المؤرخ سامى عبد الفتاح: الإنجليز ضربوا «الجبَّانات» بالمدافع

26/10/2016 - 12:55:28

تقرير: محمد أمان

عندما تخط قدماك مدينة بورسعيد ستداعب أنفك رائحة الدم المقدس الذى روى المدنية الباسلة، قبل ٦٠ عامًا من الآن، ما عليك سوى أن تتقدم خطوات حتى تصل إلى شارع ٢٣ يوليو، تقابلك لافتة صغيرة تحمل عنوان «مقابر الشهداء»، فى مواجهة البوابة نصب تذكارى كُتبت عليه الآية الكريمة «ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون»، يصطف عشرة مقابر عرضًا فى صفوف بمجموع ٦٠ مدفنًا، كلها مطلية باللون الأبيض، وعلى واجهة كل مقبرة لوحة رخامية تحمل اسم ساكنيها فى دار الحق، قد تجد اسماً واحداً، أو اسماً لمجموعة، بينما تشير لوحة إلى مقبرة تضم ٥٩ شهيداً مجهولاً.


هذه بورسعيد، وهولاء هم الشهداء، وتلك هى الأرض التى شهدت تاريخاً من الكرامة والصمود، يروى قصتها فى السطور التالية، سامى عبدالفتاح، أحد مؤرخى مدينة بورسعيد، قائلًا: حين سيطر العدوان على كل المدينة، اتخذ له بعض المقرات كمراكز للقيادة، وأخرى استخدمها كسجن لرجال المقاومة، وتعددت هذه الأماكن فضمت مبانى «نيفى هاوس»، و»هيئة القناة» بميناء بورسعيد، و»نادى المعارف».


مبنى مدرسة العدوى، كان مقرًا لإدارة الدبابات، ودارت فيها المعركة الشهيرة التى عُرفت باسم «يوم الدبابات»، ومبنى مدرسة صفية زغلول، والذى أحالته قوات العدوان إلى سجن، وسجن آخر اتخذته القوات الفرنسية، هو مبنى مدرسة الليسيه، والنادى المصري.


«عبدالفتاح» قال إن العدو بلغ به حدا من العار، أن قذف جبَّانات المدينة بالقنابل، فلم تسلم الموتى من مدافع الإنجليز، ولم يحترموا حرمة ولا ديناً، فبات الأمر صعباً على شعب المدينة الباسلة فى العثور على مكان آمن لدفن الشهداء، خاصة بعدما تزايدت أعداد القتلى فى شوارع وحوارى بورسعيد، وراحت رائحة الموت تنتشر فى كل المدينة، فما كان من العدو، إلا أن قام بدفن من يموت من أبطال المُقاومة فى أماكن القيادة، والأماكن الأخرى التى حولها إلى سجون.


ويكمل «عبدالفتاح» أن المدينة واجهت وقتها خطر شبح انتشار الأوبئة، نتيجة تناثر جثث القتلى فى الشوارع والطرقات، فنقل البطل البورسعيدى حامد الألفى، إلى المحافظ البطل محمد رياض فكرة دفن الشهداء فى أماكن استشهادهم، وذلك لقلة وجود وسائل لنقل الجثث إلى المقابر، وضرب الجبَّانات بالمدافع، وبالفعل تم دفن شهداء الفدائيين فى الشوارع والحواري، حتى تضع الحرب أوزارها.


وفى يوم الجمعة ٢١ ديسمبر عام ١٩٥٦، أمر الرئيس جمال عبدالناصر بإنشاء وزارة باسم «وزارة شئون بورسعيد» وتولى رئاستها عبداللطيف بغدادى، الذى كان وزيرًا للحربية، على أن تتولى هذه الوزارة مع جميع وزارات مصر، العمل على تسخير كافة إمكانات الدولة لإعادة الحياة كما كانت إلى بورسعيد، وذلك فى غضون ٦ أشهر فقط.. كما قرر «بغدادي» نقل جثث الشهداء فى معركة بورسعيد إلى مقابر جديدة، باسم «شهداء بورسعيد» فى الباب الأول من مقابر المدينة.


المؤرخ البورسعيدى قال، إنه تم نقل جثث الشهداء فى موكب وصفه بالمهيب، من شوارع وحوارى بورسعيد، ومن النادى المصرى وغيره من الأماكن، وفى جنازات مُهيبة وسط الدموع ودعت بورسعيد شهداءها فى جنازات شعبية ورسمية، لم تشهدها المدينة فى تاريخها.


«عبد الفتاح» قال إن المُناضل الكبير حامد الألفى، صاحب فكرة دفن الشهداء فى شوارع وحوارى المدينة، أوصى بأن يُدفن مع الشهداء بعد وفاته، وكان له ما أراد.. ويتذكر: مقابر الشهداء فى كل شبر من أرض بورسعيد، التى ارتوت بهذه الدماء الذكية، وتشرفت ربوع المدينة الباسلة باحتضان الجثث الطاهرة بين ترابها، فصارت أرضها أرضًا طاهرة، لأنها خُضبت بأذكى الدماء عند الله تعالى.. والنادى المصرى البورسعيدى نال الشرف الكبير كغيره من أرض المدينة، بعدما تم دفن الشهداء به، حتى توج كناد يرمز للوطنية والصمود فى قلوب أبناء الشعب البورسعيدى الباسل.