الملك سعود فى قلب المعركة: إذا نكست مصر رأسها فلن يرفع عربى واحد رأسه

26/10/2016 - 12:13:19

عندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، فى ٢٦ يوليو من سنة ١٩٥٦، كان الملك سعود، من أوائل زعماء الدول الذين أعلنوا تأييدهم للقرار المصري، وذلك بعد ٣ أيام فقط من إعلان العدوان، وأعلنت دولة السعودية وقتها أن دعم مصر يصب في مصلحة العرب، كما أعلن الملك سعود أنه يؤيد كل ما من شأنه أن يدعم الاقتصاد المصرى ويقوى مركز الأمة العربية.


التاريخ لا ينسى كلمة الملك في ذاك الوقت، عندما قال :«أنا مع مصر بكل ما أملك»، لتعم بعدها مظاهر الفرح ربوع المملكة حكومة وشعبا بالقرار المصري بالتأميم. محمود فوزى، وزير خارجية مصر، كان قد ألتقى سفير المملكة السعودية بالقاهرة، فى ٣ أغسطس ١٩٥٦، ليعلن السفير السعودى عن استعداده تزويد سفارات مصر بباريس ولندن وواشنطن بما تحتاجه من دعم مادى.


الملك سعود من جانبه لم يكتفِ بالدعم قولا، وإنما دعا اللجنة السياسية بجامعة الدول العربية لعقد اجتماع لبحث دورها فى دعم قرار التأميم، وإصدار قرار مؤيد لمصر، وقررت دول الجامعة آنذاك تأييد مصر باعتبار أن هذا القرار من أعمال السيادة، كما أعلن الأعضاء تضامنهم التام مع القاهرة، وعدوا أى اعتداء على أية دولة عربية، بمثابة اعتداء على الدول العربية كلها.


أما السفير السعودى لدى الولايات المتحدة، وبناءً على تعليمات الملك سعود الشخصية، قام بمقابلة وكيل وزارة الخارجية الأمريكية، وأبلغه بأن تهديد الغرب بشن الحرب على مصر، سيؤدى حتماً إلى مطالبة الرأى العام للمملكة العربية السعودية باتخاذ إجراءات حازمة، وقدم يقدم اعتراض بلده على تهديدات الغرب لمصر، في الوقت الذي قدم فيه الملك سعود للشعب الأمريكى شرحاً لقضية التأميم فى حديث للإذاعة الأهلية الأمريكية، باعتبار تأميم القناة مسألة داخلية مصرية، وحقا من حقوقها المشروعة، وأن مصر ضمنت حرية الملاحة، وأن المملكة تؤيد مصر تأييدا كاملا ضد أى اعتداء يمكن أن يحدث عليها.


المملكة العربية السعودية الشقيقة، تنوعت مساندتها للجانب المصري على أكثر من مستوى، فأعلنت المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر فى المملكة العربية السعودية، يوم ١١ أغسطس ١٩٥٦، بياناً جاء فيه أن الملك سعود صرح بأن «أن الموقف الرسمى والشعبي للمملكة هو موقف التأييد التام والتكاتف العادل مع الشقيقة مصر، وأننا مع إخواننا العرب حكومة وشعبا، واقفون صفا واحداً فى هذه القضية، قضية تأميم قناة السويس التى نعدها قضيتنا جميعا».


وفى ٢٣ أغسطس ١٩٥٦م قابل الملك سعود، أندرسون، المبعوث الشخصى للرئيس الأمريكى أيزنهاور، وأوضح له أن الرأى العام فى المنطقة يؤيد قرار التأميم، وأن الوضع الآن يجعل من الصعب الوصول إلى تسوية سلمية، كما أبلغ اندرسون :»إن أى اعتداء على مصر سيكون اعتداءً على كل الأمة العربية»، واقترح أن تسحب كل من إنجلترا وفرنسا قواتهما من البحر المتوسط، وتقوم مصر فى المقابل بخفض درجة التعبئة العامة كخطوة أولى نحو إعادة تأسيس علاقة ودية وصولا لحل سلمى.


وبدا وقتها أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تعمل على حل أزمة القناة بالطرق السلمية، بما يضمن حقوق الدول فى المرور من القناة، بعيدا عن أى مناورات سياسية، وكرست لهذا الشأن مفاوضات «أندرسون» مع الملك سعود، والحكومة السعودية، هذا الاتجاه، حيث أدرك مخططو السياسة الأمريكية أن حلفاءهم فى المنطقة يتمسكون بالمنهج السلمى، ويدفعون نحو التأكيد على سيادة مصر على القناة، وأصبح العمل على حل الأزمة بالطرق السلمية خياراً استراتيجيا للولايات المتحدة، فى حين كانت بريطانيا تسير فى طريقها نحو العمل العسكرى ضد مصر، فى اتجاه مضاد لسياسة الأمم المتحدة، وهوما زاد من شدة الخلاف بين البلدين.


في ذلك الوقت كان هناك تحرك سعودي على مستوى آخر مواز، حيث ألتقى الشيخ يوسف ياسين، مبعوث الملك سعود، الرئيس جمال عبد الناصر فى ٢٧ أغسطس ١٩٥٦، ليبلغه بأن الملك سعود وضع تحت تصرف مصر ١٠ ملايين دولار، لزيادة رصيد مصر من العملات الأجنبية، تسهيلا لعمليات التجارة الخارجية، ولمواجهة الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها من الدول الرافضة للتأميم.


وكان الملك سعود حريصا على استمالة رؤية وموقف الولايات المتحدة إلى جانب الرؤية المصرية لحل الأزمة، ورصدت الصحافة رسائل كثيرة تبادلها الملك سعود مع الرئيس أيزنهاور، وأثرت هذه الرسائل على السياسيين والرأى العام العالمى، كما كان الملك سعود حريصاً على توحيد الصف العربى خلف مصر فى هذه الأزمة، ففى مقابلة مع الأمير زيد بن الحسين، عم الملك فيصل ملك العراق، فى الرياض، أكد الملك سعود أكثر من مرة ضرورة تأييد العراق لمصر فى موقفها الحالى.


لقد كانت التطورات المتلاحقة فى أزمة تأميم القناة من حيث تأسيس جمعية للمنتفعين بالقناة، والتقارير التى تتحدث عن الاستعدادات العسكرية المتسارعة لكل من بريطانيا وفرنسا ضد مصر، وكذلك العقوبات الاقتصادية التى طبقتها عواصم الغرب عليها، والدعاية المضادة لمصر فى المنطقة وأوربا، كلها أمور كانت تدعو إلى ضرورة التنسيق والتشاور بين الأقطاب الثلاثة، الملك سعود، الرئيس جمال عبد الناصر، الرئيس السورى شكرى القواتلى، فتمت اتصالات بين الزعماء الثلاثة واتفقوا على عقد اجتماعات للتشاور وتنسيق الجهود لدعم مصر ومناقشة أحوال المنطقة، وكانت المملكة هى الحاضنة لتلك الاجتماعات فى الدمام والرياض فى جو مشحون بالدعم الشعبى للزعماء الثلاثة.


وبعد أربعة اجتماعات دامت أكثر من عشر ساعات، صدر بيان فى العواصم الثلاث، وكان وراء هذا الزخم الوطنى الملك سعود، رحمه الله، الذى هيأ الأجواء للخروج بنتائج إيجابية وقوية من اجتماعات الأقطاب الثلاثة، وكان لهذا الاجتماع أثره الواضح فقد أصاب الفتور بعض الدول التى شرعت فى تأسيس جمعية للمنتفعين بالقناة، كما أن اليابان وباكستان قد خرجتا من هذه الجمعية، وفى ظل تسارع الخطوات البريطانية والفرنسية المضادة للمصالح المصرية، زاد الملك سعود من مباحثاته ولقاءاته مع قادة الدول المؤيدة للموقف المصرى، فدعا البانديت نهرو للتعجيل بزيارته للمملكة، التى كان مقرراً لها ديسمبر ١٩٥٦، ليقوم بها فى الفترة بين ٢٤-٢٨ سبتمبر ١٩٥٦، وفى يوم وصول نهرو إلى المملكة، التقى الزعيمان واستعرضا مشكلة قناة السويس، واتفق الزعيمان على تأييد مصر فى قضيتها العادلة.


وإزاء الدعم الكبير وغير المحدود من المملكة العربية السعودية لمصر فى أزمة قناة السويس، مارست بريطانيا دعاية مضادة ضد المملكة، وحاولت زرع الفتنة بينها وبين مصر وكانت تستغل الحوادث لإخفاء المملكة من التوجهات المصرية، فعندما حدث انفجار فى مصنع الأسلحة بمدينة المرج فى اكتوبر ١٩٥٦، خرجت الإذاعة البريطانية، والصحف الإنجليزية، بحملة كبيرة لاستغلال الحادث، إلا أن جهود التضامن السعودى مع مصر أستمرت، بأمر الملك سعود، بإعادة النظر فى الاتفاق المالى بين مصر والمملكة، لتحصل مصر على أكبر قدر من العملات الأجنبية، ووقعت المملكة ومصر فى ١٣ أكتوبر ١٩٥٧، اتفاقاً جديداً طبقاً لتوجيهات الملك سعود، حصلت مصر بمقتضاه على ما يزيد على خمسة ملايين دولار أمريكى.


وفى ٣٠ أكتوبر، صدر بيان عن المملكة العربية السعودية بإعلان التعبئة، كما اتصل الملك سعود بالرئيس جمال عبد الناصر هاتفيا، ليوضح له أن المملكة حكومة وشعبا جاهزة لتقديم كل ما تطلبه مصر، ثم أرسل برقية فى اليوم نفسه يؤكد فيها: «أننا وقواتنا وكل إمكانياتنا حاضرون للمعاونة لرد العدوان فعلى الباغى تدور الدوائر...أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا، وإن الله على نصرهم لقدير».


وصدر أمر للجيش السعودى بالتحرك نحو الأردن تضامنا مع الدول العربية، واستعدادا للاشتراك فى المعركة، ولكن القيادة المصرية رأت من منطلق الحرص على مصلحة الأردن عدم فتح جبهة أخرى للقتال.


لم تقف الأمور عند هذا الحد، فعندما بدا العدوان الغادر في تنفيذ مخططه، باشتراك بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل، فى أجواء المملكة بعد أن قطعت علاقاتها بهما كما أوقفت شحن النفط إليهما ليس هذا فحسب بل أوقفت المملكة ضخ النفط لمعامل التكرير بالبحرين التى كانت تقع تحت الحماية البريطانية».


وأكد فى تصريحاته بأنه لن يرسل قطرة واحدة من النفط حتى تنسحب القوات المعتدية عن مصر، وأقسم أنه يخسر يوميا مليون دولار بسبب قطع النفط عن إنجلترا وفرنسا، ولكن هذا لا يساوى شيئا بالنسبة للواجب الدينى والأخوى المفروض عليه نحو مصر.


وأرسلت المملكة العربية السعودية فى ٧ نوفمبر ١٩٥٦، منشورا سريا إلى شركات النفط الأمريكية، تخطرها فيه بأنها تعد إنذارا نهائيا للولايات المتحدة لتوقف أى نوع من أنواع الدعم الاقتصادى أو العسكرى لإسرائيل، وإلا اضطرت لتأميم حقول النفط الأمريكية.


وتطوع الأمير فهد بن عبد العزيز، وزير المعارف بالمملكة، والأمير سلطان بن عبد العزيز، والأمير سلمان بن عبد العزيز، أمير الرياض، والأمير عبد الله الفيصل، وزير الداخلية، وآخرون، في ذاك الوقت في فرقة المجاهدين السعوديين التى تكونت للدفاع عن الوطن العربى، وتقدم الكثيرون من الشعب السعودى للتطوع، وأرسل الشيخ محمد رضا، وزير التجارة السعودى الذى كان يزور القاهرة برقية إلى الملك سعود يستأذنه فى الانضمام لجيش التحرير المصرى، ووافق الملك سعود على ذلك، كما انهالت التبرعات المادية والعينية من الشعب السعودى على مصر، بدءً من الملك سعود والأمراء، ومرورا برجال الحكومة حتى أفراد الشعب.


وفى ١٢ نوفمبر ١٩٥٦ عندما حلت مناسبة الاحتفال بتولى الملك سعود رحمه الله مقاليد الحكم، تم منع مظاهر الاحتفالات التى كانت مقررة بهذه المناسبة فى مقار السفارات والمفوضيات السعودية فى الخارج، على أن تخصص المبالغ التى اعتمدت لإقامة هذه الاحتفالات للمجهود الحربى العربى.


وعلى الجانب السياسي لجأ الملك سعود لممارسة الضغوط السياسية على حكومة الولايات المتحدة، فطلب من الرئيس الأمريكى ايزنهاور التدخل السريع والفورى لإيقاف العدوان على مصر، موضحا خطورة عدم التدخل إيجابيا لإيقاف العدوان الذى سيؤدى إلى إيجاد هوة كبيرة فى الشرق الأوسط تهدد السلم العالمى.


وعندما اجتمعت القمة العربية فى لبنان لتأييد مصر ودعمها ضد العدوان، ولم يحضرها الرئيس جمال عبد الناصر لظروف العدوان، قال الملك سعود: «إننا نؤيد مصر كل التأييد، إننا نمثل فى هذا الاجتماع الرئيس جمال عبدالناصر لأنه وضع ثقته فينا جميعا، ونرجوا من الله أن يوفقنا لأجل نصرة العرب».


وعندما زار رئيس جمهورية باكستان (اسكندر ميرزا) الرياض فى ١٢ نوفمبر ١٩٥٦، والتقى الملك سعود ودارت المحادثات بشأن تصفية الأجواء والوضع فى منطقة الشرق الأوسط، رفض الملك سعود إقرار أية سياسات جديدة بالمنطقة، قبل جلاء القوات الأجنبية عن مصر، وقال نصا لرئيس باكستان «دع القوات الأجنبية ترحل عن مصر وبعدها نبحث الأمر»، وغادر إسكندر ميرزا الرياض فى ٢٢ نوفمبر ١٩٥٦، دون أن يحقق أية مكاسب.


وفى لقاءات متعددة بين الملك سعود والسفير المصرى بجدة، عبد الجواد طبالة، فى يومى ٢٥ - ٢٦ ديسمبر ١٩٥٦، أعرب الملك سعود عن عظيم سروره واغتباطه بانتصار مصر على العدوان الثلاثى، وقال: «إنه لا قدر الله وحدث لمصر سوء نتيجة لهذا العدوان لأنهارت الدول العربية جميعا، فهى حصن العرب الحصين».


وذكر الملك سعود للسفير الأمريكى أثناء الأزمة فى إحدى مقابلاته معه «إن الملك عبد العزيز والملك سعود نفسه كانا يعيشان منذ ٥٠ سنة فى الخيام، ولا يرى غضاضة عليه شخصيا أن يعود إلى عيشة الخيام مرة أخرى إذا ما وجد ضرورة لذلك دفاعا عن العرب وعن مصر، إذ أن العيشة فى الخيام أفضل لديه من أن تتحكم الدول الاستعمارية فى العرب»، كما ذكر الملك سعود أن إحدى زوجاته (أم الأمير منصور) وبناتها صمن ثلاثة أيام شكرا لله على جلاء المعتدين عن مدينة بورسعيد.


الرئيس جمال عبد الناصر، من جانبه ثمّن الموقف السعودي، عندما أخبر السفير الأمريكى فى القاهرة أنه على علاقة قوية بالملك سعود تسمح لهما بتبادل الأفكار والرؤى، دون أن يخشى من سوء الفهم، مؤكدا «أن سعود سيد لا منازع له فى بلده».