الدكتور حسام عيسى يتذكّر لحظة ٥٦: الإخوان كانوا ضد الشعب وضربناهم بـ«الشلاليت»

26/10/2016 - 12:53:56

حوار: إيمان رسلان

عيسى الذى كان فى السنة الثالثة بكلية الحقوق فى هذا العام، قال إن الجامعة تحولت إلى خلية نحل ومعسكرات للتدريب على حمل السلاح، والجميع شارك طلابا وأساتذة حتى البنات كن يتدربن على التمريض والعلاج، قال إن الشوارع كانت تعج بالفرحة منذ قرار التأميم وحتى انتهاء العدوان الغاشم فى ديسمبر ١٩٥٦ والذى بمقتضاه أصبحت إسرائيل فى ذلك الوقت هى العدو الأول لمصر.


عيسى قال إنه قبل العدوان لابد وأن نتحدث أولاً عن عام ١٩٥٦ نفسه، لأن العدوان الغاشم من ثلاث دول كان نتيجة أحداث سبقته، وتحديداً قرار التأميم لقناة السويس فى ٢٦ يوليو ١٩٥٦، التى رفعت أسهم الرئيس عبد الناصر، وأصبح بعدها عن حق يستحق لقب الزعيم، وأصبحنا نقول الزعيم الأوحد عبد الناصر، لأنه قبل ذلك التاريخ وتأميم قناة السويس كانت هناك مناقشات سياسية واسعة فى البلد حول تنظيم الضباط الأحرار وثورة يوليو، وكانت فى بدايتها الشعبية كلها لمحمد نجيب لأنه كان فى الصدارة أو واجهة الحركة المباركة، كما أطلق عليها فى البداية، ولم تكن هناك شعبية كبيرة لعبد الناصر، نعم الناس تعرفه، لكن الشعبية الكبيرة لم يكن قد حصل عليها بعد وقبل قرار التأميم، كانت أغلب البيوت، خاصة من ينحدر منهم من أسر سياسية يتكلمون فى السياسة، بل كان هناك شبه اجتماع أسبوعى للعائلات تتكلم فى السياسة وأحوال البلد، وأسرتى بالكامل كانت من هذا النوع، أى أننى تربيت فى أسرة سياسية تعشق الوفد بأغلبية كاسحة، كان أبى يعشق النحاس باشا، بجانب أن كثيراً من أفراد أسرتنا يتداولون ويتناقلون عبر الأجيال حكاية حفر قناة السويس، حكايات الذل وما حدث فى أعمال الحفر والسخرة بها، ولذلك ارتبطت فى وجدان عائلتى، ثم وجدانى، أن العزة والكرامة لن تعود إلا بعودة القناة لمصر، وأذكر للتدليل على هذا المناخ أننى مرضت فى شهر يونيه ،١٩٥٦ وتم تشخيص حالتى على أنها “حمى روماتيزمية” وكان الطبيب المشرف هو دكتور عزيز البندارى، ابن البندارى باشا، وكنا نطلق عليه أنه متزوج من مستشفى الطلبة الجامعى، وذلك لكونه وهو المدير المسئول، متواجداً به دائماً، حتى أنه يغادره الساعة ١٢ مساء، ثم فجأة يعمل “كبسة” فى الفجر أو الساعة الرابعة صباحاً ليتابع العمل.


ولما كان مرض الحمى يستلزم الراحة التامة فى المستشفى، كان دكتور البندارى، يأتى مساء ويسهر ونتكلم عن الثورة وتنظيم الضباط الأحرار، وكان مؤيدا لحركة الضباط، فى حين أننى كنت أميل أو أحب اليسار والشيوعيين، لأن مطلبهم الأساسى كان هو ضرورة تأميم قناة السويس، ولأننى كنت أحب محمد فريد، وكان هو أيضا منذ وقت مبكر يطالب بتأميم القناة، لذلك دخلت فى مناقشة طويلة مع البندارى، ثم بعد أن خرجت من المستشفى، كنت أقابل أصدقائى من طلاب الجامعة، وخاصة فتحى نجيب، وممدوح البلتاجى، وكنا ثلاثة أصدقاء لا نفترق.


كان فتحى نجيب، الذى أصبح رئيسا المحكمة الدستورية العليا فيما بعد، شخصية فريدة من نوعها وفى تكوينها الإنسانى والفكرى، كان نصيراً للمرأة المصرية، وصاحب فكرة صدور قانون الخلع، وهو صديق عمرى، ولذلك كانت مناقشتنا سياسية كلها، وأذكر أننا كنا فى الاسكندرية، وكان حديث الكورنيش كله عن ماذا سوف يفعل جمال عبد الناصر، وكنت استجم هناك، ولكن بسبب ما عدت إلى القاهرة قبل خطاب الزعيم فى ٢٦ يوليو، وكنت فى منزلى مساء هذا اليوم، حيث كنت أسكن فى شارع المواردى بالمنيرة، بالقرب من شارع قصر العينى، وحينما أعلن عبد الناصر فى خطابه الشهير تؤمم الشركة الوطنية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية، إلا وانفجر الجميع ببكاء الفرح والهتاف، ونزلت الناس إلى الشارع، وأخذت قهوة بالمواردى توزع “الحاجة الساقعة” ببلاش على الناس، كانت هذه قهوة الغلابة، وكانت أروع لحظات حياتى على الإطلاق، لأن قرار عبد الناصر بالتأميم كان رداً على رفض تمويل وبناء السد العالى الذى كنا نحتاج له فى التنمية، أى كانت هناك حرب حقيقية ضد مصر، ولا سيما حرب اقتصادية.


الحرب ضد مصر لا تزال مستمرة


بالنسبة لأستمرار الحرب على مصر، أعتقد أن القضية اختلفت الآن، لأن الغرب فهم بوضوح أن الجيش المصرى جزء من الشعب المصرى، وأن تاريخه مختلف تماماً، والحرب فى الماضى كانت منعاً نهائياً عن كل شئ، فمثلاً صفقة الأسلحة مع التشيك عام ١٩٥٥ كانت فى الحقيقة صفقة من السوفيت، نظراً لأنهم حتى منعوا عنا المسدس والبندقية للشرطة، الآن الأمر اختلف تماماً، فتأميم قناة السويس أعادت لنا العزة، وهم ردوا بالحرب والعدوان، وأذكر أننى دعيت منذ فترة للإذاعة، وعندما سألنى المذيع: تحب تسمع إيه، قلت له: أحب أسمع صوت عبد الناصر وهو يقول «تؤمم شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية» لأن هذه هى أغنية جيلى، لذلك عرفنا منذ اللحظة الأولى لإعلان التأميم، ورفض إنجلترا وفرنسا له أن الحرب والعدوان سيحدث.


أيام العدوان


يتذكر عيسى أيام العدوان، ذهبت قبلها إلى الإسكندرية، وكان الحديث الوحيد للناس هناك عن ماذا سيحدث بعد ذلك، وهل ستقوم الحرب، ومتى، وفى ذلك التوقيت تواكب مؤتمر لندن الذى عقد للبحث فى أمر التأميم، وتم اتخاذ قرار منهم بإرسال لجنة لمقابلة عبد الناصر، وتوجيه إنذار إلى مصر، وحينها صرح الرئيس عبد الناصر بوضوح وكبرياء أنه سيستقبل اللجنة، ولكن إذا تم طرح موضوع الإنذار فسيرفض، وبالفعل جاءت اللجنة إلى مصر وتم توجيه الإنذار، وقام عبد الناصر وأنهى الاجتماع فى الحال، وخرجت الناس للشارع فقد كان يوماً للعزة الوطنية، ولكن قبل أن أقفز على الأحداث أحب أعود إلى لحظات إعلان تأميم قناة السويس، فكما قلت أننى كنت فى منزلى بالمواردى بالمنيرة، أى على ناصية شارع قصر العينى، وكان عبد الناصر بعد خطابه فى الإسكندرية وإعلان التأميم سيعود إلى القاهرة مباشرة إلى مقر مجلس الوزراء الذى يبعد عن منزلى بنحو ٣ دقائق فقط، أملا أن أرى عبد الناصر، لكن هيهات أن يكون هناك مكان لقدم واحد يتحرك، وظللنا فى الشارع لأن الرئيس عبد الناصر تأخر به القطار من كثرة الناس التى كانت توقفه فى كل محطة، وحينما وصل محطة مصر برمسيس ليأخذ السيارة إلى مجلس الوزراء، كان الزحام رهيبا، وبالقرب من ميدان التحرير لم تستطع السيارة مواصلة السير، فرفعها الناس حاملين إلى مجلس الوزراء إلى أن وصلت الساعة الخامسة مساء، رغم أن الموعد المحدد للزيارة كان فى الساعة الواحدة ظهرا، وعندما وصل أخذ الميكرفون وخطب فى الجمهور وكانت كلمات وخطبة لا تنسى، قال فيها كيف يتحدث وزير خارجية فرنسا بهذه الوقاحة عن مصر، لن أرد وسوف أترك الرد عليه للجزائر، فخرجت الشعوب العربية فى الجزائر وغيرها ترد على وزير خارجية فرنسا وأخذنا نهتف معه، حتى أننى شعرت معها فى هذه اللحظة أن السماء تشاطرنا الفرح والعزة والكرامة والثأر لما حدث فى حفر قناة السويس، ووفاة ١٢٠ ألف مصرى أثناء الحفر.


وهنا أحب أن أقول شيئاً خاصة للأجيال الجديدة، والتى شاهدت فيلم ناصر ١٩٥٦ للمخرج محمد فاضل، والعبقرى أحمد زكى، وهو أن مشهد العملاقة أمينة رزق فى الفيلم، وهى تدخل للقاء عبد الناصر، تحمل بقايا ملابس ابنها من الصعيد الذى مات فى حفر قناة السويس، وتقول إنها الآن سوف تستقبل العزاء، بعد أن أخذ عبد الناصر بثأر ابنها، أقول إن هذا المشهد حدث فى الواقع فعلا.


الجامعة معمل بارود


لم يقم العدوان مباشرة فى يوليو أو حتى أغسطس، وعدنا إلى الجامعة جميعاً فى سبتمبر، وكان باب التطوع قد فُتح لنا، وبدأنا التدريب فى معسكرات أقيمت بالجامعة، وتحديداً بكلية الطب، وكنا نتدرب على حمل السلاح والضرب بالبندقية، وأذكر أن التدريب استمر فترة طويلة حتى قامت الحرب فى ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ وهو يوم لن أنساه أبدا، أتذكره كما لو كان بالأمس، ففى المحاضرة الأولى، وكنا فى السنة الثالثة بكلية الحقوق، وكانت للدكتور محسن شفيق، دخلنا جميعاً إلى المحاضرة، وسكت الرجل قليلا وقال اليوم انتهى وقت الكلام، وجاء وقت الموت فى سبيل الوطن، وخرج من المحاضرة بعد هذه الكلمات الحماسية بصدق ووطنية، واتجهنا جميعاً إلى معسكرات التدريب بكلية الطب، وكنا نتدرب فى نوبات، البعض يستريح أو ينام، والبعض يستيقظ، وكان معى بجانبى طالب دفعتى جواد حسني، وعندما قمت فى الصباح الباكر، لم أجده فى المعسكر، وعرفت أنه ذهب إلى بورسعيد، فنظمنا مظاهرة نطالب بالسفر مثله إلى هناك، لأننا كنا بالفعل نشعر بالغيرة من شجاعته، ولكن كانت الأوامر صدرت، بعد أن نزل الإنجليز إلى المدينة، بأن المقاومة فقط للمحترفين والمتدربين تدريبات خاصة على مواجهة العدو فى حرب المدن، واقتنعنا بأن دورنا فى القاهرة والمدن والقرى مهم للدفاع عن المدينة، والمدهش أنه عند إعلان وقف إطلاق النار فى ديسمبر ١٩٥٦، أى بعد ما يقرب من شهرين من بدء العدوان، وإعلان تسليم السلاح، قام الشعب المصرى بتسليم عهدته كاملا، بمعنى أنه لم تختف قطعة واحدة من السلاح الذى تم تسليمه لأفراد الشعب، مع الأخذ فى الاعتبار أننا لم نكن قد وقعنا على أية أوراق تفيد استلام هذا السلاح، رغم انتشار معسكرات التدريب فى أماكن عدة بالجمهورية، والتى كان يطلق عليها معسكرات الحرس الوطنى.


طالبات الجامعة والعمل الوطني


طالبات الجامعة تطوعن أيضا فى العمل الوطني، وقمن بدورهن فى علاج المصابين والمرضى، بل وتقدمن بطلب بالذهاب إلى بورسعيد، وكن معنا فى معسكرات التدريب بالجامعة، ولأن القيادة العسكرية فى ذلك الوقت لم توافق على تدريب الطالبات على حمل السلاح، فتم اتخاذ قرار بأن يكون تدريبهن فى الخطوط الخلفية من أجل العلاج والمساعدة، ولا ننس أن أوضاع المرأة فى ذلك الوقت كانت مازالت “محافظة”، وكان عدد الطالبات بالجامعة قليلاً، مقارنة بالأوضاع الآن، حتى لم يكن حق الانتخاب والترشح قد أقر للمرأة، على ما أتذكر.


أول مواجهة حقيقية بين الشعب المصرى وإسرائيل


كان الشعور العدائى الأكبر طوال النصف الأول من القرن العشرين تجاه الاستعمار الإنجليزى المحتل للأرض، ولكن لا ننس أن قضية إسرائيل بدأت تدخل فى وجدان المصريين حتى قبل إعلان دولتهن من خلال الممارسات والقتل للفلسطينيين ثم جاءت حرب ١٩٤٨، فبدأت إسرائيل تستحوذ على الاهتمام نظرا لاشتراك مصر وجيشها فى هذه الحرب، ومنهم عنبد الناصر نفسه والضباط الأحرار، ولكن كان النظر إليها من باب العروبة والدفاع عن العرب وفلسطين، حتى أثثناء العدوان على غزة ١٩٥٥ كان التعاطف مع الفلسطينين، ولكن فى حرب ١٩٥٦، أعلنت إسرائيل عدائها الصريح والواضح والمباشر لمصر، ومن هنا أصبحت إسرائيل هى العدو المباشر للمصريين، ومن عاش فى هذه الفترة لايقبل بحال من الأحوال الصلح مع العدو الإسرائيلى.


موقف الأمريكان والسوفيت


كان موقف الاتحاد السوفيتى بجانب مصر رائعا، وكل المصريين يعرفون ويعلمون أن السوفيت صديق لمصر، لأن قبلها فى عام ١٩٥٥، وعقب مؤتمر باندونج، تم عقد صفقة الأسلحة التشكيلية، وهى فى الحقيقة صفقة أسلحة من الاتحاد السوفيتي، وكان الغطاء أنها من التشيك لأن العالم كله كان عنده “صرعة” من الشيوعية، خاصة وأن ثورة ٥٢ كانت فى البدايات الأولى لها، فتم الإعلان عن الصفقة على أنها من التشيك، وتم ذلك بموافقة الروس، لذلك حينما وجه الاتحاد السوفيتى إنذارا لدول العدوان الثلاثى هدأت الأوضاع، خاصة أن بعد الإنذار السوفيتى أتخذت أمريكا موقفاً من العدوان وقامت بإدانته، وبالتالى أصبح لدول العدوان الثلاثى فرنسا وإنجلترا وإسرائيل شعور بأنهم لن ينتصروا، وأنه لا أحد سيقف معهم حتى الولايات المتحدة.


ولا ننس هنا موقف الصين، والدعم الذى قدمته لنا فى هذه الفترة أثناء العدوان، ردا على اعتراف الشعب المصرى بثورتها سنة ١٩٤٩، وقتها أعلن الصينيون أن هناك نصف مليون صينى طلبوا السفر إلى مصر والتطوع بجوار جيشها لرد عدوان ٥٦، ولم يكن هذا مجرد كلام، بل ذهب هؤلاء إلى مقر السفارة المصرية ببكين ليسجلوا طلب التطوع بجانب الجيش المصرى، تخيلوا نصف مليون إنسان بجانب الجيش المصرى، وكان لذلك أكثر من دلالة كافية أن الحرب والعدوان لن ينتصروا، ولن تعود مصر تحت الاحتلال، كما لن تعود قناة السويس إليهم، وانتصرت مصر على العدوان وأممت القناة.


موقف الإخوان المسلمين


كان الإخوان المسلمون يشككون دائما فى نوايا الضباط الأحرار والرئيس عبدالناصر، وكانت دائما هناك معارك “ضرب” بينا وبينهم، والضرب أيامها كان بالشلاليت والبوكس، “ضرب شوارع يعنى”، ولكن كان الموجود على الساحة أيامها من الإخوان هم قيادات الصف الثانى والثالث، لأن القيادات الكبيرة كانت فى السجون عقب محاولتها الفاشلة لاغتيال عبدالناصر فى المنشية عام ١٩٥٤، ولكنهم كانوا موجودين فى الشارع، ودائمى التشكيك والشكوى حتى بعد إعلان قرار التأميم لقناة السويس، ولكنهم اختفوا تماما ونهائيا بعد الإنذار البريطانى بالحرب ونزول قوات الإنجليز إلى بورسعيد، ولم نسمع أصواتهم فى الشارع بعد ذلك.