سوريا والأردن والعراق ودول الخليج ... «العروبة فى كل دار وقفت معانا»

26/10/2016 - 12:15:19

تقرير: شريف البرامونى

العدوان الثلاثى نقطة انطلاق القومية العربية فى العالم الجديد.. والشعوب العربية تعلن تأييدها لمصر بجمع المال والتطوع فى المشاركة لصد العدوان


مظاهرات شعبية رافضة للعدوان فى البحرين والكويت وقطر وفلسطين وسوريا والعراق.. وسوريا أول دولة عربية تعلن دعم مصر لمواجهة العدوان الثلاثى رسميًا


«الخلافات السياسية وقت الأزمة تتراجع خطوات عدة للوراء».. أمر لم يضعه قادة دول العدوان الثلاثى (فرنسا، وبريطانيا، وإسرائيل) فى حساباتهم أثناء إعداد خطة الحرب على مصر، لم يشغلوا بالهم كثيرا بالموقف العربى حال إعلان الحرب على «دُرة التاج» مصر، التقارير التى تم رفعها إليهم يبدو أنها لم تُشر من قريب أو بعيد إلى نوع رد الفعل الذى من الممكن أن يكون حال الهجوم على مصر، ومن الجائز أيضا أنهم وضعوا تقديرات؛ وفقا للمواقف السياسية والخلافات التى كانت دائرة بين الأنظمة الحاكمة - وقتها، متجاهلين طبيعة الشعوب العربية، ومكتفين بإدارة الأمر وفقا لقاعدة «المكسب والخسارة»، وليس قاعدة «القومية العربية».


حرب ٥٦، بقدر ما كشفت الأطماع الهائلة التى يحملها الغرب لمصر، أكدت أن الحدود تُلغى وقت الحروب، ولا مجال للحديث عن أى شيء سوى النصر والدعم والمناصرة أيضا.


العدوان الثلاثى على مصر عام ١٩٥٦ والذى تم بمشاركة دولتين كبيرتين على المستوى الاقتصاد والقدرة العسكرية حين ذاك بريطانية وفرنسا وتاريخهم الطويل، كونهم قوتين استعماريتين انضمت إليهما دولة الكيان الصهيونى إسرائيل ليخلقوا تحالفاً هدفه الرئيسى الخلاص من الدولة المصرية الناشئة، التى اعتبروا أنها تمثل تهديدا مباشرا لتواجدهم فى منطقة الشرق الأوسط، وبداية نهاية لمصالحهم فى المنطقة والمتمثل فى نهب خيرات الشعوب التى عاشت طول عقود تحت وطأة الاحتلال وضعف قدراتها فى تقرير مصيرها لتخرج الدولة الجديدة فى مصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وتعلن تأميم قناة السويس شريان الملاحة الدولة، وتنجح فى الاستيلاء على مكاتب الشركة العالمية لقناة السويس فى مدينة بورسعيد والإسماعيلية والسويس، والتى كانت تعد دولة داخل الدولة فى ذاك الوقت على أمل القضاء على هذا التهديد الجديد، وإعادة صياغة سيطرتهم على منطقة الشرق الأوسط.


وفى مقابل كل هذا فإن مقاومة الشعب المصرى غيرت مجرى التاريخ بعد أن استطاعت إفشال المخطط الدولي، إلى جانب خلق تضامن عربى واسع كانت نتائجه المباشرة ميلاد القومية العربية بشكل حقيقي.


التضامن االعربى الشعبى مع مصر


فى نهاية ثمانينيات القرن العشرين، أفرجت بريطانيا عن وثائق دبلوماسية، تعود إلى حقبة الخمسينات كانت من بينها وثائق خاصة بفترة الحرب على مصر ، أو ما يعرف بالعدوان السياسي، ووثائق أخرى تتحدث عن ردود الأفعال الشعبية فى منطقة الخليح على عدوان إنجلترا وفرنسا على مصر.


ففى البحرين، ووفقاً للوثائق ذاته، يتحدث تقرير منها حول ما أسماه «انتفاضة شعبية» اعتراضاً على بدء هجوم إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على مصر، ووصف أن تلاميذ المدارس خرجوا من مدارسهم يهتفون ضد الاستعمار، كما قامت مجموعات عمالية بحرينية بمهاجمة مجمع سكنى فى المحرق تابع لشركة الطيران البريطانية، ونتيجة اتساع حجم التظاهرات لم تستطيع الشرطة مواجهتها وتفريقها، برغم من استخدامها القنابل المسيلة للدموع ما دفع الاحتلال البريطانى -حين ذاك- إلى إرسال فرقة تعزيزية لمساندة الشرطة داخل البحرين فى مواجهة المظاهرات الشعبية عرفت باسم قوات «الكاميرون» البريطانية من عدن.


كما تشير الوثائق إلى أن الوضع الملتهب دفع حاكم البحرين إلى إرسال رسالة إلى المقيم البريطانى يسأله لماذا لم تتخذ الحكومة البريطانية أى إجراء ضد هجوم إسرائيل على مصر، مؤكدا له - حسب التقرير- فى الرسالة ذاتها رفضه لهذا الهجوم بشكل حاسم.


وفى ذات السياق يشير التقرير أيضا إلى قيام عبدالرحمن الباكر، سكرتير لجنة الاتحاد القومى، بالدعوة إلى إضراب عام، ونظمت مسيرات وتظاهرات عنيفة، أشعلت عدة حرائق فى مكاتب شركات تجارية بريطانية، وأصدرت لجنة الاتحاد القومى بيانا دعت فيه إلى مقاطعة البضائع والسفن البريطانية والفرنسية. ومع ارتفاع وانتشار المظاهرات الشعبية الرافضة للعدوان وتم فرض حظر التجول، واعتقال عدد من قادة التظاهرات وأغلقت أسواق المنامة والمحرق، وتدخلت قوات المشاة الملكية التى وصلت من عدن، فى فض المسيرات الشعبية.


كما تتحدث الوثائق ذاتها، عن الموقف الكويتى، حيث أكد أن دولة الكويت كانت حركة التضامن الشعبى داخلها مع مصر قوية فى مواجهة العدوان وصلت إلى حد إعلان الإضراب العام فى الأسواق والمدارس، وجمع التبرعات لمصر، وتسجيل المتطوعين للدفاع عن مصر، إلى جانب المطالبة بإلغاء العقود مع الحكومة البريطانية، ومقاطعة البضائع البريطانية والفرنسية، وشركات التأمين، وتحويل أموال الحكومة من البنك البريطانى للشرق الأوسط إلى بنك الكويت الوطنى».


كما لفت التقرير الانتباه إلى أن الكويت، لم تكتف برد الفعل السابق، لكنها سارعت لجمع التبرعات لصالح دعم المقاومة فى مصر عن طريق استقطاع من رواتب الموظفين، وقد وصل المبلغ الذى تم جمعه إلى نحو مليون جنيه استرلينى، إلى جانب تقديم قائد الشرطة جاسم القطامى - قتها- استقالته من منصبه؛ اعتراضا على العدوان فى مصر، ثم حذا حذوه ثلاثة عشر ضابطا كويتيا.


أما فى قطر فقد ذكرت الوثائق المفرج عنها أن نجل الحاكم الشيخ أحمد، كان منزعجا وغير راضٍ عن السياسة البريطانية، وبدا مقتنعا، «بوجود تواطؤ بين حكومة جلالته وإسرائيل»، وعلى المستوى الشعبى، أغلقت أسواق الدوحة، وتم قطع أنبوب النفط على بعد أحد عشر ميلا شرقى (أم باب)، واتهمت السلطات البريطانية السيد حميد العطية بهذا العمل التخريبى، كما أضرب عمال ومهندسون لبنانيون يعملون فى شركة الدرويش، وعمال شركة نفط قطر، وقد سجل فلسطينيون ولبنانيون وقطريون أسماءهم للتطوع دفاعا عن مصر، وتم اعتقال حميد العطية وشقيقه، وفى دبى والشارقة، كان الجو العام متوترا، وجرت محاولات لحرق (كراج) مساعد الوكيل السياسى البريطانى فى دبى، ومحاولة أخرى جرت فى مطار الشارقة (المحطة).


وفى العراق، تؤكد الوثائق، خرجت مظاهرات شعبية حاشد ضد سياسات نورى السعيد رئيس وزاراء العراق حين ذاك، ومطالبة الشعب العراقى بانسحاب العراق من حلف بغداد ووقف ضخ النفط العراقى إلى بريطانيا الوضع الذى دفع نورى السعيد إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا ولكن ليس مع بريطانيا، بالرغم من إبعاد لندن عن حضور اجتماع «حلف بغداد».


الموقف الرسمى العربى


كانت الدولة السورية فى مقدمة الدول العربية التى أعلنت التضامن مع مصر فى مواجهة العدوان الثلاثي، وأعلن الجيش السورى حالة الاستنفار من أجل المشاركة مع مصر فى الحرب، إلا أن الرئيس جمال عبدالناصر طلب من الحكومة السورية عدم الدخول المباشر فى تلك الحرب؛ خوفا من اتساع رقعتها داخل الدول العربية، كما قامت عناصر تابعة للحركة العمالية فى سوريا بتفجير أنابيب البترول الممتدة من العرق إلى بريطانيا عبر أراضيها كجزء من إضعاف قدرة بريطانيا، بوقف إمدادها بالبترول، واستقبلت دمشق إذاعة صوت العرب وبدأ البث من داخل دمشق بعدما تفجير إنجلترا أبراج الإذاعة فى أبو زعبل داخل مصر .


أما فى الأردن وبعدما قامت إسرائيل بمهاجمة أرضيها بادر الملك حسين إلى توقيع ميثاق عسكرى مع كل من مصر وسوريا فى ٢٤ أكتوبر عام ١٩٥٦، وتم تعيين اللواء عبدالحكيم عامر قائدًا عامًا للقوات المسلحة المشتركة للأقطار الثلاثة.


وفى الجامعة العربية وقبل بدء العدوان على مصر وافق مجلس الجامعة فى اجتماعه بتاريخ ١٢ أغسطس ١٩٥٦ على قرار اللجنة السياسية التى بحثت أمر تأميم قناة السويس، وقررت تأييد مصر فى تأميم شركة قناة السويس، على اعتبار أنها شركة مساهمة مصرية، وأن القناة جزء لا يتجزأ من مصر، كما اعتبرت الجامعة عمل الحكومة المصرية من أعمال السيادة الوطنية، وأعلنت تضامنها التام مع مصر فى الخطوات التى خطتها.


ودعت الدول العربية إلى نبذ موجة الضغط والتهديد التى تتعرض لها مصر، ورأت أن خير وسيلة لحل المنازعات الدولية هى اتباع الطرق السلمية التى نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وتم الاتفاق على أن تتابع اللجنة اجتماعاتها لدراسة جميع المسائل المتصلة بالموقف واتخاذ القرارات اللازمة.