العرب مع مصر.. يد واحدة

26/10/2016 - 12:16:34

كان الشعب العربى كله حاضرا وبقوة منذ صدور قرار تأميم شركة قناة السويس وحتى وقوع العدوان بعد أن نجح الرئيس عبد الناصر فى بعث فكرة القومية العربية وتحويل التضامن العربى إلى واقع ملموس .فمنذ صدور قرار التأميم خرجت مئات التظاهرات وعقدت المؤتمرات فى كل أرجاء الوطن العربى تعلن مساندتها للقرار ووقوفها إلى جانب مصر فى معركتها لاسترداد حقوقها فى القناة وبنفس القوة كانت مساندة الحكومات والقيادات الرسمية للقاهرة فى شكل بيانات واتصالات مع القيادة المصرية وتحركات دبلوماسية وغيرها وفور وقوع العدوان المسلح انهالت على السفارات المصرية فى دمشق وعمان وبيروت والقنصلية المصرية فى القدس وفى دول المغرب العربى والمغتربين العرب فى أوروبا وأمريكا مئات الآلاف من الرسائل التى وصلت للرئيس تطالب بالتطوع لمحاربة المعتدين إلى جانب القوات المصرية ولم تقتصر ردود الفعل على التجمعات الشعبية وحدها بل شاركت الحكومات والقيادات المسئولة أيضا  


الدور السورى 


توجه الرئيس شكرى القوتلى رئيس الجمهورية السورية إلى موسكو لمطالبة الاتحاد السوفيتى بتقديم الدعم اللازم لمصر وتزويدها باحتياجاتها من السلاح وكان قبل سفره قد اتصل بالرئيس جمال عبد الناصر مستفسرا عن أخبار المعركة واحتياجات مصر ومن سوريا أيضا اتصل بعض الضباط الوطنيين عارضين خدماتهم، وكان أهم هذه الاتصالات ما تقدم به عبد الحميد السراج  نائب رئيس الجمهورية أثناء الوحدة ورئيس الشعبة الثانية (المخابرات ) فى الجيش السورى سنة١٩٥٦  يعرض نيته نسف خط أنابيب البترول الذى ينقل الخام من العراق إلى البحر الأبيض عبر سوريا لكن الرئيس عبد الناصر نصح بعدم التورط فى المعركة حماية لهم ولسوريا برغم اقتناعه أن هذا العمل سيوفر دعما كبيرا لمصر ، لكن عبد الحميد السراج كان قد بدأ فعلا فى اتخاذ الخطوات التنفيذية وقد استدعى ناظم القدسى رئيس الوزراء فى سوريا كلا من اللواء شوكت شقير واللواء عفيف البزرى قادة الجيش السورى آنذاك ونقل لهما أن السفارة البريطانية أبلغته بوجود وحدات عسكرية أو شبه عسكرية حول محطة الضخ الخاصة بخط أنابيب التابلاين فنفيا علمهما بهذا الموضوع وكان السراج قد رتب العملية وأعطى التعليمات لضباطه بتوقيتات التنفيذ وكان قراره أنه فى حالة تعرض مصر للعدوان يتم نسف محطات الضخ وتم نسف هذه المحطات فعلا ثانى يوم العدوان الثلاثى على مصر وكانت تلك العملية على مسئولية عبد الحميد السراج وأحدثت صدى واسعا فى العالم كله، أما فى العالم العربى فقد بادرت العناصر الوطنية فى أكثر من دولة بنيتهم تنفيذ عمليات مماثلة فى بلادهم، ولكن تم تحذيرهم بوضوح باعتبار أن اتساع رقعة العمليات لن يخدم المصلحة القومية ويكفى انفجار واحد لأن انتشار هذه الظاهرة يمكن أن يقود إلى تأليب الرأى العام العالمى والأوربى خاصة أنه قد بدأ يميل إلى جانب مصر  


جماعة عمر المختار 


على الرغم من التحذير من انتشار العمليات ضد المصالح الأوربية في الوطن العربى إلا أن جماعة عمر المختار بقيادة المناضلين الليبيين مصطفى بن عامر وبشير المغيربى وزملائهم لم يلتفتوا إلى هذا التحذير


و قاموا بتنفيذ بعض العمليات ضد المصالح البريطانية فى ليبيا حيث تم تفجير قنبلة فى بنك باركليز البريطانى، كما قاموا بنسف أنابيب البترول فى ميناء بنغازى وأشعلوا النيران فى خزانات الوقود الخاصة بالقوات البريطانية كما ظهرت لأول مرة فى بعض الدول والإمارات العربية مثل الكويت الدعوة لوقف تصدير البترول إلى المعتدين وسحب الأموال العربية من البنوك البريطانية ومقاطعة البضائع الفرنسية والبريطانية ولم يكن الموقف الدولى يقل استنكارا للعدوان عن الموقف العربى  


محاولات التهدئة 


حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على امتلاك زمام المبادأة بعرض مشروع قرار فى مجلس الأمن يدين العدوان وصحب ذلك إعلان الرئيس الأمريكى دوايت ايزنهاور على شاشات التليفزيون أن واشنطن عارضت منذ البداية اللجوء للقوة وأنها لم تستشر من قبل المعتدين واتخذ الاتحاد السوفيتى موقفا مؤيدا لمصر منذ بداية الأزمة، ولكن التمرد الذى قد بدأ  فى المجر فرض قيدا على حركة الاتحاد السوفيتى ومن هنا كان رد خروشوف على الرئيس السورى شكرى القوتلى أثناء زيارته لموسكو عدم إمكانية تقديم مساعدة عسكرية لمصر لكنه شن حملة دبلوماسية مكثفة على القوى المعتدية فى الأمم المتحدة وبعث برسالة إلى أنطونى إيدن رئيس وزراء بريطانيا تتضمن تهديدا باستخدام الصواريخ العابرة للقارات لوقف العدوان، ثم بعث برسالة أخرى بنفس المعنى إلى رئيس وزراء فرنسا جى موليه وبرسالة ثالثة إلى دافيد بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل يصف فيها إسرائيل بأنها تعمل كأداة فى يد الإمبريالية ويحذرها من العبث بمصير السلام وطالب بأن تعود إسرائيل إلى رشدها وتوقف عملياتها العسكرية ضد مصر قبل فوات الأوان ثم قام باستدعاء سفيره فى تل ابيب واعتبرت هذه الرسائل بمثابة إنذارات للدول الثلاث وكان قد سبقها إرسال رسالة إلى الرئيس أيزنهاور يستعرض فيها الأخطار المترتبة على الموقف القائم وما ينذر به من احتمال اشتعال حرب عالمية وأن على موسكو وواشنطن بما يملكانه من قوة العمل معا لإيقاف الحرب .وتقدمت الهند ممثلة للدول الآسيوية الإفريقية بمشروع قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يطالب بوقف القتال وسحب القوات المعتدية وأن يقدم السكرتير العام للأمم المتحدة تقريرا بذلك خلال اثنتى عشرة ساعة وقد حظى القرار بالموافقة من الجمعية العامة و أعلنت القوات المعتدية قبولها إيقاف القتال يوم ٦نوفمبر١٩٥٦ استجابة لقرارات المنظمة الدولية  


قوات طوارئ دولية 


كانت المقاومة الشعبية المسلحة في مدينة بورسعيد قد استهدفت حرمان القوات المعتدية من امتلاك أية فرصة للراحة أو الاستقرار فى مدينة بور سعيد وقد حققت بالفعل إنجازات ضخمة فى هذا المجال وسقط الكثير من الشهداء وتنوعت البطولات غير المسبوقة فى التاريخ الحديث تلك المقاومة العنيفة التي كانت سبباً في امتثال القوات المعتدية لقرار وقف القتال وبدأت معركة أخرى لا تقل ضراوة عن معركة المقاومة الشعبية في بورسعيد وهى المعركة الدبلوماسية وخاصة فى الأمم المتحدة بهدف إتمام انسحاب قوات الدول المعتدية الثلاث فقد استأنفت الجمعية العامة للأمم المتحدة جلساتها فى السابع من نوفمبر ١٩٥٦ وطالب مندوب مصر فى المنظمة الدولية السفير عمر لطفى بانسحاب المعتدين ولكن مندوبا بريطانيا وفرنسا رفضا مشروع الانسحاب الفورى بدعوى تخوفهما من تجدد القتال بين مصر وإسرائيل .وتطرقت المناقشات إلى تشكيل قوة طوارئ دولية وتكاثفت الضغوط وهدد السكرتير العام للأمم المتحدة بفرض عقوبات صارمة على إسرائيل إذا لم تسحب قواتها مما دفعها للإعلان رسميا فى الثامن من نوفمبر١٩٥٦ اعتزامها سحب قواتها من مصر والتعاون مع قوة الطوارئ الدولية وبدأت المباحثات مع السلطات المصرية حول تشكيل قوة الطوارئ الدولية واعترض الرئيس عبد الناصر على اشتراك كندا فيها نظرا لعضويتها فى الكومنولث كما اعترض أيضا على مشاركة نيوزيلاندا وباكستان نظرا لتبعية الأولى لبريطانيا وعضوية الثانية فى حلف بغداد و أخيراً وصلت طلائع قوة الطوارئ الدولية إلى مصر يوم ١٦نوفمبر١٩٥٦ ومعها السكرتير العام للأمم المتحدة داج همرشولد للقاء الرئيس جمال عبد الناصر وفى ٢٣نوفمبر١٩٥٦ عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة جلستها لمناقشة مشروع قرار قدمته مجموعة الدول الآفروآسيوية يطالب الدول المعتدية بالإذعان للقرارات السابقة بشأن الانسحاب وحظى القرار بالموافقة فى ٢٤نوفمبر١٩٥٦ وعارضه فقط الدول الثلاث ومعها كندا وبلجيكا وامتناع عشر دول عن التصويت وسعت إسرائيل للمراوغة والتملص من قرارات الأمم المتحدة أو محاولة فرض شروط فى مقابل الانسحاب وتكررت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وخاض محمود فوزى وزير الخارجية معركة كبيرة بالتنسيق مع جمال عبد الناصر حتى أتمت إسرائيل انسحابها الكامل دون أن تحصل على أى من مطالبها بإقرار مصر رسميا بحرية المرور لسفنها فى قناة السويس وبعد أن كانت القوات البريطانية الفرنسية قد أتمت انسحابها فى ٢٣ديسمبر١٩٥٦ ليسطر التاريخ ملحمة الصمود الذى أظهره الشعب المصرى فى كل المواقع وانتفاضته ضد العدوان وثبات قيادته وعدم تخاذلها تحت ظروف الحملة العسكرية الشرسة التى تعرضت لها مصر برغم الفوارق الكبيرة فى موازين القوة العسكرية وبعد ستين عاما تأكدت صحة نوايا إسرائيل التوسعية عندما أعلنت ضم سيناء .لقد انتهى العدوان الثلاثى بهزيمة المعتدين ونهاية إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس وفرنسا التى كانت تعارض النفوذ البريطانى فى المنطقة ارتكبت خطأ جسيما عندما شاركت فى العدوان بهدف القضاء على جمال عبد الناصر بسبب مساعدته لحركة التحرير الجزائرية ولم تستطع أن تفهم أن مساعدات مصر مهما كان حجمها لم تكن هى التى صنعت ثورة الجزائر بل بالعكس فقد خرج الرئيس جمال عبد الناصر منتصرا وهذا مثّل دفعة قوية للثوار فى كل مكان وليس فى الجزائر فقط ، وبذلك تأكد أن عبد الناصر هو العقبة الكبرى فى طريق مخططات القوى