسين ألا يتورطوا فى قتال رئيس مع جيش مصر، قبل أن يحدث التدخل الإنجلو فرنسى.


• والواقع أن المعارك داخل سيناء كانت محدودة للغاية لعدة أسباب:


١ - أن سته ألوية مصرية كانت قد سحبت من سيناء بنهاية عام ١٩٥٥ وأوائل عام ١٩٥٦ لكى يعاد تسليحها وتدريبها على العتاد الروس.


٢ - عندما وصلت المعلومات إلى مصر بتوقع غزو إنجلو فرنسى وشيك، قامت القيادة المصرية بسحب كل قواتها من سيناء تقريبا باستثناء عدد ست كتائب مشاة فى أم قطف، والعريش، ورفح علاوة على كتيبة مظلات فى شرم الشيخ.


٣- فى أم قطف نجحت الوحدات المصرية فى وقف الهجوم الإسرائيلى لعدة أيام قبل انسحابها، وفى رفح فعلت القوات نفس الشىء، وفى متلا تعرض اللواء المشاة وكتيبة المظلات بقيادة شارون لمحنه حقيقية داخل الممر، لم ينقذه منها سوى انسحاب القوات المصرية عندما صدرت لها الأوامر بذلك.


كما أن القوات الإسرائيلية لم تستطع دخول شرم الشيخ إلا بعد انسحاب قوات المظلات بعد وقف إطلاق النار.


٤ - بشكل عام لم تتمكن القوات الإسرائيليه من دخول المواقع المصرية إلا بعد انسحاب القوات المصرية منها.


• نتائج النجاح فى صد العداون الثلاثى على مصر:


أثار النجاح المصرى فى التصدى للعداون الثلاثى، حركات التحرر بالقارة الأفريقية سميت وقتها «برياح التغيير» وازداد التفاف الشعب حول قيادته وألغيت الاتفاقية المصرية البريطانيه الموقعة عام ١٩٥٤ التى كانت تفرض قيودا على مصر، وعادت قناة السويس تعمل بأيدى المصريين أفضل مما كانت.


أما الدرس الأعظم والأهم الذى تعلمه العالم منا.. أن الضعيف قد ينال العطف ولكن من الصعب أن ينال الاحترام.. أما القوى فقد لا يصادف عطفا ولكنه يجبر الجميع على احترامه.


إن وقفة العالم إلى جانب مصر فى مواجهتها للعداون لم تأت من فراغ، وإنما كانت ثمرة كفاح واستبسال من جيشها وشعبها.. فلم ترهبها الأساطيل التى شرعت فى مهاجمة شواطئها، بل خرج إليها من أبطال القوات البحرية مجموعة من زوارق الطوربيد بقيادة البطل المصرى جلال الدسوقى الذى لم يهب الموت وواجه المدمرات البريطانيه بقدرات غير متكافئه على الإطلاق.


وتصدى البطل السورى جول جمال الذى كان ضابطا فى البحرية المصرية مع رفاقه الأبطال رجال البحرية المصرية البطل ليفتدوا مصر بدمائهم التى اختلطت فوق صفحة المياه فى البحر المتوسط منبئة بوحدة عربية بين مصر وسوريا رفيقا الكفاح والنضال على مر العصور.


وفى الوقت الذى أعلن فيه الإنذار الأنجلو فرنسى إلى مصر ونادى العملاء فى الداخل بأن يتوجه جمال عبدالناصر إلى السفارة البريطانيه لتسليم نفسه لها، ذهب عبد الناصر فى موكب مهيب إلى الجامع الأزهر وخطب من فوق منبره معلنا التصدى للعداون حتى يتم دحره.


وانتفض الشعب خلف قيادته فى تحد سافر للعداون. أجبر العالم أجمع على احترامنا والوقوف إلى جانبنا.. حتى أنه عندما فشل مجلس الأمن فى استصدار قرار بوقف العداون نتيجة استخدام بريطانيا وفرنسا لحق الفيتو ثم دعوة الجمعيه العامة للأمم المتحددة للانعقاد وقررت بأغلبيه كاسحة الوقوف إلى جانب مصر فى وجه العداون الثلاثى واجبر المعتديين على الانسحاب، بل كانت وقفة القطبين العالميين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة لى جانب مصر وتوجيه الإنذار للمعتديين، ثمرة من ثمرات الجهاد والتصدى والصبر المصرى..