صباح الخير.. يا سينا

26/10/2016 - 12:50:45

تقرير: سميحة درويش

أرض الفيروز لا تزال عامرة بحكايات البطولة المخضبة بدم الشهادة والكرامة، الأرض المقدسة التي روى ترابها دم المصريين على مدار تاريخها كانت في يوم من الأيام عروسا قبل أن يتكالب عليها الأعداء طمعا ورغبة في السيطرة على سيناء، بوابة مصر الشرقية، وحامية صحرائها الممتدة عبر التاريخ.


سيناء كانت أرضا واحدة قبل تقسيمها إلى محافظتين جنوبا وشمالا، وإلى عام ٥٦ كانت سيناء كتلة واحدة يدير شئونها الحاكم العسكري، وكانت قوات حرس الحدود تحكمها أمنيا، لم يكن للشرطة تواجد في تلك الفترة البعيدة إلا في عهد الرئيس السادات بعد تحرير الأرض واستعادة الكرامة.


ملابسات الحرب القصيرة المدي، في عام ٥٦ علي سيناء واحتلالها لمدة شهرين، كانت لها عظيم الأثر في نفوس أبنائها الذين قاوموا العدو، ودافعوا عن أراضيهم، كتفا بكتف، ويدا بيد مع جيشهم الوطني، ومشاركته في صد المقاومة المسلحة في الدفاع عن بورسعيد، في ملحمة بطولية حققت نصرا لمصر، وردت كيد العدوان الثلاثي الغادر (إنجلترا و فرنسا وإسرائيل) التي انسحبت بقواتها بعد أوامر أمريكية بوقف القتال، وتهديد سوفيتي للدولتين العظميين بالحرب عليهما.


دفتر المقاومة عامر بروايات أبطاله، يتذكر عم حسن خلف، ٧٦ سنة، شيخ مجاهدي سيناء، شيخ قبيلة السواركة، هذه الفترة فيقول إنها محفورة بذاكرته رغم صغر سنه وقتها، مازال العم حسن يحفظ عن ظهر قلب تفاصيل العدوان الإسرائيلي من حكايا والده وجده المناضلين».


«تعداد السكان حينئذ لم يكن بالكثافة التي تدعو إلي القلق من الاحتلال، حيث إن العدو لم يصل إلي عمق سيناء علي الإطلاق بحسب ما يرويه لي والدي الذي شارك وتعاون مع الجيش في الصمود والتحدي طوال حروبه علي سيناء، وأيضا لطبيعة جغرافيا المكان، حيث كان السكان يستقرون علي أطراف متباعدة ومترامية في الصحراء، بالإضافة إلى عدم تأثرنا بأي خلل في ظروف المعيشة اليومية»، ويضيف الشيخ حسن بأنه رغم عمره الذي تجاوز العاشرة وقت الحرب، إلا أنه مازال يتذكر ذلك اليوم كأنه كان بالأمس القريب... «كانت قوات الجيش بجنوب العريش تتمركز في محمية «أبو عجيلة» علي مقربة ٤٠ كيلو مترا من جبل الحلال بوسط سيناء تدافع وتقاتل باستماته ضد إسرائيل التي تقدمت إلي العمق نحو قناة السويس حتي نجحوا في تطويقها، وذلك بسبب عدم إمداد الجيش المتواجد، وقلة عدد القوات المرابطة بعد قرار الرئيس عبد الناصر بسحب القوات للمشاركة في الدفاع عن القناة ضد هجوم فرنسا وإنجلترا.


العم حسن يستطرد: «رغم احتلال إسرائيل لسيناء بالكامل إلا أنها لم تدخل المدن، ولذا كان الأهالي في أمان بكل مدنها، وكان تعداد سكان العريش لم يتجاوز وقتها ٤٠ ألف نسمة، وبينما كان تعداد البدو في القري والنجوع ضئيلا للغاية، إلا أننا جميعا كنا علي أهبة الاستعداد للدفاع عنها صغير وكبيرا في حال تطورت الامور إلي الأسوأ، إلا أن احتلال سيناء لم يستغرق إلا شهرين، أو أقل، بعد فرض أوامر على قوات العدوان بالانسحاب تماما والعودة إلى حيث أتوا».


يلتقط إبراهيم الصيرفي محمد زغلول، أحد أفراد إحدى العائلات التي لها تاريخ عريق في المقاومة والمشاركة مع الجيش ضد العدوان علي سيناء، طرف الحديث من لسان عم حسن، يقول الصيرفي إنه كان يبلغ من العمر ١١ سنة حينذاك، وكان والده الموظف بهيئة سكك حديد مصر، ووالدته من عناصر المقاومة الشعبية في القنطرة شرق في كل الحروب التي خاضتها سيناء ضد الاحتلال الإسرائيلي الغاشم علي أراضيها، حتي نجحت في تحريرها بالكامل.


الصيرفي ينتقل من التاريخ إلى الجغرافيا، فيقول «كانت الطبيعة السكانية هادئة، يعمل أهل القنطرة في التجارة من وإلي غزة، حيث كانت تشبه إلي حد كبير طبيعة ومناخ المنطقة الحرة ببورسعيد»، ويضيف «كان يحكم القنطرة حاكم عسكري هو اللواء عبد المنعم القرماني، وكانت المدينة تعج بالوافدين إليها في موسم الحج من كل عام، حيث كان الحجاج يمرون عليها قبل مواصلتهم رحلتهم إلي الأراضي الحجازية في قوافل من «الجمال»، لم يكن هناك وسائل غيرها للتنقل والسفر لأداء مناسك الحج إلا بها، وكان مخصصا لقوافل الجمال «كارنتينة» (مكان حجر صحي للكشف على المسافرين)، وكان بيت عائلتي في ذاك الوقت مضيفة للقاصي والداني، وكل العائلات تعرف طبيعة حياتنا ومشاركتنا في المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي دفع دماء الوطنية فينا بعد دخول العدوان إلي القنطرة، واحتلالها ١٢ يوما متواصلين، مما دفعنا إلي الهجرة جميعا في أتوبيسات وقطارات حتي استقر بنا الحال في مدينة طنطا، لكن سرعان ما عدنا أدراجنا إلي بيوتنا في القنطرة شرق بعد أقل من أسبوعين ونهاية احتلال سيناء، وكانت القنطرة شرق تعج بالزوار والمسافرين والتجار الوافدين، كما كان لايسمح لأحد منهم بالدخول إلي سيناء إلا بتصريح من قبل حرس الحدود، وذلك عبر خطوط السكك الحديدية التي كان ينطلق منها القطار من القنطرة إلي غزة، حيث كان التجار يعودون وهم محملون بأفخر البضائع المتنوعة التي تمر علي هيئة الجمارك في حركة دؤوبة لا تنتهى».