قرار تأميم قناة السويس وأثره على النظام الدولى السابق والراهن

26/10/2016 - 11:55:49

بقلم: لواء د. مصطفى كامل محمد

تحتفل مصر بعـد أيام قليلة بمرور ستين عاما على صدور قرار تأميم قناة السويس، وهو القرار الذى أحدث كثيرا من المتغـيرات التى تميـزت بسرعة وكثافـة وتراكم تفاعلاتها، وأدى إلى غياب قوتين عالميتين من الساحة الدولية وعمل على ترسيخ النظام الدولى ثنائى القطبية، وكان سببا رئيسيا فى تحويل هذا النظام لنظام دولى جديـد انفردت فيه الولايات المتحدة بالنفوذ على الساحة الدولية، وهو بذلك يُعـتبـر أحـد الأحـداث الهامة ذات التأثير الكبير فى هدم وبناء نظامين دوليين متتاليين، وهو بذلك أيضا يُعـتبـر أحد العلامات الفارقة بالغة الأهمية ليس فقط في التاريخ المصرى المعاصر، بل أيضا فى التاريخ السياسي للعالم بأسره، ويأتى هذا القرار بعد الحرب العالمية الثانية كأحد أكبر التحولات الرئيسية ذات التأثير المباشر فى المعادلة الاستراتيجية الدولية والإقـليمية على حد سواء.


إذ يُشير الواقع إلى أن تفاعلات هذا القرار قد بدأت بالعدوان الثلاثي على مصر، العدوان الذى يُعرف عالميا بحرب السويس، وهى الحرب التى جمعت أطرافا دولية وإقليمية عديـدة، فقد جمعت قوتين عالميتين، كلٌ منهما لها وزنـها وتأثيرها فى المعادلة الدولية آنذاك، هما بريطانيا العظمى وفرنسا، وقوتان إقليميتان فاعلتان فى نسقهما الإقليمى هما مصر وإسرائيل، ثم انخرطت فى تفاعلات هذه الحرب القوتان الصاعدتان الساعيتان للانفراد بالنفوذ على الساحة الدولية معا، فى النظام الدولى (الجديـد آنذاك) ثنائى القطبية هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، القوتان العالميتان اللتان كان فى مقدورهما التعاون لقيادة العالم نحو الاستقرار، وتحقيق الأمن والسلام فى العالم، لكنهما فضلتا التنافس فغرقتا في حرب باردة مستعـرة من شدة هذا التنافس.


وترتيبا على ذلك، فقد أفرزت تفاعلات هذا التنافس ظاهرة جديدة فى المعادلة الدولية عُرفت بظاهرة «الاستقطاب»، التى أثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة على دول وشعوب العالم، خاصة فى كتلة العالم القديم (إفريقيا وأوربـا وآسيا)، إلى الحد الذى تم فيه تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ تكاد تكون متساوية إلى حد بعـيـد بين القطبين خاصة فى منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية المطلقة فى استراتيجيات القطبين بحكم موقعـها الجيوستراتيجى الفريد، وتحكمها فى مسطحات مائية هامة، واعتبارات استراتيجية أخرى عـديدة، وأسهمت هذه الظاهرة الجديدة بدور رئيسي فى تأسيس تحالفات وتحالفات مضادة عديدة، وبناء توازنات وتوازنات مضادة جديدة فى المنطقة على نحو خاص .


ثم جاءت حرب السويس فى أعـقاب إعلان قرار تأميم القناة، وهى الحرب التى أدت إلى أفول نجم أكبر إمبراطوريتين استعماريتين تحتلان معظم إن لم يكن جميع دول الشرق الأوسط، وكل دول شرق آسيا إلا قليلا، ودول القارة الإفريقية، كما أدت إلى تعاظم حركات التحرير فى جميع الدول المحتلة، وقامت مصر بدور رئيسى فى دعم هذه الحركات التحررية معنويا وماديا سعيا وراء الاستقلال إلى أن نالت هذه الدول والشعوب مرادها، وأسهمت إلى حد كبير فى ترسيخ النظام الدولى الجديد آنذاك ثنائى القطبية، حتى نجحت الولايات المتحدة فى هدم هذا النظام وتأسيس نظام دولى جديد (النظام الراهن) انفردت فيه بالنفوذ على الساحة الدولية، فكيف أسهم قرار تأميم قناة السويس فى ذلك؟، للإجابة عن هذا السؤال الجامع فإنه ينبغى توضيح الأسباب التى أدت نشوب هذه الحرب أولا، ثم توضيح الأهداف الحقيقية للقوى المعـتدية المطلوب تحقيقها من هذه الحرب ثانيا، وما هى النتائج التى ترتبت عليها ثالثا .


فبالرغم من تعدد أسباب قيام هاتين القوتين العظميين ومعهما إسرائيل بالعدوان على مصر، إلا أن الواقع يُشير إلى أن قرار تأميم قناة السويس سيظل يُعـتبر هو السبب الرئيسى الذى تجلت فيه مظاهر وتفاعلات إشعال هذه الحرب، وتأتى من بعـده أسباب فرعـية عـديدة، لعل أهمها هو توجه الدولة الفتية بعد نجاح حركة الضباط الأحرار بدعم الشعب للغريم التقليـدى للولايات المتحدة، لكسر احتكار الغرب للسلاح أولا، وبناء جيش وطنى قوى وتسليحه بصفقة أسلحة تشيكية عام ١٩٥٥ثانيا وهو الأهم، فنشأت أزمة علاقات بين الولايات المتحدة والغرب من جهة، وبين مصر من جهة أخرى استمرت لمدة طويلة من الزمن، إلى جانب قيام مصـر بدعم حركات التحرر في العالم مما أغضب الدول الاستعمارية، خاصة فرنسا عندما قامت مصر بدعم الجزائر معـنويا وماديا بالأسلحة والعتاد والمدربين، فضلا عن انهيار المفاوضات حول التمويل الغربي لمشروع بناء السد العالي بأسوان وإسناد المشروع للجانب السوفييتى.


فتلاقت إرادات القوى الثلاث حول هدف واحد، وهو ضرورة كبح جماح الدولة المصرية الفتية الناشئة التى قد تهدد مصالح القوتين فى منطقة الشرق الأوسط وتهدد إسرائيل ككيان مستقبلا، فتوحد الأهداف يؤدى إلى التعاون، أما تفرقها فيقود إلى اللاتعاون، ويكمن الهدف الفرعى لبريطانيا فى ضرورة تواجدها فى منطقة قناة السويس لتأمين خطوط مواصلاتها البحرية مع مستعمراتها خاصة فى الهـنـد وهونج كونج، أما فرنسا فقد شعرت بالإهانة القومية خاصة بقيام القائد السياسى المصرى بفرض إرادته، وقيامه بدعم الجزائر ماديا ومعنويا وتسليحيا وتدريبيا، أما إسرائيل فكانت أهدافها متعددة، إذ يُمكن حصر أهمها فى الآتى :


أن تثبت للعالم العربى أنها قد انتقلت إلى مصاف الدول العظمى، وأنها قادرة على إحراز نصر جديد بعد أن انتصرت فى حرب ١٩٤٨ .


أن تؤكد أنها قادرة على حماية أمنها القومى، وأن دولتها أصبحت راسخة كوطن قومى لليهود أينما وجدوا لتشجيع هجرتهم إلى وطنهم.


ضمان تحقيق حرية الملاحة فى مياه العقبة خاصة فى مضيق تيران.


ولتحقيق أهداف القوى الثلاث، اتفقت القوتان العظميان بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل على أن تقوم قواتها المسلحة بمهاجمة سيناء، وعـند اشتباكها مع القوات المصرية تقوم بريطانيا وفرنسا بالتدخل وإسقاط قواتهما جوا فى بورسعيد ومنطقة قناة السويس لمحاصرة الجيش المصري، وشنت إسرائيل هجومها على سيناء فى ٢٩ أكتوبر ١٩٥٦ونشبت الحرب، فأصدرت كل من بريطانيا وفرنسا إنذاراً بوقف إطلاق النار، وأن يقوم الجانبان المصرى والإسرائيلى بالانسحاب لمسافة ١٠ كم من ضفتي قناة السويس، وهو ما يعنى أن تفقد مصر سيادتها على قناة السويس، فرفضت مصر الإنذار، ونزلت القوات البريطانية والفرنسية في مناطق الإسقاط الجوى المحددة فى منطقة الجميل ببور سعـيـد ومناطق أخرى، وانسحب الجيش المصرى عـندما استشعـر المؤامرة، فلم تتمكن القوات البريطانية والفرنسية من محاصرته، وأصدر كل من الاتحاد السوفييتى والولايات المتحدة إنذارا للدول الثلاث بالانسحاب الفورى دون شرط من سيناء، وتم الانسحاب الفرنسي البريطاني من بورسعـيـد فى ٢٣ ديسمبر ١٩٥٦، وأصبح هذا اليوم عـيـدا قـوميـا لمحافظة بورسعـيـد  يتم الاحتفال به فى كل عام، وأطلق عليه عيد الجلاء .


أما القوات الإسرائيلية فقد انسحبت فى ٢٤ مارس ١٩٥٧، بعد انتشار وتمركز قوات الطوارئ الدولية فى المناطق المحددة لها على طول الحدود بين مصر وإسرائيل، وفي منطقة شرم الشيخ المطلة على خليج العقبة، للإشراف على جزيرتى تيران وصنافـيـر لضمان حريـة الملاحة فى مضيق تيران، وخرج القائـد السياسى المصرى منتصراً سياسياً، وأدركت كل من بريطانيا وفرنسا أنهما ارتكبتا حماقة تاريخية واستراتيجية عظيمة أدت إلى فقـدان مكانتيهما فى المعادلة الدولية، فأصبح للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي دوراً جديداً فى النظام الدولى ثنائى القطبية بشقيه المحكم والمرن، بعـد أن تم إقصاء هاتين الإمبراطوريتين من المعادلة الدولية كأكبر وأقوى قوتين عالميتين، كانعكاس صريح للإنذار الأمريكى الذى كان يهدف إلى وضع استراتيجية «ألفريد ماهان A. Mahan» موضع التنفيذ، والتى نشرها فى كتابه سنة ١٩٠٢ The Influence of Sea Power Upon History، إذا أرادت الولايات المتحدة يوما السيطرة على العالم فعـليـها أولا: تـقـليـص نفوذ الدول الاستعمارية أينما وجد، ثم إبعـاد القوى الاستعمارية تماما عن مستعمراتها، على أن تملأ الولايات المتحدة الفراغ الاستراتيجى الذى قد ينشأ، وعليها ثانيا: بناء قوة بحرية لا يمتـلكه أحد من القوى العالمية المنافسة، وعـليـها ثالثا : تأسيس وبناء نظام دولى جـديــد تتربع على قمتـه وتنفـرد فيه بالنفوذ عـلى الساحة الدولية.


ويُشير الواقع إلى أن الإنذار الأمريكى الذى وجهه «أيزنهاور» لكل من بريطانيا العـظمى وفرنسا لم يكن إلا لتحقيق الهدف الأول، فقد ظلت الولايات المتحدة تعـمل على تـقـليـص نفوذ الدول الاستعمارية أينما وجد، إلى أن تمكنت فى النهاية من إبعـاد القوى الاستعمارية تماما عن مستعمراتها، وتمكنت أيضا من أن تملأ الفراغ الاستراتيجى الذى نشأ من استبعاد النفوذ الاستعمارى بصورة أو بأخرى، إذ يُمكن ملاحـظة أن بعـد ما حصلت ليبيا على استقلالها فى عام ١٩٥١، تبعتها فى عام ١٩٥٦ تونس فالمغرب فالسودان ومعظم دول الخليج، ثمٌ غـانـا في العام الذى تلاه لتصبح أول دولة من جنوب الصحراء الكبرى في إفـريقيا تحصل على استقلالها، بينما حصلت معظم دول القارة على استقلالها على مدى العقد التالى.


أما الهدفان الثانى والثالث فقد كشف عنهما الرئيس جون كينيدى فى بداية ستينيّات القرن الماضى فى الخطاب الذى ألقاه بمناسبة تدشين حاملة الطائرات العملاقة كيتى هوك، التى كانت لا تُغادر شواطئ الولايات المتحدة إلا عـند التصعـيد للحدود القصوى للصراع (وضعت كاحتياطى استراتيجى للقوات البحرية الأمريكية)، إذ تضمنت الفقرة الأولى من الخطاب ما يلى « ظلت البشرية تحلم منذ قرون مضت بنظام عالمى، تحكمه حكومة عالمية، له برلمان عالمى، يحتضن داخله كل الأجناس والألوان والأديان، فإذا لم تتمكن البشرية من إقامة مثل هذا النظام، فلماذا إذن لا يكون هناك نظام عالمى بصيغة ترضاها الولايات المتحدة».


أما الفقرة الثانية فقد تضمنت الآتى»إن السيطرة عـلى البحار والمحيطات تعـنى الأمن، والسيطرة عـلى البحار تعـنى السلام، والسيطرة عـلى البحار تعـنى النصر، فإذا كان هـناك درس من القـرن العـشرين يجب أن ندركه، فهو بالرغم من التقدم المذهل فى الفضاء والجو، إلا أنه يتعـيـن على الولايات المتحدة أن تكون قادرة على التحرك السريع عبـر بحار العالم، ومعرفـة المحيطات، وينبغى ألا يكـون ذلـك حب الاستطلاع، فإن بـقـاءنـا يـوما قـد يتوقـف على ذلك».


هكذا حدد الرئيس الأمريكى الهدف النهائى للولايات المتحدة وهو السيطرة على العالم وفرض نظام عالمى جديد، ثم حدد بعد ذلك استراتيجية تحقيق هذا الهدف (بناء استراتيجية بحرية متفوقة) وتمكنت من السيطرة على البحار والمحيطات بهـذه القوة التى تُعـد هى الأقوى حتى الآن، كما تمكنت من إقامة نظام عالمى انفردت فيه بالنفوذ وأصبحت قائدة لتفاعلاته، وهيمنت على منظماته ومؤسساته الأقـوى، بعـد أن تمكنت من هزيمة المعسكـر الآخـر هزيمة ساحقة، وأسقطت أحزابــه الشيوعية، وحولت أنظمته إلى أنظمة ديمقراطية، وعملت على تفكيك دوله، وهدمت سور برلين العـظيم، وهكذا أسقطت الاتحاد السوفييتى وحولته إلى أنقاض دول وبقايا شعوب فى حرب باردة نستطيع أن نطلق عليها دون مبالغة - الحرب العالمية الثالثة - دون أن توجه طلقة واحدة فى اتجاه عدوها اللدود الذى استطاع يوما أن يحقق التوازن الاستراتيجى معها فى نظام عالمى ثنائى القطبية بشقيه المحكم والمرن.


وبالرغم من تعـمـد بعـض القوى العالمية والإقليمية فى الوقت الراهن، والتقليل من أهمية ودور قناة السويس، عن طريق طرح المشروعات الوهمية لإسرائيل لمنافسة القناة، والسعى الدؤوب لبناء ناقلات البترول وحاملات الحاويات العملاقة، وإنشاء خطوط أنابيب لنقل بترول المنطقة من مناطق إنتاجه مباشرة، خاصة بعـد الثورة الشعبية المصرية فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣ التى ساندتها القوات المسلحة، وبالرغم أيضا من التطور الهائل فى وسائل المواصلات والاتصالات، والتقدم المذهـل فى التكنولوجيا خاصة فى وسائل ووسائط الصراع المسلح، إلا أن قناة السويس ستحتفظ بمكانتها ودورها، خاصة عـنـدما تنتهى تأثيرات تفاعلات الأزمة المالية الحالية من حالة الانكماش إلى حالة الرواج، ومن ثم ستحتفظ أيضا منطقة الشرق الأوسط بأهميتها الجيوستراتيجية، بالرغم من التحولات التى بدأت أن تطرأ فى النظام العالمى الراهن أحادى القطبية ليكون نظاما عالميا جديـدا ربـما تتعـدد فـيـه الأقطاب وإن كانت ملامحه لم تتبلور بعـد.