زينب الكفراوى وعلية الشطوى: بطلتان من دفتر الفدائيات

26/10/2016 - 12:49:24

عادل جرجس

كان لابد لنا من أن نبحر داخل عالم الفدائيين الخاص، فالحديث معهم هو حوار مع التاريخ وجهاً لوجه، بحثنا عنهم. حاولنا أن نجد من بقى منهم على قيد الحياة، فالحكايات كثيرة والبطولات أكثر، لكننا كنا نسعى لنقدم صفحات جديدة من تاريخهم المشرف لم يكتبها التاريخ بعد، وكان لنا ما سعينا من أجله. زينب الكفراوى وعلية الشطوى سيدتان برائحة الشموخ والتحدي، ورغم أن الزمن قد رسم سنواته عليهما إلا أن وجهيهما لايزالان ينضحان بالصمود والمقاومة، تحدثث السيدتان، وكنا نظن أن حديثهما سيكون حديث فخر وتباه، هما أهل له، فلقد قادت السيدتان المقاومة النسائية أثناء العدوان الثلاثي فى بورسعيد، لكنهما تحدثتا بتواضع الأبطال، وفجرتا العديد من المفاجآت.


المقاومة لدى زينب وعلية أسلوب حياة، لأن هناك تحديات تحيق بالوطن تمثل عدواناً يجب مقاومته، فمصر مستهدفة دائماً، والعدوان يستهدفها بشكل دائم وإن تغيرت أشكاله وملامحه، وحديثنا مع السيدتين لم يكن حوارا، بل كان دخولا إلى التاريخ، والعيش داخل لحظاته ساعات قليلة، فمن منا قادر على محاورة التاريخ 


بين السلاح والقلم 


تبدأ السيدة زينب الكفراوى فى التقاط طرف الحديث والسرد، فتقول ( لم يكن يجول بخاطري وأنا ابنة الخمسة عشر عاماً أن يتحول مسار حياتي مثلما حدث أثناء العدوان الثلاثي فلقد كنت مثل بقية بنات جيلي فى هذا الزمان فما زلت في بداياتي فى مدرسة المعلمات وكانت تراودني دائما أحلام التخرج والعمل كمعلمة فى إحدى مدارس الأطفال وكانت لدى طموحات كبيرة فى تربية وتنشئة جيل أفضل منا يصنع ظروفا أفضل للحياة، فعلى الرغم من بساطة أهل بورسعيد فى هذا الزمان إلا أن الترابط الاجتماعى كان كبيراً بين أبناء المدينة الصغيرة الجميلة الهادئة، ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، لأجد نفسى قد تركت القلم ومعابد العلم وحملت السلاح داخل ميدان الحرب كان المشهد أسطورياً وخيالياً 


كأنه يوم الحشر.


فجأة تصحو المدينة الهادئة على دوى القنابل والانفجارات لم نعرف بعد من يستهدفوننا، ولا ماذا يريدون منا، لكن المؤكد أن الحدث استثنائي خارج الزمان، فالحرائق تشتعل فى شارع عبادى والروضة والسواحل والرجال يتساقطون فى الجميل ودوى صافرات الإنذار فى كل مكان و كأن السماء أمطرت دماء، وافترشت جثث الشهداء الشوارع والأرصفة ورائحة الموت تنبعث فى كل الأجواء فى البداية، لم يكن التنسيق لمواجهة هذا الهجوم الغاشم منظماً، لكنه كان تلقائياً نابعا من روح التحدي التى تولدت لدى الجميع كان علينا أن ندفن شهداءنا، وكانت هناك صعوبة فى التعرف عليهم، فشدة القصف واستخدام أسلحة محرم استخدامها ضد المدنيين أدى إلى تشوه جثامين الشهداء.


   المجموعات العشر 


بالتعاون مع قيادات الجيش والتنسيق مع جهاز المخابرات العامة المصرية بالقاهرة، تم تكوين عشر خلايا رئيسية للمقاومة داخل المدينة، وتم اتخاذ قسم شرطة العرب كمقر وغرفة عمليات لتلك المجموعات العشر، فيما عدا مجموعة المقاومة النسائية وتوليت قيادة تلك المجموعة وتنفيذ الأوامر التى تصدر لنا وكانت المجموعة تتكون من زينب الكفراوى وليلى النجار ورفقة العوادلى وزينب أبو زيد وسلوى الحسينى وكانت الأوامر الصادرة لنا تتعلق بنقل السلاح وتخزينه وإمداد المجموعات الفدائية المختلفة بالسلاح والذخيرة والقنابل اللازمة لتنفيذ العمليات الفدائية وكان يتم إمداد المدينة بالسلاح المطلوب من خلال تهريبه فى «لنشات» عبر بحيرة المنزلة ثم تقوم المقاومة النسائية بنقل السلاح وتخزينه فى الأماكن المتفق عليها، وكان أشهر تلك الأماكن محل ملابس يملكه شخص يوناني بجوار سينما ماجيستك، بالإضافة إلى توزيع كميات من الأسلحة لتخزينها فى منازل الفدائيين.


  التمويه على رادارات الإنجليز 


تلقينا العديد من التدريبات على أيدى رجال المخابرات والقوات المسلحة وكانت من أهم التدريبات تعليمات تأمين المجموعات وكيفية إخفاء الأسلحة عن أعين حملات التفتيش التى كان يقوم بها الإنجليز، فقد كانوا يستخدمون أجهزة رادار محمولة على الاكتاف تصدر رنينا عند اقترابها من أماكن تخزين الأسلحة، وكانت التعليمات بأن نقوم بلف الأسلحة بنوع معين من الأقمشة تحول دون تعرف أجهزة الرادار على مكان الأسلحة المخبأة، وهو ما تم عقب اختطاف القائد الإنجليزي مورهاوس، فشنت قوات العدوان حملات موسعة للقبض على الفدائيين والتفتيش عن الأسلحة بمعرفة الرادارات المحمولة كتفاً، فقمنا بالتمويه على تلك الرادارات، ولم تكتشف قوات الاحتلال قطعة سلاح واحدة.


  تأمين الفدائيات 


كانت معظم عمليات نقل الأسلحة بمعرفة الفدائيات تتم تحت تأمين مأمور قسم شرطة العرب، كانت سيارات القسم تتبع الفدائيات من على بعد وفى حالة تعرضهن لإحدى دوريات الإنجليز تقوم الشرطة بالتمويه على الدوريات وتأمين هروب الفدائيات بما يحملن من سلاح، وفى إحدى المرات تعرضت أثناء نقل الأسلحة من أحد اللنشات ببحيرة المنزلة للتفتيش، وكنت أحمل عدداً من القنابل اليدوية، وكانت بصحبتي خالتي وهى سيدة مسنة بدينة الجسم فقمت بإخفاء القنابل فى صدرها وطيات ملابسها وقامت الدورية بتفتيش الجميع إلا السيدة المسنة، ولم يخطر ببالهم أن تلك السيدة تحمل السلاح الذى يبحثون عنه، ومرة أخرى كنت أخبئ بعض الأسلحة فى منزلنا وجاءت دورية للتفتيش فما كان منى إلا أن حملت تلك الأسلحة وتسلقت جداراً يفصل بين منزلنا و منزل خالتي ولم يكن خلف هذا الجدار أي أبواب أو سلالم تؤدى إلى المنزل، ولكن كان هناك عمود خشبى كبير يؤدى إلى شرفة منزل خالتي فتسلقت العمود حاملة الأسلحة ووصلت إلى الشرفة وخبأت السلاح فى المنزل.


   الوحدة الوطنية  


يتخذ مجرى الحديث مع السيدة زينب الكفراوى منحى هاما لتحكي لنا عن صلابة اللحمة الاجتماعية للشعب البورسعيدى أثناء العدوان الثلاثي رغم قساوة الظروف الاقتصادية التى كانت تمر بها المدينة فتقول «لم نعرف وقتها فرقاً بيننا وبين بعضنا بسبب الدين أو العقيدة فمصطلح الوحدة الوطنية من المصطلحات التى جدت على المجتمع المصري لأن تلك الوحدة كانت من المسلمات البديهية فى حياتنا، وكانت تلك الوحدة لا تحتاج إلى التأكيد عليها بين الحين والآخر كما يحدث الآن، فتكرار المصطلح لا يؤكده ولكنه يشير إلى أن هناك خللاً ما قد أصاب تلك الوحدة، كنا نسكن فى زقاق صغير يتكون من بعض المنازل الخشبية الصغيرة المتراصة بجانب بعضها وكانت تلك الزقة ضيقة جدا لدرجة أننا كنا نتبادل بعض الاحتياجات مع الجيران من خلال الشرفات، كنا نشعر أننا نعيش فى منزل واحد وكان صاحب المنزل المقابل لمنزلنا هو الخواجة «رزق ارمانيوس»،


و هو رجل كبير ومسن وكان يعمل بهيئة قناة السويس، وكان له ثلاث بنات أكبرهن «صديقة» أو «أم فاروق» كما كان يناديها أهل الزقاق وكانت سيدة من أصل صعيدي وتربطها بأمى علاقة ود كبيرة، ولما اشتدت الأزمة الاقتصادية فى المدينة ولم نجد غير الدقيق لنصنع منه الخبز بدون توفر الخميرة، كانت أم فاروق تقوم «بخبز» العيش كعادة أهل الزقاق، وعلى الرغم من رقة حال السيدة إلا أنها كانت تعطى كل العيش الذى تقوم بخبزه إلى أمي قائلة لها «انت عيالك كتير ومحتاجة العيش أكتر منى».


  الإغاثة الإنسانية 


تلتقط أطراف الحديث السيدة علية الشطوى، حيث كانت مسئولة الإغاثة والإسعاف ومعالجة الفدائيين المصابين أثناء العدوان، فتقول «كنت مسئولة مجموعة الإغاثة والطوارئ أثناء العدوان الثلاثي ببورسعيد وتم استخراج أوراق ثبوتية لى من الجهات المعنية لتسهيل مهمتي، كانت الإمكانات ضعيفة بل تكاد تكون معدومة وكنا نلجأ لشراء احتياجاتنا عن طريق جمع التبرعات من أهالي المدينة ولن أتحدث عن العمليات البطولية لمجموعاتنا، ولكنى سوف اتوقف عند بعض المشاهد الإنسانية التى تظهر مدى عمق المأساة التى وقعت على شعب المدينة، فالمعاناة الاقتصادية يمكن التغلب عليها واحتمالها والتواؤم معها أما المأساة الحقيقية فكانت فى الضغط الإنساني الذى كانت تمارسه قوات الاحتلال على الشعب بدون رحمة ولا هوادة.


 الرجل والبرتقالة 


عقب كل غارة من غارات العدو كنا نهرع إلى شوارع المدينة لإنقاذ ما يمكن إنقاذهم من المصابين فى موقع الأحداث وعمل الإسعافات الطبية الأولية لهم لحين نقلهم إلى المستشفيات المختلفة، كذلك كنا نقوم بتكفين ودفن الشهداء الذين توفاهم الله ولن أنسى مشهدا أصابنا جميعاً بالصدمة عندما وجدنا بين الشهداء رجلاً يبدو أنه كان يصطحب طفله الصغير الذى لم يتجاوز عامين أثناء الغارة واستشهد الأب وبقى الطفل على قيد الحياة، ووجدنا الطفل جالساً بجوار جثة أبيه ممسكاً ببرتقالة في يده يحاول أن يناولها له فى فمه ويداعبه ظناً منه أن أباه نائم.


  الهرب نحو البحيرة


بعد أن اشتدت عمليات القصف على المدينة قمنا بتهجير الأطفال والنساء وكبار السن إلى المدن المجاورة وكان هذا يتم سراً وليلا عن طريق ترحيل المهاجرين من خلال قوارب عبر بحيرة المنزلة وكان الجميع يهرعون نحو البحيرة للنجاة بأرواحهم، وكانت مأساة حقيقية فالجميع يرحل تاركا وراءه كل شيء، ولكن كانت المأساة الأكبر أنه تحت جنح ظلام الليل كان الأهالي يلقون بالأطفال فى البحيرة ظناُ منهم أنهم يلقونهم فى قوارب الهجرة ليموت الكثير من الأطفال غرقى، في مياه البحيرة بأيدي أبائهم تحت وطأة الخوف والظلم والظلام.


  ولا يزال العدوان قائماً 


تؤكد السيدتان الفدائيتان أن دورهما فى المقاومة والنضال الوطني لم يتوقف بعد انتهاء العدوان الثلاثى، ولكن استمر خلال الحروب التالية ٦٧ و ٧٣ وقامتا بالحشد لثورة ٣٠ يونيه مؤكدتان أن «العدوان لازال مستمرا على مصر ولكنه يغير  من جلده وشكله ولونه فمصر تواجه حالياً عدواناً من دول كثيرة تهدف إلى تركيع مصر وقيادتها، وهو أبداً لن يكون وأنه يجب بث روح المقاومة والتصدي لدى الشعب كله وعلينا جميعا أن نكون فدائيين فى مواجهة هذا العدوان».