عيد النصر.. ومعركة بورسعيد

26/10/2016 - 12:01:10

  كلهم مع عبدالناصر.. الجيش والشعب والحرس الوطنى والمقاومة الشعبية والفدائيون كلهم مع عبدالناصر.. الجيش والشعب والحرس الوطنى والمقاومة الشعبية والفدائيون

بقلم: د. السيد فليفل

يقولون في المثل الشعبي «الاسم لطوبة والفعل لأمشير»، عرفت المواجهات التي جسدتها معركة العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر بأسماء شتى منها: معركة السويس، حرب العدوان الثلاثي، رغم أنها وقعت في بورسعيد وكانت أكبر المواجهات في مداها الزمني وفي عنف المجابهة العسكرية هي تلك التي دارت في هذه المدينة الباسلة، ورغم هذا فيبدو أن معركة بورسعيد جسدت الصراع حول قناة السويس من ناحية واستخدامها أداة لكسر إرادة مصر وإسقاط نظام الرئيس عبد الناصر، الأمر الذي جعل كثيرا ممن عاصروا هذه الفترة وسجلوا كتابات حولها يستخدمون لفظ السويس، وهذا ما فعله كل من مؤرخ عبد الناصر: محمد حسنين هيكل، والسير أنتوني ناتنج وزير الشئون الخارجية البريطانية الذي استقال اعتراضا على العدوان، والهندي كريشنا مينون وزير الخارجية الهندي، وغيرهم كثير كتبوا في إطار رؤية تدور حول الصراع على القناة.


وبورسعيد هي مدينة فريدة فهي تقف على رأس القناة وجنوب المتوسط ناظرة إلى الشمال بعين وملتفتة إلى الجنوب بعين أخرى، هي حائط الصد الأكبر الذي دافع عن القناة ونافح عنها وحمل السلاح فيها رجالها ونساؤها وشبابها بل وغلمانها.


ولا تستحق بورسعيد أن نوجه إليها التحية فقط في ٢٣ ديسمبر من كل عام احتفاء بعيد النصر، إنها أكبر من ذلك كثيرا، أنها التي فدت مصر بكيانها وبدماء أبنائها، وهي أيضا البلد الذي حمى القناة ومنع احتلالها وأكد أن المصريين يدافعون عن رئيسهم نفسه دفاعهم عن الأرض بعد أن تجسد قائدا وزعيما مناضلا رافضا لعودة الاحتلال ومصرا على القتال لاسيما وقد بقي أبناؤه معه وهو يدير المعركة ويواجه المعتدين. لقد انتمى إلى الأرض وصار جزءا منها، فالدفاع عنه لا ينفصل عن الدفاع عن الوطن. ولقد تمثل هذا التلاحم بين القائد والوطن على نحو ضخم كبير مذهل مرة أخرى في عام ١٩٦٧ حينما رفض المصريون من الإسكندرية إلى أسوان تنحي عبد الناصر وتمسكوا به رمزا للصمود ولإدارة المعركة حتى النصر.


وفي بورسعيد وفي معركتها الخالدة من الإشارات والرموز ما يجب أن يتفاعل معه أي مؤرخ تفاعلا مستكشفا لكُنه مصر والمصريين، مستجليا حقيقة الدور الذي يقال إن مصر تملكه في هذه المنطقة من العالم، فإذا كان نابليون قد قال عن مصر إنها أهم «موقع» في الكرة الأرضية، وهو مصطلح عسكري يعطي انطباعات على مستوى الاستراتيجية المتعلق بإمكانيات عمل القوى الكبرى وسعيها للسيطرة على العالم ما يوحي بأن هذا «الموقع» هو المحدد لهيمنة القوى الأكبر وقدرتها على منع غيرها من الاستحواذ على هذا المكان الفريد، ونحن نستطيع أن نلمح في هذا القول مبررا للحملات التي وقعت على مصر سواء الحملة الفرنسية سنة ١٧٩٨، أو حملة الاسترداد الإنجليزية العثمانية ١٨٠١ وما بعده ثم حملة فريزر على رشيد ١٨٠٧، ثم ما جرى من وقائع الاحتلال البريطاني بعد ذلك.


وعلى هذا، فإن ما جرى من معارك منذ قيام إسرائيل كان محاولة لتأسيس «موقع» بديل في أقرب نقطة تربط بين البحرين المتوسط والأحمر، لتؤدي وظيفة الفصل بين العرب المشارقة والعرب المغاربة من ناحية، ولكي تنتقل قيمة الموقع في المنطقة إلى كيان مستجد صهيوني الهوى مرتبط بالغرب بحيث يدفع اليهود ثمن الدفاع عنه، وتجني القوى الغربية الحصاد وتشكل إسرائيل في ذات الوقت أداة الردع للكيان القائم في مصر أيا كان هو صديقا متحالفا مع الغرب أو عدوا مجافيا للغرب.


● ● ●


ولاشك أن هذا الموقع البديل قد لعب دورا مهما في محاولات تفكيك المنطقة انطلاقا منه باستخدام وتوظيف كافة الآليات التي امتلك الغرب اللعب عليها عسكرية واقتصادية واجتماعية وثقافية فما جرى من ربيع عربي يستهدف حلحلة فرص مصر في موقعها وأن يقع في هذا الموقع من الانهيال والانهيار ما يجعل إسرائيل البديل المناسب للموقع المصري. وفي هذا الصدد فإن قناة إسرائيل البديلة، التي تثبت الأيام يوما بعد يوم أنها مثل إسرائيل نفسها، ليست بديلا أبدا عن قناة السويس ولا عن مصر.


وللذين يتساءلون عن جدوى حفر قناة السويس الجديدة نقول: إن الرئيس عبد الفتاح السيسي أبان عن إدراك استراتيجي ووعي تاريخي في نفس واحد، وأن القناة على حالها الجديد وبأنفاقها العابرة إلى أرض سيناء تجعل من مصر ليس فقط الموقع الأوحد في المنطقة الذي يمكن أن يتحكم في طرق التجارة بين الشرق والغرب ويحدد اتجاهات حركة التوازن الدولي على مستوى العالم، ولكنها أيضا بنت أرضها وهي وبقية سيناء جزء لا يتجزأ من كيان واحد، وأن محاولات أوباما مع الإخوان لمنح قطاع غزة أرضا بديلة تبلغ ضعف مساحة القطاع لكي تصفو لإسرائيل فلسطين التاريخية، هذه المحاولات قد ولت إلى غير رجعة بفضل هذا الرئيس الذي اصطفاه المصريون من بين القيادات العسكرية ليحمل مسئولية النظر إلى المستقبل.


ولعل هذا الذي جرى هو واحد من الآثار العملاقة لانتصار ١٩٥٦، ولدور مدينة بورسعيد. إن الرجل كأنما اكتشف في قناة السويس ليس بعدا استراتيجيا فقط، ولا اقتصاديا فقط، إنما أيضا فيها بعد «المركز الكوني» الجديد للحاويات تموينا وإصلاحا وتصنيعا. كما أن في القناة أيضا مصدرا للثروة السمكية لم يعمل أحد عليه من قبل مطلقا، وإضافة إلى هذا فإنها صارت مدخلا إلى سيناء ومشروعات وادي التكنولوجيا، وبرامج التصنيع المختلفة للقوى الكبرى حول العالم، ما يؤكد أن الذين شككوا في المشروع واعتبروه مجرد ترعة جديدة لا يستحقون إلا أن يتم إغراقهم فيها ((فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)). إن رموز الجهل والتضليل لم يروا رؤساء الدول جالسين في الافتتاح ولا الناقلات العملاقة تمر.


في بورسعيد أيضا ملمح مهم يتعلق بالرموز البسيطة والشخصيات النادرة من أبناء المدينة الذين كانوا على مدار الأحداث ومن بعدها شخصيات وطنية يحتفى بها في كل مكان وعلى مر الزمن. وذلك على الرغم من أنها تنتمي إلى المجتمع البسيط الذي حصل على قدر من التعليم ليس كبيرا ولكنها ترتبط بجذور عميقة للوطنية المصرية، وآمنت بالقيادة وبنداء «الله أكبر» الذي أطلقه الرئيس عبد الناصر من فوق منبر الأزهر. لقد جسد هؤلاء الرجال معنى خطبة الرئيس من على منبر الأزهر الشريف، وجسد هؤلاء الرجال حالة فريدة من حالات الفداء فأحدهم، وهو الأستاذ محمد مهران، قاتل الإنجليز إلى الحد الذي بحثوا عنه في كل مكان، وطاردوه في الشوارع والحواري والأزقة بعد أن نال منهم، وبعد أن أدى إلى إصابة قياداتهم وجنودهم إصابات مؤثرة فأخذوه إلى قاعدتهم العسكرية في قبرص حيث عرضوا عليه أن يسب عبد الناصر مقابل أن يأخذوا عينا من عينيه لضابط بريطاني كبير ويتركوا له العين الأخرى، فإن رفض فإن عليه أن يدفع عينيه ثمنا لرفضه هذا. فلما أحضروا له إذاعة «بي بي سي» وبدلا من أن يسب زعيمه صاح بشعار الله أكبر وطالب المصريين بالوقوف خلف الرئيس والقتال حتى آخر نفس. وعلى الرغم من أن الإنجليز كانوا من الخسة بحيث أخذوا عينيه عقابا له على ما قال فإنك لتعجب أشد العجب للحالة المزاجية للسيد محمد مهران فهو رغم تقدم سنه لا يزال باقيا على نفس الروح، ولا يزال مؤمنا بما صنع، ولقد أبدله الله عن نور عينيه نور بصيرة استسهلت التضحية وقبلت بها. وكما قال له عبد الناصر بعد أن أعاده الإنجليز إلى مصر ليكون عبرة للمصريين: إن الجريمة التي ارتكبوها في حقك سوف تكون أبد الدهر علامة على خسة البريطانيين.


● ● ●


رجل آخر كان فتى في السادسة عشرة، وهو السيد عسران، انخرط في المقاومة الشعبية وبرع فيها، لكنه في إطار اللعب الحر المفتوح للفدائيين وضع قنبلة يدوية داخل رغيف خبز ومضى في الشارع يأكل في هذا الرغيف حتى وصل قرب سيارة الكابتن ويليامز قائد المخابرات العسكرية البريطانية في القناة حاملا خطابا في يديه يشير به إليه فظن الغبي أنه أحضر إليه كشفا بأسماء الفدائيين مقابل ما أعلنت عنه الأجهزة البريطانية من مكافأة للخائنين، فإذا بالبطل يسحب الفتيل ويضع القنبلة داخل السيارة وينطلق مسرعا إلى عجلة كان قد أعدها ويفر من الإنجليز ليلقاهم مرة أخرى في عملية تلو الأخرى. وبينما قضى ويليامز من فوره عاش السيد عسران عمرا طويلا من بعد ذلك، لم يطلب لا هو ولا مهران مكافأة من أحد، بل كان حلم عسران الوحيد قبل وفاته أن يسمى الشارع الذي توجد فيه المقابر بشارع جمال عبد الناصر لكي ينام مرتاحا في جوار حبيبه.


بورسعيد أيضا تحمل مزيدا من الإشارات، فعندها وعلى المستوى الدولي هذه المرة، نستطيع أن نقول إن التاريخ يقف عندها ليختم مرحلة من الهيمنة البريطانية الفرنسية ويبدأ مرحلة جديدة تخلو من هاتين القوتين نفوذا واستعمارا، فمن بعدها قررت بريطانيا الانسحاب من كل مستعمراتها شرق السويس بحلول عقد من الزمان، وذلك من تلقاء نفسها بعد أن عرفت أن شعوب العالم قد ارتأت الحكمة والبطولة فيما صنع ناصر، وإنها على طريقه أخذت عهدا بالمضي أبدا حتى ينتهي الاستعمار من أرضها. ولكن الرجل لم يكن يؤمن بإعلانات الاستعمار، كما لم يكن عبد الناصر يرى فارقا بين شرق السويس وغرب السويس فقد استمر في ملاحقة بريطانيا في كل مكان تستعمر فيه شعبا من الشعوب وحمل قضية الاستقلال باعتباره يؤدي دورا إنسانيا رائدا وذلك في إطار حركة عدم الانحياز من ناحية، وحركة الوحدة الإفريقية من ناحية ثانية، الأمر الذي أعطى للرجل زخما شعبويا لم ينله قائد آخر على مر العصر الحديث.


● ● ●


ولقد ارتفع الحماس لعبد الناصر على أرض إفريقيا حيث تنادى إليه قادة الأحزاب الوطنية وحركات التحرر والمنظمات المقاومة إلى القاهرة، ويكفي أن يقول مانديلا: «لقد علمنا جمال عبد الناصر أن حجرا في أيدينا أقوى من المستعمر المدجج بالأسلحة». بل إن المدهش أن الدول الغربية نفسها راحت تصور عبد الناصر ملاكما يطيح برئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن، ورئيس الوزراء الفرنسي جي موليه، بينما رسمت الصحافة البريطانية جمال عبد الناصر وقد أمسك بذيل الأسد البريطاني وراح يقطع فيه.


من ثم فإن بورسعيد كان لها ما بعدها، لقد مضت حركة التحرر الوطني في العالم مسترشدة بالنموذج المصري ومقتدية بالزعيم المصري والذي نجح في أن يستقطب القيادات إلى جواره بحيث اصطفت حركات التحرر في العالم في صف واحد. وكانت وحدة المصير إذن هي مصدر القوة في المجابهة.


ولئن كان قرار تأميم قناة السويس مثار غضب المستعمرين بريطانيا وفرنسا فإن إسرائيل أقحمت نفسها في المجابهة بحثا عن اختصار للزمن يضعها «موقعا بديلا» أو يستعيد للحليفين بريطانيا وفرنسا موقعهما في قناة السويس كي تطمئن هي، بيد أن فرنسا كان لها مع عبدالناصر شأن آخر، فلم يكن تأميم القناة وحده هو الذي أثارها، إنما كانت فرنسا قد بدأت مبكرا في تسليح إسرائيل بأعتى أنواع الطائرات، كما أهدت إليها الخبرة النووية وأسست مفاعلها في ديمونة، وهو ما اعتبره عبد الناصر خيانة من فرنسا التي كانت تأكل خير شركة قناة السويس، فإذا بها بدلا من أن تتعاون مع الشعب المصري إذا بها تسلح خصومه. وكان رده حاسما في الجزائر، فهو لم يدرب الثوار الجزائريين فقط على الأعمال العسكرية، وهو أيضا لم يتبن قضيتهم على الصعيد الدولي والعربي والإفريقي بل إنه أيضا أعلن ثورتهم من إذاعة «صوت العرب» والتي عملت طوال فترة الثورة كإذاعة جزائرية تدين جرائم فرنسا وتنشر أخبار الانتصارات التي يحرزها الثوار، وفضلا عن هذا فإن مصر نجحت عن طريق حركة طبيعية لانطلاق الرعاة وجمالهم من صحراء مصر الغربية عبر ليبيا بالتنسيق مع مصطفى حليم رئيس وزراء ليبيا، ومع الثوار الليبيين وثوار تونس في إرفاد الثوار بالأسلحة عبر قوافل لا يمكن إطلاقا رصدها. ولهذا كان انتقام فرنسا كبيرا، ولهذا أيضا كانت خيبتها كبيرة بالمقاومة الشديدة التي طرحتها أرضا ليس في بورسعيد وحدها ولكن في الجزائر أيضا. والأدهى من ذلك أن الهزيمة أدت إلى انسحاب فرنسا من الجزائر ومعها نحو مليون من الجزائريين المتفرنسين الذين صاروا عبئا بعد ذلك على الدولة الفرنسية وأسقطوا حكومتها ومهدوا لرئاسة الجنرال ديجول للدولة بعد أقل من عامين من العدوان الثلاثي. فلم تكن هزيمة بورسعيد إذن هزيمة غيرت حكومة، بل إنها جلبت إلى الحكم الجمهورية الرابعة في فرنسا والتي قامت على مبدأ مشابه للمبدأ الذي أعلنته بريطانيا بالانسحاب من المستعمرات وذلك عبر ما عرف باسم «دستور ديجول».


لم يكن النجاح الذي جرى بعد معركة بورسعيد صغيرا، إنما كان كبيرا وكان إقليميا ودوليا على نحو باهر بحيث ظهر العالم كما لو كان معلنا عن زعامة دول العالم الثالث لشعوبها، وعن انحسار الاستعمار القديم انحسارا متسارعا وبإيقاع غير متخيل في تدفقه بما يقطع بأن هذه المعركة صنعت عالم ما بعد ١٩٥٦ باعتباره عالما يشهد ثلاث قوى هي الكتلة السوفيتية الشرقية والكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة وكتلة عدم الانحياز والتي وقفت تنقذ العالم في المواجهة بين الكتلتين الشرقية والغربية في أزمة الصواريخ السوفيتية في كوبا وتتدخل بين القوتين بما يؤكد أن العالم أصبح أكثر ديمقراطية وأنه ليس ملعبا للقوتين الكبيرتين فقط بل إن ما يسمى بالعالم الثالث يملك مصيره بين يديه ويتحرك بحثا عن مستقبله ويشارك أيضا في صياغة الموقف الدولي.


وقد كان من نتائج ذلك أن مصر التي كانت من أوائل من اعترفت بجمهورية الصين الشعبية قد ساعدت فيما بعد في دخولها إلى مجلس الأمن ممثلة للشعب الصيني العظيم.


لكن المتحذلقين والمتفلسفين والذين يكرهون أن يروا في وطنهم استقلالا وفي زعيمه قيادة دولية راحوا يتحدثون عما جرى على أنه نصر سياسي وهزيمة عسكرية، بل إن بعضهم قال إنه لولا تدخل الولايات المتحدة ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ما تم الانسحاب، وطرف ثالث قال لولا أنه الإنذار السوفيتي لكانت مصر محتلة!!!!!


ولثلاثتهم سؤال بسيط: هل كان كل ذلك ممكنا أن يحدث لولا صمود الشعب المصري؟ إن العالم لا يحترم إلا الأقوياء، ولما كنا أقوياء تعاقبت القرارات، ولو كنا ضعافا لم تكن القرارات لتفيد شيئا ولكانت بريطانيا وفرنسا تدير أمورنا من بعد ذلك ولكان لإسرائيل وجود في شرق البلاد. إنها البطولة المصرية جسدتها مدينة بورسعيد. تحية للمدينة الباسلة ولأرواح الشهداء والمقاتلين. وتبقى مصر دائما قوة قادرة على إدراك العالم وما يجري فيه، وعلى خوض المنازلات بكل مرارتها وعلى تقديم الثمن مهما كان فادحا من أجل أن تبقى حرة مستقلة. ويبقى القرار المصري قرارا مؤثرا صانعا للعالم الذي نعيش فيه سلماً أو حرباً.


● ● ●


ولهؤلاء جميعا أسوق الموقف التالي: اتصلت أنديرا غاندي بأبيها جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند تفيده بأنها أنهت رسالتها للدكتوراه وحصلت عليها بأعلى التقديرات وأنها بصدد العودة إلى البلاد، فطلب إليها أبوها أن تمر في طريق عودتها على القاهرة حيث يرتب لها لقاء مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر لأن ذلك سيكون إضافة مهمة في تاريخها، وفي القاهرة التقت الدكتورة أنديرا غاندي بالرئيس عبد الناصر وما إن وضعت يدها في كفه حتى انخرطت في بكاء شديد وقد انحنت توشك أن تجثو على ركبتيها. فتساءل الرئيس في دهشة: دكتورة أنديرا ماذا بك؟ فردت: إنني لا أصدق نفسي أنني أقف الآن واضعة يدي في يد الرجل الذي أسقط الإمبراطورية البريطانية.