ليلة سقوط ديليسبس المحتال

26/10/2016 - 12:18:22

بقلم:عادل عبدالصمد

فرديناد ديلسبس، نائب رئيس القنصل الفرنسى فى الإسكندرية دبلوماسى فرنسى استطاع أن يتصدى لتنفيذ أكبر مشروع هندسى فى القرن التاسع عشر مع أنه لم يكن متخرجا من جامعة تؤهله ليكون دبلوماسيا ولم يدرس الهندسة يوما واحدا فى حياته. وكانت كل مؤهلاته فى ذلك الوقت أن الامبراطورة أوجينى الفرنسية الساحرة زوجة نابليون الثالث امبراطور فرنسا ابنة عمه. وانكشف أمر هذا المحتال عندما صدر الحكم عليه من إحدى محاكم باريس فى نهاية أيامه بتهمة النصب والاحتيال، وأجمع كثير من المؤرخين على أن ديلسبس أكبر نصاب.


وكان القرن التاسع عشر قرن المشروعات الكبرى العالمية، وأهمها مشروع قناة السويس، ولك يكن نتفيذه وليد الحرص على تيسير سبل الاتصال بين الشرق والغرب أو من أجل الخير للبشرية، كما ادعى ديلسبس ولكن المشروع هو وليد الأطماع الاستعمارية، وهذا قدر مصر العظيمة، التى طمع فيها شرذمة وغزاة منكل حرب وصوب.


ويحضرنى هذا كيف عبر شاعر العامية الكبير عن أطماع الغزاة ومقاومة المصرى متسلحا بإرادة حديدية ليصد دائما أطماع لا حصر لها فيقول:


ياماعجايب وغرايب ومصايب وردت إلى مصر


الهكشرى والأناضولى والمنغولى احدف على مصر


وجيوش الانكشترية والأولتية واشحن على مصر


عبيد وكانوا خدامها بقوا حكامها واحتملى يا مصر


وعندما نفتح ملفات التاريخ نقرأ صحائف عجب وحكايات وأساطير من طمع الطامعين.


ومن أهم أسباب حرب ١٩٥٦ استرجاع حق المصريين فى قناة شيدت على أرضهم ودفع المصرى لرواجه من أجلها، وكان شق برزخ السويس أحد أهداف الحملة الفرنسية فقد كلف الجنرال نابليون كبير مهندسين جاك مارى لوبير بدراسة مشروع شق قناة تصل البحرين الأبيض بالأحمر، واستغرقت الدراسة سنة كاملة وأسفرت أن مستوى سطح البحر الأبيض بمقدار ثمانية أمتار ونصف.


وفى أكتوبر ١٣٣: اهتم أتباع سان سيمون بمشروع شق القناة مستهدفين خدمة السلام العالمى، وجاء إلى مصر أحد أتباعهم فرحب به محمد على، ولكنه لم يوافق على مشروعهم بسبب ضعف الميزانية، وكان يفضل إقامة قناطر على النيل عند الدلتا، الذى تبناه المهندس الفرنسى لينان دى يلفون كبير مهندسى أشغال الوجه القبلى.


وفى ٣٠ نوفمبر ١٨٤٦: اشترك سان سيمون فى تأسيس جمعية للدراسات الخاصة بقناة السويس فى باريس، وتكونت من ثلاث مجموعات من المهندسين الفرنسيين والأجانب.


١٨٤٧ مشروع لينان: انتدبت الحكومة المصرية المهندس لينان لمعاونة مجموعة سان سيمون وأثبتوا أن منسوبى المياه فى البحرين طفيف.


ففكرة إيصال البحرين أحدهما بالآخر إذن مصرية قديمة قدم مصر نفسها، وقد تجدد التفكير فى إيصال البحرين بقناة عبر السويس من أوائل مشاريع القرن التاسع عشر، ولم يكن تجددها وليد الحرص على تيسير سبل الاتصال بين الشرق والغرب أو من أجل خير للبشرية، وإنما كان وليد الخطط الاستعمارية.


ويسجل التاريخ أطماع العالم الغربى، الذى توحش وأخذ يبحث عن ثروات البلاد الأخرى لأنه أصبح يمتلك العلم والسلام، مما جعل طاقة أوربا تتفجر لاستعمار العالم.


جيوش أوربا تنطلق تغزو البلاد البعيدة لتؤمن الحصول على الخامات، التى تحتاج إليها مصانعها وتحتاج أيضًا إلى أسواق جديدة، وبالإضافة إلى احتياج الغرب الاستيلا على بلاد أخرى لأسباب استراتيجية تؤمن الطريق إلى هذه الأسواق والمناجم وأصبح الغرب له أنياب وأظافر يمتلك أدوات التقدم والتفوق وكان الشرق هو المسرح، الذى سيستغل.


ما به من مواد الخام واستغلاله كسوق لمنتجاته وأصبح ألا تقوم قائمة لتلك البلاد التى تمت محاصرتها.


ومن الثابت أن فكرة السعى لحفر قناة السويس فكرة استعمارية فى الأساس، ولو كانت فكرة إنسانية عمرانية لما حرصت أوربا على تنفيذها بنفسها ولما ثارت حولها المعارك بين دول الاستعمار ولما تمسكت أوربا أن تقبض عليها بيديها إلى الأبد لأن المشروع فى ذاته بسيط والإشراف عليه وعلى حسن سيره أمر هين.


رفضت مصر الإذن بتنفيذ المشروع طوال النصف الأول من القرن التاسع عشر وتوقفت تركيا عن الموافقة حتى سنة ١٨٧٠ والسبب فى كل ذلك هذا التردد والخوف منجانب مصر هو أن الأوربيين الذين تحدثوا فى أمر القناة وقاموا برسم مشروعاتهم لم يكونوا صادقين، وإنما كانوا شرذمة من الاستعماريين تحول المشروع على أيديهم من نعمة لمصر إلى نقمة على مصر، لكن مصيبة القناة أن أوربا أرادت من أول الأمر أن تجعلها مرفقا عاما أوربيا أو فرنسيا أو إنجليزيا فى أرض مصرية وحاولت أن تخرجه عن سلطان مصر فهو منذ البداية مشروع اغتصاب مشروع حرمان دولة من حقها الطبيعى، وهذه هى النقطة التى نشات عن القناة.


والموقف يتلخص فى نقطتين:


١-أن الأوربيين، الذين قاموا بمشروع القناة أسقطوا مصر من حسابهم تماما وقرروا أن يحصلوا على حق حفر القناة وامتلاكها بعد ذلك بالخداع والقوة.


تمكنوا من حفرها بالخداع بعد قصة طويلة بطلها المخادع فردينان دى ليسبس ثم امتكلوها بالقوة فى قصة بطلتها إنجلترا.


٢-بعد استنفدت أوربا دماء المصريين بالغش والحيلة ثم بالإرهاب والقوة ثانيا أحسن أن مصر صاحبة القناة تستيقظ ثم تطالب بحقها.


المؤامرة على مصر: لم يكن فردينان دى ليسبس مهندسا ولم يدرس الهندسة يوما واحدا فى حياته، ولكن تصدى لتنفيذ أكبر مشروع هندسى فى القرن التاسع عشر، ولكن هذا الرجل المحتال، الذى تمت محاكمته فى فرنسا بسبب مشروع قناة «بنما» لأنه مضى ينفذها بطريق النصب والاحتيال بنفس الأسلوب، الذى استخدمه فى تنفيذ قناة السويس من تسخير العمال واستعمال لصوص باسم مقاولين أهدر المال بسبب تنفيذ خطة لا تتفق مع قواعد الهندسة والعلم.


هذا المحتال لم يكمل دراسته ومع ذلك ألحقته أسرته بالملك القنصلى، وكان يقوم بأمر القنصلية الفرنسية فى الإسكندرية وأثناء عمله بالقنصلية عثر على أوراق قنصل فرنسا السابق فى الإسكندرية (المسيو ميمو)، وهذه الأوراق قد أخذها القنصل السابق من راهب مغامر اسمه الأب (انفانتان) ينتسب إلى جماعة تسمى (السان سيمونيه) أى أتباع سان سيمون، وكانت هذه الأوراق تضم تصميمات وشروحا لمشروع حفر قناة تصل البحرين الأبيض والأحمر.


درسها فردينان وادعى ملكيتها، والذى دعمه والده (ماتيو دى ليسبس) قنصل فرنسا فى القاهرة وكان مقربا من محمد على.


أسند محمد على تربية ابنه سعيد ال ماتيو، والذى سلمه إلى فردينان ابنه ليرعاه، ومن هنا اكتسب فردينان مودة سعيد بن محمد على وكان سعيد ضعيف العقل قليل التفكير مترهل الجسد قليل النشاط فتمكن فردينان دى ليسبس من السيطرة عليه وعندما صار العرش إلى سعيد فى منتصف عام ١٨٥٤ وكان دى ليسبس يصطاف فى أوربا فعاد سريعا لأنه أدرك أن فرصته كمحتال قد حانت وخاصة أن محمد على قد رفض المشروع من قبل خوفا من سيطرة الأوربيين على مصر.


كانت مصر فى ذلك الوقت ولاية عثمانية تابعة للسلطان العثمانى ولكن كان وليها حسب معاهدة لندن ١٨٤١ يتمتع بمركز خاص وكانت هذه المعاهدة تجعل إنجلتر أو فرنسا وروسيا الموقعة على هذه الاتفاقية مشرفة على تنفيذها أى أن مصر كانت تحت إشراف دولى ومعنى ذلك أنها تتمتع باستقلال داخلى، أما شئونها الخارجية فكانت من شأن السلطان نظريًا، ومن شأن إنجلترا وفرنسا فعليا.


ومن هنا كان والى مصر مضطر ال مراعاة إنجلترا وفرنسا فى كل تصرف وعرف فردينان كيف يستغل هذا الموقف وأخذ يقنع سعيد بإعطائه الإذن بحفر القناة وسيضمن له تأييد فرنسا.


وافق سعيد على حفر القناة فى (١٥-١١٠١٨٥٤) واجتهد فردينان فى استصدار فرمان من سعيد بذلك ومضى يؤكد لسعيد أنه سيصير بعد حفر القناة أغنى رجل فى الدولة العثمانية، وأن الأموال ستنهال على مصر من رسوم المرور وعليه جازف سعيد بإصدار فرمان (٣٠-١١-١٨٥٤).


وأعطى الفرمان لفردينان الحق فى إنشاء شركة تقوم بحفر قناة فى برزخ السويس، ولهذه الشركة أن تستولى على ما تريد من أراض تلزمها للمشروع دون مقابل إلا الأراضى التابعة للأفراد وللشركة حق فى إنشاء قناة ماء عذب تمتد من النيل إلى الإسماعيلية على أن تكون هذه القناة وما ترويه من أرض ملك للشركة، بل لها الحق فى أن تبيع ماء الترعة لمن يريد استعماله من الأهالى، بل إن تقدير الرسوم فى القناة لم يكن من حق مصر، بل تتفق الشركة مع الوالى بشأنها وللشركة حق زراعة الأراضى، التى تملكها بمقتضى هذا الفرمان، واستغلالها لصالحها مع إعفائها من الضرائب عشر سنوات، وفى مقابل ذلك كله تتفضل الشركة على مصر بحصة من الأرباح قدرها (١٥) فى المائة، وبهذا الفرمان أصبحت مصر بمقتضاه ملكا للقناة، وكان على مصر بعد ذلك أن تكافح مائة سنة لتصبح ملكا لمصر.


ومن أجل عيون القناة دفن المصريون فى تراب أرض القناة، التى حفروها منذ (١٥٠) سنة، ومن أجلها خاضت مصر أول حرب هجومية عليها بعد خمس عشرة سنة فقط من فتح قناة السويس، التى كانت ممرًا مائيًا إلى الهند قد تضاعفت أهميتها منذ عام (١٩٤٥) عندما أصبحت معبرا للبترول، الذى يضم ثلاثة أرباع البترول البريطانى.


والتاريخ يسجل ويوثق أحداثًا جسامًا ونضالا لن يتوقف حتى اليوم ضد أطماع الدول، التى أصابتها غيبوبة الانتهازية وتناست حركة التاريخ ومنطق الجغرافيا.


ونعود للامتياز الأول الذى حصل عليه فردينان فى (٤٠-١١-١٨٥٤) كانهدية شخصية من والى مصر محمد سعيد لصديقه فردينان دى ليسبس، وهو فى نفس الوقت تفويض خاص يفعل به فردينان ما يريد وينفذ أطماعه وبهذا التفويض أقنع الحكومة الفرنيسة أنه حصل على نصر سياسى دولى عظيم منحت فرنسا محمد سعيد وسام (اللجيون دونير).


أدركت بريطانيا أن هذا المشروع سيضر مصالحها فى الشرق، وأنه خطة فرنسية مدبرة للسيطرة على مصر وعلى أسواق آسيا وما هى إلا وسيلة من وسائل فرنسا لقطع الطريق على مستعمراتها فى الهند، وخاصة أن إنجلترا لم تنس حملة نابليون على مصر فظهر الصراع على أشده بعد التقاء ماء البحرين الأبيض والأحمر لأول مرة فى التاريخ فى (١٧-١١-١٨٦٩).


حصل فردينان على الفرمان الثانى فى (٥-١-١٨٥٦) واشترط عليه سعيد أن يصدق عليه السلطان العثمانى ضمانا لسلامة الامتياز ومن هنا تأكدت إنجلترا من خطورة الموقف واتخذت قرارا بضرب الإسكندرية ودكتها فى يونيه (١٨٥٩) بقصد خلع سعيد باشا وتم إيقاف المشروع مؤقتًا.


وفى عام (١٨٦٣) توفى سعيد وتولى إسماعيل وكمل المشوار ودخل فى صراع طويل مع كل من إنجلترا وفرنسا، وكان يطمع أن يجعل مصر قطعة من أوربا، ولكن أطماع الغرب تحاصره من كل جانب ووقع فريسة لوزير خارجيته نوبار باشا، الذى تآمر عليه واحتمى بفرنسا واتفق مع الفرنسيين أن ينصحوا إسماعيل بتحكيم نابليون الثالث فى الخلاف بين مصر وفردينان.


وفى ٦ يوليو ١٨٦٤ أصدر نابليون الثالث أغرب حكم سمع به بشر وحكم بأن تدفع مصر للشركة ثلاثة ملايين ونصف من الجنيهات نظير تنازل الشركة عن تسخير المصريين وعن الأراضى، التى استولت عليها الشركة غصبا، وعن ترعة الماء العذب وفرعها الذاهب إلى السويس وفرعها الآخر الذاهب إلى بورسعيد، وهذا المبلغ الذى حكم على مصر بأن تدفعه يعادل نصف رأسمال الشركة وكانت الشركة مفلسة والحكم أنقذها من الإفلاس، وبدأ إسماعيل يقترض حتى أغرق مصر فى الديون وكرس موارد مصر لإنجاز المشروع قبل أن يعلن المرابون إفلاس الحكومة المصرية وأرواحهم التى أهدرت على تراب القناة، واتفق إسماعيل مع فردينان على موعد افتتاح القناة فى أكتوبر ثم أجل إلى نوفمبر عام ١٨٦٩.


الحفر بالسخرة:


حفر القناة مليون وربع مصرى بأظافرهم


فى ٢٥ أبريل ١٨٥٩ أقيم حفل صغير فوق مدخل القناة الشمالى ووقف دى ليسبس أمام ١٠٠ من الفلاحين جىء بهم من دمياط ليضرب أول معول فى الأرض، التى جرت عليها أكبر مآسى التاريخ الحديث، ومنذ ذلك التاريخ وحتى ١٦ نوفمبر ١٨٦٩ حمل الفلاحون المصريون فؤوسهم يشقون بها الأرض الصلبة فى درجة حرارة قاسية ليتصافح البحران الأبيض والأحمر واستخدم دى ليسبس أسلوب السخرة غير الآدمى.


بدأ البحث عن العمال فى أقاليم مصر وكونت الشركة لجنة للبحث عن العمال وطافوا فى قرى الوجه البحرى، برئاسة أحد مستخدميها الذى يتحدث العربية بطلاقة هو (يوسف فرنونى) لجمع العمال وإرسالهم إلى منطقة البرزخ، وخدعت العمال بوعود كاذبة، حيث تم تجنيدهم فى حفر القناة البحرية الصغيرة، فى منطقة بحيرة المنزلة، وقد كان العمل فى هذه المنطقة مضنيا للغاية فكان العمال يقفون عرايا تغمرهم المياه يضربون القاع بأيديهم ويناولها العامل بكلتا يديه لزميله الواقف بجانبه، وهكذا دواليك حتى تصل إلى حافة القناة، وكانت المياه بما فيها من مواد كيميائية كافية لسلخ جلود العمال، وفى هذه المنطقة بالذات كانت بداية المأساة وبداية الذل للمصريين.


وقد انتشرت هذه المآسى بين الفلاحين فى بقية مناطق الحفر وكشف الدكتور عبد العزيز الشناوى فى كتابه (السخرة فى حفر قناة السويس) كيف تدخلت الحكومة لإكراه الفلاحين المصريين وسحبهم إلى العمل فى القناة، وكانوا يسحبون سيرا على الأقدام إلى بورسعيد وقد ربط بعضهم إلى بعض كالجمال أو مثل العبيد فى إفريقيا وانكشف أمر الشركة فى تعاملها مع العمال المصريين فى تنفيذ مشروعها، وكانت نسبة ما يحشد شهريا بين عشرين واثنين وعشرين ألفًا فى الشهر الواحد، وأمر سعيد عند زيارته للوجه القبلى بأن يرسل إلى ساحات الحفر خمسة آلاف جندى مصرى أوشكوا أن يسرحوا بعد انتهاء خدمتهم ونقلوا من الصعيد إلى القاهرة ثم إلى الزقازيق ومنها إلى عتبة الجسر وهؤلاء هم الذين تمردوا على قسوة العمل وضراوته وتمت عمليات الهروب من ساحة الحفر ولفرض القوة ومحاصرة الهاربين عينت الشركة إسماعيل حمدى، أحد أعوانها، حيث اشتهر بالقسوة هو وأتباعه القساة ويسمون (القواصة) وأعطوا كل السلطات لتيسير السخرة وقبض على زعماء العمل المتمردين، وألقى بهم فى غياهب السجون وقرر إسماعيل أن تكون عقوبة الضرب علنية، فكان العامل الذى سينفذ فيه العقاب ينبطح على قطعة كبيرة من جلد البقر وينهال عليه بالكرباج حتى يصاب بعدة عاهات.


٢٦ يوليو ١٩٥٦ – تأميم القناة


كان الامتياز، الذى منح الشركة فى سنة ١٨٦٦ ينص على أن ينتهى بعد ٩٩ سنة أى سنة ١٩٦٨ ثم حاولت إنجلترا مد الامتياز بالخداع أو بالإرهاب وتحت أباطيل واهية كاذبة، ولكن اليقظة الوطنية المصرية كانت سدا منيعا لرفض هذا المد وإحباط تلك المحاولات الخادعة.


ومن أهم إيجابيات ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ إبرام المفاوضات، التى انتهت باتفاقية الجلاء فى ١٩ أكتوبر ١٩٥٤ والتى أكدت حق مصر فى القناة من ناحية وضمنت حرية الملاحة فى القناة من ناحية أخرى.


وقد حرص المفاوضون المصريون أن يردوا لمصر حقها فى حماية القناة، وقرروا أولا أن القناة جزء لا يتجزأ من مصر وقرروا ثانيا التمسك بمعاهدة القسطنطينية سنة ١٨٨٨، التى لم تكن إلا ضمانا لحرية الملاحة وهى لا تلزم مصر بشىء، بل تجعل مصر المسئولة عن سلامة مصر.


وبعد سنوات عجاف من الاحتلال وما بذل من تضحيات وأهدرت من دماء الشهداء من أجل الوطن أذن الله لمصر أن تتخلص من القيد الأخير ونزلت هذه الاتفاقية بردا وسلاما على أرواح الشهداء الذين حرروها بدمائهم الطاهرة.


وقع على وثيقة الجلاء من الجانب المصرى (جمال عبد الناصر – عبد الحكيم عامر– قائد الجناح عبد اللطيف البغدادى – صلاح سالم – دكتور محمود فوزى).


ومن الجانب البريطانى (إنتونى نانتج وهو الوزير الذى كان مقربا من رئيس الوزراء إنتونى إيدن، ولكنه استقال بعدها بشهور قليلة احتجاجا على العدوان الثلاثى على مصر فى نوفمبر من نفس السنة – والسير رالف ستفنسور وميجور جنرال بنسون).


وفى ١٨ يونيه ١٩٥٦ رفع الرئيس المصرى جمال عبد الناصر العلم المصرى على مبنى البحرية ببورسعيد، حيث كان آخر جزء تم إجلاء القوات الإنجليزية منه فى منطقة القناة ومن ذلك اليوم أصبحت مصر مستقلة ثم كان القرار العظيم بتأميم القناة.


من أجل مصر أممنا القناة:


أصبحت مصر مستقلة للمرة الأولى منذ ٢٠ سبتمبر ١٨٨٢ ولم تتصور قوى الاستعمار أن ذلك من الممكن أن يكون مصر قلب العالم وملتقى الشرق والغرب، وهو البلد الذى يملك قناة السويس أهم ممر بحرى فى العالم وهو يحمل بعد ذلك كله لواء الحرية والنور فى آسيا وإفريقيا.


وفى منتصف ليل ١٥ سبتمبر ١٩٥٦ قرر المرشدون الفرنسيون والإنجليز بناء على أوامر (جى موليه وانطونى إيدن) الانسحاب من عملهم فى قناة السويس، اعتقادا منهم بأن مثل هذه المؤامرة ستعرقل حركة المرور فى الممر المائى الدولى، وستظهر الإدارة المصرية الجديدة بمظهر العجز عن تسيير القناة، بل توقع حدوث اصطدام للسفن، لكن المرشدين المصريين فى هيئة قناة السويس حملوا المسئولية بلا قيد ولا شرط، وواصلوا العمل ليل نهار بدون توقف وبلا راحة إيمانا منهم بعدالة استرداد وطنهم لمنشأة غالية وسرعان ما شهد العالم كله بالكفاءة، وفشلت المؤامرة بفضل العزم المصرى وتعاون الأصدقاء.


سر الرفض الأمريكى:


فى ١٩ يوليو ١٩٥٦ أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية بيانا تقول فيه:


(بناء على طلب الحكومة المصرية، اشترطت الولايات المتحدة فى ديسمبر ١٩٥٥ مع المملكة المتحدة، والبنك الدولى فى تقديم عرض لمساعدة مصر بناء السد العالى على النيل عند أسوان وهو مشروع ضخم يستلزم إتمامه ما يتفاوت بين ١٢ و١٦ سنة ويبلغ تكاليفه نحو ١٣٠٠ مليون دولار، منها ما يزيد على ٩٠٠ مليون دولار من العملة المحلية.. وهو يؤثر لا فى حقوق ومصالح مصر فحسب بل وفى حقوق ومصالح دول أخرى تعتبر مياهها روافد للنيل وتشمل السودان وإثيوبيا وأوغندا.


وقد تضمن عرض ديسمبر تقديم منحة مساعدة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة المساعدة فى تمويل مراحل معينة مبكرة من العمل ذات آثار قاصرة على مصر وحدها مع إدراك أن إتمام المشروع كله سيقضى حلا مرضيا لمسألة مياه النيل.


ومن الاعتبارات الهامة الأخرى المتعلقة بإمكانية تنفيذ المشروع وبالتالى بالإمكانية العملية للمساعدة الأمريكية موافقة مصر ومقدراتها على تركيز مواردها الاقتصادية لذلك البرنامج الإنشائى الواسع غير أن التطورات خلال الأشهر السبعة الماضية، لم تكن ملائمة لنجاح المشروع واستقر رأى الولايات المتحدة على أنه ليس من المستطاع فى الظروف الحاضرة المساهمة فى المشروع، كما أنه لم يتحقق الاتفاق بين الدول الواقعة على النهر، وأصبح عدم التأكد من إمكانية مصر تكريس موارد ملائمة لضمان نجاح المشروع أكثر مما كان فى الوقت الذى حدث فيه العرض.


وهذا البيان يؤكد ازدواجية الغرب وعدم احترامه للمواثيق الدولية ورغبة الولايات المتحدة الأمريكية فى أن يؤدى رفضها المساهمة فى بناء السد العالى إلى إضعاف حكومة جمال عبد الناصر وسقوط النظام الثورى فى مصر.


وهنا تم سقوط القناع السميك، الذى كانت دول الغرب تتستر وراءه وصاح إنطونى إيدن أن طريق البترول أصبح خطرا وأن مستوى الحياة فى بريطانيا سينخفض.


وهتف وزير خارجية فرنسا (كريستيان بينو) أن هيبة الغرب قد زالت ولابد من تأديب مصر حتى تكون عبرة لغيرها من الدول الشرقية، التى تفكر فى التخلص من سلطان الغرب.


وانهالت على مصر رياح مسمومة من كل السنة الاستعمار واستل قراصنة الصحافة العالنية الأقلام المغرضى، وأعلنوا الحرب على مصر واتهموها بأنها داست حرمة معاهدة دولية هى معاهدة القسطنطينية سنة ١٨٨٨ ووقف غربان الحروب ينعقون فى كل مكان (أن الغرب فى خطر – جمال قد حكم على أوربا الغربية بالخراب– الخطوة التالية تأميم بترول الشرق الأوسط – ستتوقف المصانع فإنجلترا وفرنسا وألمانيا وستتعطل حركة المواصلات – لو سكتت أوربا على قرار التأميم فمعنى ذلك قد زالت أوربا من الوجود).


تجمع العدو واتفق كل من إيدن وسلوين لويد وزير الخارجية البريطانية وجى موليه وكريستيان بينو وزير خارجية فرنسا على إعلان الحرب على مصر وانزعجت إكريكا من الموقف فهرع فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكية إلى لندن ليتلافى الكارثة وقد اتفق على أن تبدأ إسرائيل بالعدوان بمعاونة فرنسا.


كشفت مصر المؤامرة فانسحبت من غزة وسيناء فى عملية عسكرية رائعة، وفى القناة وفى بورسعيد وقف الجيش بجانب القوات الشعبية مدافعا عن الأرض المصرية، وهاجم الغزاة بورسعيد بجيوش وأساطيل يزيد تعداد أفرادها سكان بورسعيد وصمدت المدينة الباسلة وصمدت مصر كلها والعرب بجانبهم يدافعون بحماس عن أوطانهم وعروبتهم ووقف العالم ضد هذا العدوان الثلاثى الغاشم وأصدرت الأمم المتحدة بوقف العدوان ووقف إطلاق النيران ولوحت روسيا باستخدام القنابل الصاروخية الموجهة فيما لو تمادى الآثمون فى عدوانهم قبلت مصر قرار وقف إطلاق النار متمسكة بالحل السلمى حول مشكلة القناة.


كشف العالم أمر المخادعين والمؤامرة الدنيئة، وأعلنت أمريكا تأييدها لقرار الأمم المتحدة، وطالبت بانسحاب القوات البريطانية والفرنسية من مصر وقوات إسرائيل من سيناء وغزة ومرابطة قوات الطوارئ الدولية عند خطوط الهدنة القديمة وترك القناة لمصر، وهكذا أقر العالم حق مصر فى أن يقول القناة لنا.