حرب بورسعيد كانت نقلة نوعية فى العلاقات الروسية ـ المصرية فى جميع المجالات

26/10/2016 - 12:03:17

بقلم : د. نبيل رشوان

ما أشبه الليلة بالبارحة، ها هىّ الذكرى الستون للعدوان الغاشم على مصر عام ١٩٥٦ تأتى ومصر تتعرض لمؤامرة جديدة هذه المرة من قوى ظلامية وعصابات إرهابية تنشر الإرهاب والدمار فى كل مكان وتروع الآمنين خاصة فى شمال سيناء، وهاهى روسيا بقواتها المظلية تقوم فى نفس توقيت الذكرى الستين لحرب ٥٦ بمناورات مشتركة مع نظيرتها المصرية ستستمر حتى السادس والعشرين من شهر أكتوبر وكأن روسيا تريد أن تقول نحن معكم اليوم ضد الإرهاب، كما كنا معكم بعد تأميم قناة السويس، ووقوع العدوان الثلاثى علي مصر.


العلاقات مع روسيا فى الوقت الحالى تسير بشكل جيد الآن ورغم ما يشوبها من شوائب فى المرحلة الحالية، إلا أنها تسير فى طريقها الصحيح، بدليل المناورات المشتركة لقوات المظلات فى البلدين، والتى تجرى تحت مسمى “حماية الصداقة” أى أننا وصلنا لمرحلة من الصداقة، وهذا شيء ليس بالهين فى وقتنا الحاضر، ومن وجهة نظرى التى ما زلت أصر عليها أن العلاقات مع روسيا على أحسن ما يكون، وإن كان يجب علينا أن ندرك بأن الصراع الأيديولوجى وزمن الحرب الباردة قد انتهى وعلينا أن ندفع ثمن ما سنأخذ، وأن تكون الاستفادة من الصداقة سواء مادية أو معنوية أو سياسية متبادلة، على غرار ما قامت به مصر من موقف شجاع بتأييد القرار الذى تقدمت به روسيا فى مجلس الأمن، وكنت واثقا أن الدافع هو العلاقة التاريخية الضاربة فى الجذور سواء بين مصر وسوريا أو بين مصر وروسيا.


وفى اعتقادى أن الموقف المصرى الأخير سيعقبه إعادة السفير المصرى إلى دمشق، وهو ما سيحدث نقلة نوعية فى العلاقات التاريخية سواء مع روسيا أو مع سوريا ولنستعد روح ١٩٥٦ عندما هتفت دمشق هنا القاهرة عندما تعرضنا للعدوان الغاشم.


نعود إلى حرب ٥٦ والموقف الروسى منها، فقد جاءت هذه الحرب، بعد عام تقريباً من عقد صفقة السلاح التشيكى كما كانت تسمى فى ذلك الوقت وفى واقع الأمر كان السلاح روسياً، وكان مدربو القوات المصرية على هذا السلاح كنوع من التمويه هم من السوفييت الذين يرتدون ملابس الجيش التشيكى والجيش البولندى. هذه الصفقة قلبت موازين القوى آنذاك وكان لها رد فعل صاخب فى كل العالم، هذه الصفقة كانت حجر الأساس فى العلاقات المصرية ـ الروسية، وربما هى التى جعلت عبد الناصر يحسم خياراته فى التوجه نحو المعسكر الذى سيتحالف معه واختار المعسكر الاشتراكى بعد فشل أى محاولات لإقناع الولايات المتحدة بتزويد مصر بالسلاح. واتجه ناصر إلى الاتحاد السوفييتى بناء على نصيحة رئيس وزراء الصين شو ين لاى أثناء مؤتمر باندونج فى مايو عام ١٩٥٥.


وكان عبد الناصر قد وضع مقياسا للصداقة وهو من يساعدنا فى الحصول على السلاح ومن يدعمنا فى بناء السد العالى، فهذا صديق، مسألة ضرورة الحصول على السلاح نشأت بعد الغارات الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة، أما بناء السد العالى فقد كان ناصر يرى فيه ليس فقط حلاً لمشاكل مصر الاقتصادية التى تواجه الجمهورية الوليدة، ولكن للسيطرة على فيضان النيل المدمر كل عام، وزيادة الرقعة الزراعية. فيما يتعلق بهاتين القضيتين الحيويتين بالنسبة لمصر ونظام يوليو الجديد، قالت الولايات المتحدة “لا” وقالتها بعد أن أعطت الأمل لمصر فى أنها ستلبى المطالب المصرية، مما أصاب القاهرة بخيبة أمل كبيرة.


وكانت موسكو بناء على تقرير رئيس تحرير البرافدا الذى حضر احتفالات الذكرى الثالثة لثورة يوليو قد اتخذت قرارا بتزويد القاهرة بالسلاح فى حال طلبها وهو ما حدث بالفعل فى سبتمبر ١٩٥٥، وأيدت موسكو قرار القاهرة بتأميم قناة السويس، ونقل قرار التأميم العلاقات بين القاهرة وموسكو إلى آفاق أرحب وأوسع عندما أعربت موسكو عن استعدادها لبناء السد العالى السبب المباشر لتأميم القناة، وهنا استشاط الغرب غضباً وكانت الإنذارات ومن ثم عدوان ١٩٥٦. وكما يقول بعض المؤرخين، إن ترحيب واشنطن ووعودها الوردية فى البداية بالاستعداد لتمويل مشروع السد العالى كان الهدف منه إفشال صفقة السلاح التشيكية ـ السوفيتية.


جاء التأييد السوفييتى لمصر فى تأميم قناة السويس منذ اللحظة الأولى، فعندما سحبت فرنسا وبريطانيا مرشديهم من إدارة حركة الملاحة فى قناة السويس قام الاتحاد السوفييتى بإرسال مرشدين بولنديين وروس كما تطوع عدد من المرشدين اليونانيين، وهنا بدأ التنسيق بين بريطانيا وفرنسا للقيام بالعدوان على مصر، فيما بقيت إسرائيل فى الظل واحتفظوا بها كعود ثقاب لإشعال الموقف، وبعد مشاورات تم تحديد يوم ٢٩ أكتوبر لبدء العدوان. وكما يقول من حضروا تلك الفترة أن تحديد توقيت بدء العدوان آخذاً فى الاعتبار شيئين، الأول أن الانتخابات الأمريكية كانت على الأبواب، والثانى أن الاتحاد السوفييتى كان مشغولاً فى أحداث الاضطرابات السياسية فى المجر.


ولن ندخل فى تفاصيل العمليات العسكرية والإنذار الفرنسى ـ البريطانى لمصر ولا إنزال المظليين فى بورسعيد ولا عن سير المعارك ولكننا سنتحدث عن الموقف الروسى من بداية الأزمة كما قلنا من قبل أُرسل إلى القناة مرشدون روس، وعند وقوع العدوان، فى حين طالبت الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار وسحب القوات من سيناء، أطلق رئيس وزراء الاتحاد السوفييتى آنذاك بولجانين تهديده الشهير والذى أعرب فيه عن استعداد بلاده لإمطار الدول المعتدية على مصر بالصواريخ إذا لم تتوقف عن العدوان، وربما لم يحدث تهديد من هذا النوع وبهذه القوة ومن دولة بهذا الحجم (الاتحاد السوفييتى) لدول كبرى بحجم بريطانيا وفرنسا، ورغم التهديد الروسى العنيف، إلا أن الاتحاد السوفييتى الذى لم يتعافِ بعد من ما تركته الحرب العالمية التى خرج منها منتصراً والتى لم يمر عليها سوى ١١ عاماً قبل نشوب حرب السويس، لم يكن يرغب فى إشعال حرب عالمية أخرى، إلا أنه ناور لإنقاذ مصر ودفع الأمور إلى حافة الهاوية بإنذار بولجانين. وفى هذا الإطار يمكن أن نورد تصريحات دميترى شيبيلوف وزير الخارجية السوفييتى فى تلك الفترة، فى حديث أدلى به للمستشرق المعروف اليكسى فاسيليف قال فيه: “لقد اتخذت القيادة السوفيتية قراراً حاسماً حينها وهو عدم دفع الأمور للنزاع العسكرى، وفكرت فى بعض الأمور ذات الطابع النفسى ونفذتها، فقد قمت باستدعاء سفراء إنجلترا وفرنسا وإسرائيل بعد منتصف الليل .... واستخدام ما عرف عن خروشوف من رعونة لصالح عملية وقف العدوان وقلت لهم: “لا أدرى بماذا سيخرج علينا خروشوف، هذا بالطبع بالإضافة إلى ما أعلنه الاتحاد السوفييتى عن أنه إذا لم يتوقف العدوان فإن الحكومة السوفيتية لن تمنع مواطنيها الراغبين فى السفر إلى مصر كمتطوعين للقتال ومشاركة الشعب المصرى فى الدفاع عن استقلاله”.


وهذا بلا شك لم يكن ليمر مرور الكرام على سفراء الدول الثلاث المشاركة فى العدوان، وفى نهاية الأمر أجبر المعتدون على الانسحاب من الأراضى المصرية، وكان للاتحاد السوفييتى دور كبير فى هذا وبعد ذلك بدأت مرحلة جديدة من العلاقات مع روسيا والاتحاد السوفييتى فقد بدأ السوفييت فى بناء السد العالى، وأعادوا تسليح الجيش المصرى وقاموا بتدريبه على الأسلحة الجيدة التى لم يتمكن من استيعابها قبل العدوان لقصر الفترة الزمنية.


وبصرف النظر عن أى أدوار خارجية أخرى ساهمت فى وقف العدوان على مصر، فإن حرب ٥٦ أحدثت نقلة نوعية فى مكانة مصر وعبد الناصر ليس فى المنطقة العربية فقط، ولكنها أصبحت نموذجاً لتحرير الإرادة للعديد من دول العالم، فقد تحررت الجزائر، واليمن الجنوبى وانتهج نظامهما الاشتراكية العلمية وهو ما صب فى مصلحة الاتحاد السوفييتى الذى وسع من قاعدة نفوذه، وفى ٥٩ انتصر كاسترو فى كوبا، وسار على نفس الطريق هذا بخلاف دعم حركات التحرر فى إفريقيا والتى تحررت تقريباً كلها من نير الاستعمار بفضل ناصر ٥٦، ليس الفيلم السينمائى، ولكن معركة مصر من أجل الاستقلال وعدم التبعية التى خاضتها من أجل الدفاع عن نفسها وتحقيق الرخاء لشعبها، وهو ما يجب أن يمثل درساً للأجيال الحالية.


كان انتصار مصر فى تحرير إرادتها عام ٥٦، وتحرر العديد من الدول العربية والإفريقية وفى أمريكا اللاتينية من نير الاستعمار سبباً فى التربص بمصر وبعبد الناصر من جديد فكانت نكسة ٦٧، التى لم تكسر مصر أيضاً، وتعافت منها فى ٧٣ وبجهود سوفييتية أيضاً، لكن لا شك سيظل العدوان الثلاثى عام ٥٦ نقطة تحول جوهرية فى القضاء على مختلف أشكال الاستعمار فى الحقبة التى تلت تلك الحرب، كما أنها أحدثت نقلة نوعية فى العلاقات بين الاتحاد السوفييتى ومن بعده روسيا مع مصر وإلى يومنا هذا رغم محاولات البعض التقليل من أهمية هذه العلاقة، لكن كما يقولون فى المثل المصرى الصديق وقت الضيق، وقد أثبت الاتحاد السوفييتى ووريثته روسيا صحة هذا المثل