حلقة فى معركة صراع الإرادات

26/10/2016 - 11:49:08

  الدبابات لاترهبنا.. أطفالنا رجال وأنتم أشباه رجال الدبابات لاترهبنا.. أطفالنا رجال وأنتم أشباه رجال

بقلم: أحمد الجمال

كثيرًا ما يجد الكاتب أن الموضوع يكتب نفسه، إذ بمجرد أن تأتى الفكرة حتى تتدفق المضامين بل والعبارات فى الذهن، لتجد سبيلها للورق أو للوحة الكمبيوتر دون جهد، وإذا كان ثمة جهد فهو لكبح هذا التدفق كى يبقى محكومًا بالإيجاز والوضوح والدقة.. وهذا ما حدث بينى وبين ١٩٥٦!! وأقول ١٩٥٦ بالأرقام لأننى لو ذهبت إلى تحديد «أى ١٩٥٦؟!» أى مجرد العنوان لكتبت أكثر مما هو وارد كتابته فى إحدى الجزئيات!


١٩٥٦ من زاويتى الذاتية هى ما حفر فى ذهن صبى بلغ العاشرة يعيش مع أسرته فى مدينة صغيرة هى دسوق بلد قطب الغوث مولانا إبراهيم ابن أبى المجد المشهور بالدسوقي.. وأما ما حفر فهو عميق وواسع لدرجة أنه يمكن أن يكون الموضوع كله.


أما ١٩٥٦ من زوايا أخرى  - بغير حصر - فهى الحلقة الصلبة المشعة من حلقات معركة الإرادة بين الشعب المصرى وبين القوى التى ما فتئت تريد كسره.. ثم بينه وبين تحديات الفقر والجهل والمرض والتخلف والتبعية، ولذلك كان هو الشعب النموذج الذى ألهم فيلسوف التاريخ أرنولد توينبى البريطانى قانون «التحدى والاستجابة»، الذى رأى أنه هو الأساس فى فهم الحركة التاريخية أو فهم علاقة الإنسان بالزمان.


وطالما بقيت هذه التحديات فإن معركة صراع الإرادات مستمرة منذ الماضى إلى الحاضر وأيضًا للمستقبل، تتعدد صورها وقد تختلف أطرافها ولكن مضمونها يبقى كما هو: شعب يريد الحياة حرًا كريمًا فى كل جوانب حياته دون أن يعتدى على أحد، وأطراف وظروف تتقاطع مع هذه الإرادة لأسباب بغير حصر، وبحكم أن التاريخ هو حلقات متصلة ممتدة من الماضى للحاضر وللمستقبل، فإنه لا يمكن أن نفصل بين حلقة ١٨٠٥ عندما ثار شعب مصر ليفرض إرادته على العثمانيين ليغيروا نمط الحكم الذى سار عليه ولاتهم، وبين حلقة ١٨٨٢ عندما تحركت طلائع شعب مصر فى جيشه لتتصدى للظلم والتمييز والنهب، ثم حلقة ١٩١٩ عندما تحرك الشعب كله لفرض إرادته لتحقيق الاستقلال والديموقراطية، ثم حلقات أخرى فى ١٩٣٥، و١٩٤٦ وصولاً إلى ١٩٥٢ حيث تم التغيير تمهيدًا للاستقلال فكان الجلاء ١٩٥٤، وكان التوجه للبناء والتنمية بالسيطرة على موارد الثروة الوطنية، والاتجاه القوى للانطلاق من النهر إلى البحر عبر الدوائر الثلاث العربية والإفريقية والإسلامية بل والدولية.. ثم يتعاظم تفعيل الدور المصرى المحقق للإرادة المصرية، فتأتى الوحدة العربية الأولى ١٩٥٨ وهلم جرا، إلى أن نجد أنفسنا الآن فى أوج معركة صراع الإرادات على كل المستويات: داخليًا وإقليميًا ودوليًا!!


إنه سياق يستوجب النظر بدقة شديدة إلى الإرادات الأخرى المتقاطعة مع الإرادة المصرية، وربما كان أسلوب «استبدال المقاعد» أو «تدوير الطاولة» مفيدًا فى هذا النظر بمعنى أن نضع أنفسنا على المقاعد أو على الجانب الذى يجلس فيه الآخر المضاد، ونرى كيف يمكن أن يفكر وأن يخطط وأن يتحرك!، فقد نكتشف أن هذه المعركة المستمرة المتصلة تلزمنا إلزامًا حتميًا لا يحتمل التحلل منه بأن نطور أدواتنا ومناهجنا وكيفية إدارتنا مع بقاء أهدافنا ومبادئنا ثابتة لا تفريط فيها!


لقد كنا فى معركة صراع الإرادات عندما وجدت القوى الدولية فى القرن التاسع عشر أن تحرك الجيش المصرى فى ١٨٨١، والمطالب التى طالب بها قادة الثورة يمكن أن تحيى وتجدد الدور المصرى الذى تم تقويضه بمعاهدة لندن ١٨٤٠، وبدون أن أسهب فى التفاصيل تدليلاً على ما أذهب إليه كان التدخل البريطانى والاحتلال يستهدف استمرار تقويض دور مصر، وأيضًا وضع مصر فى جانب طرف بعينه فى الصراع الاستعمارى الدولى آنذاك!


وبقينا فى صراع الإرادات عندما حققنا إنهاء الحكم الأوتوقراطى الملكى الفاسد، وحققنا اتفاقية جلاء المحتل، ثم أفصحنا عن تصميمنا على تنمية مستقلة صناعية زراعية ونهضة شاملة سياسية وثقافية وعلى وحدة عربية وعلى دعم حركات التحرر فى العالم، واتجهنا عمليًا لتحقيق بدايات كل هذا السعى الإرادى وكان السعى لبناء السد العالى هو أبرز تلك البدايات.. عندها أدركت إرادة الاستعمار القديم ومعه الدولة الصهيونية أننا خطر قائم وأشد خطورة مستقبلاً، رغم أننا لم نبادر أحدًا بالعدوان ولا سعينا للاشتباك.. وفى هذا أذكر الواقعة المعروفة بعد قيام ثورة يوليو بفترة وجيزة عندما جاء زائر سياسى أمريكى لمصر، وبعدها اتجه للدولة الصهيونية وعند أول لقاء مع بن جوريون وشاريت ومائير قال لهم: جئتكم بأفضل وأهم خبر ممكن أن تتمنوا سماعه وهو أننى جلست مع عبد الناصر، وسألته عن أولويات أهداف نظامه فقال مباشرة: أولويتنا هى الانصراف لبناء وطننا بناءً قويًا على كل المستويات وليس فى أجندتنا الدخول فى حرب مع إسرائيل، عندها صاح الصهاينة: «هذا أسوأ خبر يمكن أن نسمعه فى هذا القرن»!!


هكذا يمكن أن نلخص معركة صراع الإرادات.. إذ لم تكن ١٩٥٦ عدوانًا ثلاثيًا على أرضنا وفقط بل كانت حلقة من حلقات تصميم الآخر الاستعمارى والصهيونى على كسر إرادتنا ومصادرة حاضرنا ومستقبلنا!


درس ١٨٠٥ وما تلا ذلك من حلقات وصولاً إلى اللحظة الراهنة ونحن فى أوج معركة صراع الإرادات على المستويات الثلاثة داخليًا وإقليميًا ودوليًا، هو حتمية أن ندرك علميًا وعمليًا كيفية إدارة الصراع، وأن نعظم أوراق القوة التى فى أيدينا، ومعلوم أن القوة ليست أسلحة وخطوط ذخيرة وفقط، وإنما معها وربما بأهمية موازية درجة تماسكنا الداخلى ودرجة اعتمادنا على ذاتنا الوطنية فى اقتصادنا وخدماتنا وهلم جرا، وهو أمر يشهد كل من ليس فى قلبه مرض أن الوطن يسعى إليه فى هذه المرحلة.


كم وددت أن أكتب مستكملاً اللوحة بالحديث عن دور الكلمة واللحن والوجدان فى معركة الإرادة لأرد ضمنًا على من تبجح وقال فى محفل عام: «دور مصر كلام قديم وأغانى عبد الحليم لا تصنع دورًا».. قالها عبدالمنعم سعيد ليرد على سؤال للعبد لله منذ أكثر من شهر عندما حاولت أن أستوضح احتمالات التقاطع بين الدور المصرى والدور السعودى على ضوء ورقة «المملكة فى ٢٠٣٠»، التى كان يعرضها سعيد فى ذلك المحفل.