بطولات لم يكشف النقاب عنها رجال الأدوار السرية فى صناعة مقاومة ونصر بورسعيد

26/10/2016 - 12:57:35

  كمال الدين حسين قائد قوات القناة مع الجنود ورجال المقاومة الشعبية كمال الدين حسين قائد قوات القناة مع الجنود ورجال المقاومة الشعبية

بقلم - عميد. خالد عكاشة

فى كتابه (قصة حياتى) يروى «موشيه ديان» وزير الدفاع الإسرائيلى عام ١٩٥٦، تفاصيل الخطة التى تم الاتفاق عليها فى باريس يوم ٢٢ أكتوبر عام ١٩٥٦ بين كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل وتم إقرارها رسميا على النحو التالى:


- ١ بعد ظهر يوم ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦، تقوم القوات الإسرائيلية بهجوم واسع النطاق على القوات المصرية بهدف الوصول إلى قناة السويس فى اليوم التالى.


٢ - فى يوم ٣٠ أكتوبر تقوم حكومتا بريطانيا وفرنسا بتسليم حكومتى إسرائيل ومصر - كل على حده - وفى نفس الوقت طلبا قائما على الخطوط الأساسية التالية:


كان لكل دولة من الدول التي خططت ونفذت عدوانا على مصر في العام ١٩٥٦م أسبابها الخاصة للمشاركة فيه، من أهم وأشهر تلك الأسباب كان توقيع مصر اتفاقية مع الاتحاد السوفييتي حينئذ تقضي بتزويد مصر بالأسلحة المتقدمة والمتطورة بهدف تقوية القوات المسلحة لردع إسرائيل، الأمر الذي أثار حماسة إسرائيل للاشتراك في هذا العدوان، لأنها رأت أن تزود مصر بالأسلحة المتطورة خطوة تهدد بقاءها، وكان الدعم المصرى للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي وإمدادها بالمساعدات العسكرية، مما أغضب فرنسا وحرضها هي الأخرى على المشاركة في العدوان، ليجيء قرار تأميم قناة السويس الذي أعلنه الرئيس جمال عبد الناصر في ٢٦ يوليو ١٩٥٦م ليكون بمثابة الصدمة والقنبلة التي اعتبرتها بريطانيا موجهة لمصالحها المباشرة، فهذا التأميم منع بريطانيا من التربح من القناة التي كانت تديرها قبل التأميم وعلى ضوء هذا دخلت وقادت بريطانيا العدوان الثلاثي، حيث بدأت الغارات الجوية الإثنين ٥ نوفمبر عام ١٩٥٦م وعلى إثرها أحرقت القوات البريطانية «حي المناخ» بأكمله بالنابالم، وكان يمثل هذا الحي ما يقارب ثلث مساحة مدينة بورسعيد حينها، وفي «حي العرب» دمروا بالطائرات منطقة الجمرك القديمة والعديد من العمارات السكنية، ونفذ «إنزال مظلي» مزدوج البريطاني في «مطار الجميل» غرب المدينة، والإنزال الفرنسي في منطقة «الرسوة» جنوب بورسعيد وفي منطقة «الكارانتينا» جنوب بورفؤاد، علاوة علي الإنزال البرمائي البحري على شاطئ بورسعيد الرئيسي ليشكل الإنزال الرأسي بالهليوكوبتر البريطاني يوم ٦ نوفمبر إتماما كاملا لوصول قوات العدوان على مدينة بورسعيد .


في المنطقة السرية من أعمال المقاومة لهذا العدوان الثلاثي التي كانت مخفية وراء تحركات الرئيس المصري جمال عبد الناصر السياسية والإعلامية، أصدر عبدالناصر قراره الجمهوري بتشكيل المقاومة السرية الشعبية وتعيين «البكباشى عبدالفتاح أبوالفضل « فيما بعد مسئولا عن المقاومة الشعبية في بورسعيد «نائب رئيس المخابرات العامة فيما بعد»، ثم عين الرئيس «الصاغ كمال الدين حسين» ليقود المقاومة الشعبية في الإسماعيلية حيث كان كمال الدين حسين مسئولا عن كافة تشكيلات الحرس الوطني، فتوجه كمال الدين حسين إل ى الإسماعيلية وبقى في مسئوليته هناك مكلفا بتقديم الدعم اللازم لمدينة بورسعيد، حتى انتهى العدوان وغادرت القوات الأنجلوفرنسية المعتدية أرض مصر، كان يشارك كمال الدين حسين في قيادة المقاومة الشعبية كلا من «الصاغ محمد كمال الدين رفعت» القائد العام لتجمعات المقاومة السرية في منطقة القنال، والمنسق العام للمقاومة والعمليات والمخابرات الخاصة بالمقاومة، «البكباشى محمد عبد الفتاح أبوالفضل» تولى مسئولية تحقيق مهمته التاريخية كقائد المقاومة والمنفذ للعمليات السرية والعسكرية ضد قوات الاحتلال في بورسعيد بناء على أوامر الرئيس جمال عبد الناصر، وكان يصاحب البكباشى عبد الفتاح أبوالفضل كل من ضباط المخابرات الآتي أسماؤهم: « اليوزباشي سمير محمد غانم» قائد العمليات الفدائية والمقاومة والتنسيق مع قوات الصاعقة، و «الملازم فرج محمد فرج» قائدا للاتصالات اللاسلكية في بورسعيد وخارج بورسعيد حيث كان مسئولا عن جهاز اللاسلكى المخبأ في منزل يحيى الشاعر، لتحقيق الاتصال برئاسة الجمهورية وإدارة المخابرات العامة في القاهرة، و»الصاغ سعد عبد الله عفرة « قائد المرحلة الثانية في المقاومة السرية، وقد تسلل إلى بورسعيد متنكرا في زي رجال الأسعاف ليتولى قيادة المقاومة بدلا من البكباشي عبدالفتاح أبوالفضل، الذى استدعي إلى القاهرة للإشراف على جميع عمليات المقاومة في القنال، و «الصاغ محمود حسين عبدالناصر « من المسئولين عن مجموعة التخطيط وتزويد الأسلحة، و «اليوزباشى محمد فائق» الذي شغل منصب «وزير الإعلام» فيما بعد، وهو كان من المسئولين عن مجموعة التخطيط وتزويد الأسلحة، وقد تسلل في بداية العدوان إلى بورسعيد لوضع تقدير موقف شامل قام برفعه إلى زكريا محيي الدين مدير المخابرات ووزير الداخلية حينئذ .


في هذا التوقيت كان زكريا محيي الدين هو رجل المرحلة الدقيقة وجندي المعركة والمشهد الذي كان يستهدف مشروع ثورة يوليو برمته، فزكريا محيي الدين لم يكن عضوا عاديا بتنظيم الضباط الأحرار بل كان أحد أنجب العقول والأكثر مهارة في مجال العمل الأمني والاستخباراتي، والمناصب التي تقلدها مباشرة بعد نجاح ثورة يوليو ١٩٥٢م تتحدث وحدها عن تلك الصفات وعن حجم الثقة الهائلة التي يتمتع بها لدى زملائه وأولهم الرئيس جمال عبد الناصر، فقد تولى زكريا منصب مدير المخابرات الحربية عامي ١٩٥٢، ١٩٥٣م ومنه عين وزيرا للداخلية في ١٩٥٣م، وأسند إليه بجوار منصبه الوزاري إنشاء إدارة المخابرات العامة المصرية من قبل الرئيس عبد الناصر في العام ١٩٥٥م، وهما المنصبان اللذان كان محيي الدين يشغلهما وقت وقوع العدوان الثلاثي فإذا به يضعهما بكامل جهدهما في خطوط المواجهة الأولى منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، بدأت المخابرات العامة المصرية تتخذ الإجراءات اللازمة لإنشاء تشكيلات المقاومة السرية الشعبية المسلحة وتدعيمها بالأسلحة والمعدات وتولى ذلك الصاغ محمد كمال الدين رفعت القائد العام لتجمعات المقاومة السرية في منطقة القناة، وقد اتبعت المخابرات العامة في قيادتها مبدأ المرونة الميدانية في توجيه عمليات المقاومة المسلحة، سواء كان ذلك بالنسبة للتشكيلات أو العمليات السلبية للمقاومة الشعبية، حيث كان مبدأ تنفيذ العمليات الميدانى الذاتي والتحرك المستقل المعتمد على أسس حرب المقاومة السرية المسلحة، لتسهيل أمر التنفيذ الميداني المتناسق للوضع في حينه، وكانت التعليمات والأوامر تصل باللاسلكى لتحدد القيام بنوع معين من المقاومة دون التدخل في طريقة التنفيذ أو في تحديد تفاصيل، مثل كيفية القيام بالعملية أو مهاجمة الهدف نفسه وذلك محافظة على حرية التحرك الميدانى وعلى مبدأ المرونة وحرية التحرك الذاتي، وتعتبر «عملية اختطاف أنتوني مورهاوس» و «مهاجمة الضابط جون وليامز» و «مهاجمة المدرسة اليونانية» أو العمليات اليومية الأخرى من أفضل الأمثلة على نجاح نظام القيادة الذاتي المتبع، والجدير بالذكر هنا أن إدارة عمليات المقاومة كانت تتم من داخل «غرفة ضابط المباحث» بالدور العلوي لـ «قسم بوليس العرب»، وهو آخر مكان يمكن أن تتصوره القوات البريطانية أو الفرنسية حينئذ فضلا عن أنه كان يوفر قدرا عاليا من السرية المطلوبة للتفاصيل والمهام .


كُلف ضباط المخابرات والشرطة المتواجدون بداخل مدينة بورسعيد بتشكيل مجموعة من الخطوط الدفاعية بالاستعانة بالمقاومة الشعبية التي تم تنظيمها، وكانت تلك المهمة على عموميتها ومرونتها التي تحدثنا عنها هي المهمة الأكبر والأكثر أهمية لتنفيذ أعمال المقاومة الحقيقية، وشكل بالفعل خط الدفاع التعطيلي الأول وكان موقعه بطرح البحر في شارع الكورنيش الرئيسي على الشاطئ مباشرة، حيث كان يمتد إلى الخلف اعتبارا من خط المياه حتى شارع «٢٣ يوليو»، ولقد استعمل بعض المدافعين الكبائن كساتر لهم للاختفاء بل نصبت تحت بعضها رشاشات مضادة للطائرات «عيار ٢٠ ملم» في مواجهة «سور ميناء الصيد» وطابية السلام بالقرب من عمارة حمزة، وتواجد أسفل تلك الكبائن الخشبية وفى الغرف المبنية من الطوب الموجودة أسفل بعضهم بعضا من جنود المشاة وجنود الجيش وضباط الشرطة والمخابرات، والعدد الكبير كان من أفراد الحرس الوطني مواطنى المدينة الذين كانوا يعلمون كيفية استعمال السلاح، وأغلبهم جنود سابقون، وعندما قامت الطائرات صباح يوم الأحد ٤ نوفمبر ١٩٥٦م بمهاجمة الشاطئ وواجهتها المقاومة بالمدافع الرشاشة، رفعت حدة الهجوم يوم الاثنين باستعمال قنابل النابالم الحارقة، دعم البعض كمائنهم تحت الكبائن التى هوجمت يوم الإثنين بكثافة وأحرق العديد منهم، غير أن البعض قد تبقى وأصبح نقط مقاومة شرسة انتظارا للإنزال البرمائى المتوقع، وهو الذي بدأ في الصباح المبكر «الساعة السادسة وأربعين دقيقة ..يوم الثلاثاء ٦ نوفمبر»، كانت نقاط القناصة كمينا قاتلا حيث قتل العديد من جنود الكتيبة ٤٠ والكتيبة ٤٢ وهم «كـوماندو رويال مارين» من النخبة البريطانية، وكانت الدبابات السنتورين ٤ قد بدأت النزول في المنطقة سييرا الخضراء أمام «كازينو البحر»، حينها طلب كل من قادة جنود الكتيبة ٤٠ والكتيبة ٤٢ «كـوماندو رويال مارين» مساعدة الدبابات البريطانية لحصد وتحطيم الكبائن وإسكات من فيهم من مقاومين .


وقد كانت من أبرز عمليات المقاومة السرية التي تم تنفيذها فيما بعد الحصار البريطاني الفرنسي للمدينة وإتمام وصول قواتهما العسكرية والاستخباراتية المشاركة في العدوان، هي كالآتي: ـ


ـ عملية خطف الضابط البريطاني «الملازم أنتوني مورهاوس» وقام بها كل من: محمد عبد الرحمن حمد الله، وطاهر مسعد، وحسن عثمان، وأحمد هلال، ومحمد إبراهيم سليمان، وعلي زنجير، ويوزباشى شرطة عز الدين الأمير .


ـ عملية قتل ضابط المخابرات البريطاني «الميجور جون وليامز» الذي كان يحاول متابعة واكتشاف رجال المقاومة، وقد قام بهذه العملية السيد محمد عسران.


ـ عملية ضرب ملجأ الدبابات البريطانية المتمركزة في الشريط الساحلي، وقد قام بتلك العملية ضباط الصاعقة المصرية بقيادة اليوزباشى جلال الهريدي، وشارك بها من الصاعقة الملازمون: إبراهيم الرفاعي، ونبيل الوقاد، ومحمد أحمد الجيار، ومحمد أحمد وهبي، وعبدالعزيز منتصر، وطاهر الأسمر، ومدحت الدربي، وسيد حسانين حطبة، وعصام حسن إبراهيم، وعبدالمجيد إدريس، وعبدالجواد حسنى، ومحمد حسن عبدالحميد، وفاروق الرفاعى، ومحمد على عبدالفتاح، ومدحت يوسف، وحسن محمد السيد، وقد استشهد الشاويش رمضان عبدالرازق من الصاعقة، واشترك في هذه العملية من رجال المقاومة من أهل بورسعيد: السيد عبدالغني، ورشاد الطرابيلى، والسيد البوصي، ومحسن عبدالخالق، وشعبان عبده، وكامل فتيح، وقد اشترك في وضع الخطة الرائد محمد عبدالفتاح أبو الفضل من المخابرات العامة، ويوزباشى جلال هريدي، ويوزباشى سمير محمد غانم، ويوزباشى شرطة مصطفي كمال الصياد من الداخلية .


ـ فضلا عن عمليات مختلفة ومتنوعة مثل مهاجمة البريطانيين في مباني الجمرك، وعمل الكمائن اليومية في الشوارع الرئيسية والفرعية، ومهاجمة معسكرات إقامة القوات الفرنسية بمباني مدارس بورسعيد، وتنفيذ عمليات هجوم واستيلاء على أسلحة جنود الدوريات البريطانية والفرنسية بالشوارع، وعمليات هجومية أخرى نفذت بأحياء «الإفرنج، العرب، وسط المدينة» .


رحم الله هؤلاء الرجال الأبطال الذين سطروا بجهدهم وتفانيهم ملحمة البطولة في داخل مدينة بورسعيد، والتي تناقلتها كافة وسائل الإعلام العالمية حينئذ حتى أصبحت بورسعيد رمزا للوطنية والشجاعة وملهما عالميا لشعوب صديقة كانت تخوض معارك مماثلة ضد قوات الاحتلال، كان التناغم والاحترافية ما بين الشعب البورسعيدي وضباط الجيش والشرطة والاستخبارات مثالا نادرا استطاع أن يترجم البطولة إلى انتصار كامل على هذا العدوان من قوى شر هذا الزمان البعيد، الذي نسترجع ذكراه فيزيدنا فخرا بهؤلاء الأبطال دوما والعديدين غيرهم ممن غابوا بأسمائهم، لكن عملهم الرائع سيظل مشرقا في جنبات مدينة بورسعيد عنوانا دائما للانتصار.