حرب السويس: المتواطئون بالأمس وخلفاؤهم المتواطئون الجدد

26/10/2016 - 11:46:48

  رعايا الأعداء ينسحبون مع القوات المعتدية رعايا الأعداء ينسحبون مع القوات المعتدية

بقلم: سفير د. رضا شحاتة

ستون عامًا مضت والمتواطئون بالأمس وإن تغيرت قياداتهم وإن تبدلت خططهم، وتنقلت اجتماعاتهم بين العواصم ما بين الغرب البعيد، والمشرق القريب يظل هدفهم ثابتًا لم يتغير ولم يتبدل، الهدف من وراء التواطؤ والتخطيط والتآمر دائمًا، كما يقول التاريخ القريب والوثائق الدامغة، وشهادات الشهود، من ساسة وقادة ووزراء ورؤساء وزارات ومحاربون قدماء، الهدف دائمًا كان بالأمس وهو كذلك اليوم بعد ستين عام هو: مصر، الأرض والشعب والقيادة والإرادة.


المصادر الأصلية الموثقة للأطراف المتواطئة، من وثائق بريطانية، ووثائق فرنسية وإسرائيلية تكشف وبتوقيعات المتآمرين المتواطئين الأسرار والخطط لشن الحرب على مصر وعلى عبد الناصر، وعلى شعب مصر صاحب الحق التاريخى والقانونى فى استرداد السيادة والإدارة والملكية لقناة السويس ١٩٥٦م وفى حرية الإرادة واستقلال القرار.


وما اصطلحنا على أن نطلق عليه العدوان الثلاثى ضد مصر، جاء تخطيطًا وإعدادًا وتنفيذًا للمتواطئين الثلاثة، رئيس الوزراء البريطانى انطونى إيدن، ورئيس الوزراء الفرنسى جي موليه، ورئيس الوزراء الإسرائيلى ديفيد بن غوريون.


لعب الفرنسيون عندئذ دور السماسرة والوسطاء بين بريطانيا وإسرائيل ودفعهما للدخول فى تحالف عسكرى هدفه الأول والأعظم الإطاحة بجمال عبد الناصر، حيث جرى التدبير لهذا التواطؤ الثلاثى فى الأيام الأخيرة من أكتوبر ١٩٥٦ فى اجتماع سرى بإحدى ضواحى باريس، (ضاحية سيفر).ـ التى عرفت فيما بعد باتفاقية التواطؤ، أو كما سميت حرفيا «بروتوكول سيفر»، حيث استمرت «المباحثات السرية» أيامًا ثلاثة انتهت بالتوقيع على «بروتوكول سيفر»، الذى تمخض عن أشهر وأقذر مؤامرات التواطؤ للحرب ضد مصر عام ١٩٥٦، سجل دقائقها ومحاضرها ونصوصها عدد محدود من الساسة والدبلوماسيين والقادة العسكريين فى الدول الثلاثة.


فى الرابع والعشرين من أكتوبر وفى إحدى الفيلات الخاصة بإحدى ضواحى باريس (ضاحية سيفر) اجتمع ممثلون للحكومات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية، وفى أعقاب الاجتماع الذى استغرق أيامًا ثلاثة وجرى فى ظل أقصى درجات الكتمان والسرية، تم التوقيع على أغرب وثيقة تآمرية بين رؤساء حكومات ثلاثة، عرفت بعد ذلك باسم(بروتوكول سيفر).


هذه الوثيقة ـ وسنعرض لنصوصها حرفيًا ـ حددت بكل دقة تفاصيل خطط الحرب التى وضعتها الحكومات الثلاثة للهجوم على مصر، هذه الخطة وباختصار شديد أن تقوم إسرائيل بشن هجوم على القوات المصرية بالقرب من قناة السويس، وبحيث يكون هذا الهجوم الإسرائيلى هو الذريعة للتدخل الأنجلو فرنسى عسكريًا ضد مصر.


وبعد ستين عاما على حرب السويس، لم تزل تقديرات المؤرخين الثقاة تقول بأن أزمة قناة السويس، أى قرار التأميم جاء ردًا على قرار مسبق من واشنطن والبنك الدولى، وبريطانيا بتمويل السد العالى ومنذ السادس والعشرين من يوليو ١٩٥٦ حتى التاسع والعشرين من أكتوبر حين شنت إسرائيل هجومها على الأراضى المصرية، وكان فى يد قادتها السياسيين والعسكريين وثيقة دامغة بالتواطؤ، لم تزل التقديرات تقول بأن هذه الأزمة السياسية والحرب المثلثة أصبحت تمثل منعطفًا هامًا فى تاريخ الشرق الأوسط وتاريخ النضال المصرى المتواصل للاحتفاظ بحرية قراره وإرادته، كما أصبحت تمثل نقطة تحول فى مسار العلاقات الدولية من الشرق والغرب.


هذا المنعطف والتحول تمثل فيما أصاب السياستين البريطانية والفرنسية من فشل وإحباط فى استعادة سيطرتهما سياسيًا أو عسكريًا على قناة السويس، كما أصبحت حرب السويس هى النذير بانهيار «الهيمنة الأمبريالية « التاريخية على المشرق العربى منذ الحرب العالمية الأولى، حتى وإن كانت كل من القوتين العظميين عندئذ، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى قد بادرتا منذ حرب السويس ١٩٥٦، بالحلول محل النفوذين البريطانى والفرنسى (اعلن الرئيس الأمريكى أيزنهاور فى مطلع عام ١٩٥٧ وبعد حرب السويس بشهور معدودة ما سماه « مبدأ أيزنهاور» أو ما عرف باسم «مبدأ سد الفراغ» وكانت حرب السويس هى البوابة الذهبية لدخول الاتحاد السوفيتى فى قلب العالم العربى مصر وسوريا والعراق تباعًا .


أما مصر، مصر الإرادة والقيادة، فبرغم ما لحق بقواتها من خسائر وصدمات فى ميادين القتال فى ارض سيناء، فلا شك أن مصر قد حققت انتصارًا حقيقيًا على الصعيد السياسى الدولى، ويومئذ، كان بزوغ نجم عبد الناصر زعيمًا وطنيًا مشهودًا له ليس فى مصر فقط بل فى العالمين العربى والإفريقى والعالم الثالث بشكل عام. وحتى إسرائيل التى وإن كانت قد تسترت خلف وثيقة التواطؤ التى وقعها بين غوريون ٢٤ أكتوبر ١٩٥٦ فى ضاحية سيفر فى باريس وحملها فى جيبه عائدًا إلى إسرائيل لتبقى فى أرشيفه الخاص ولا تظهر مطلقًا للنور لأول مرة إلا بعد عقود طويلة (وهى بالأصل الفرنسى) حتى إسرائيل وإن كانت قد تسترت خلف الوثيقة (الضمان) بدخول بريطانيا وفرنسا فى الحرب ضد مصر فيما سمته استكبارًا وغرورًا «حرب الاستقلال الثانية»، فهى لم تنعم يومًا ما، حتى بعد حرب ١٩٦٧ ـ أى بعد عشر سنوات، بالسلام والاستقرار ولا حتى بعد حرب ١٩٧٣ التى غيرت وللأبد نظرية الأمن الإسرائيلى.


هذه الحرب (حرب ١٩٥٦) كانت هى النهاية للتاريخ الشخصى والسياسى لرئيس الوزراء البريطانى انطونى إيدن، كما أنها أدت إلى سقوط رئيس الوزراء الفرنسى (جى دى موليه)، الوثيقة التآمرية، التى سجلت تواطؤ الدول الثلاث- والمحفوظة نسختها الوحيدة الباقية فى أرشيف بن غوريون فى سيدى بوكير «النقب» فى إسرائيل، وقع عليها «باتريك دين»، وكيل الوزارة المساعد البريطانى، ووزير الخارجية الفرنسى «كريستيان بيفر»، ثم رئيس الوزراء الإسرائيلى بن غوريون، لكن انطونى إيدن ظل حتى أواخر أيامه ينكرـ وهو الذى كان يمثل القوة الدافعة فى التوجه والإعداد للحرب ضد مصرـ ظل ينكر وينفى حقيقة قاطعة وهى التواطؤ مع إسرائيل أو حتى معرفته المسبقة بأن إسرائيل تخطط للهجوم على مصر.


لكن وثيقة «سيفر» أو بروتوكول سيفر يروى قصة مختلفة النسخة الانجليزية من الوثيقة جرى تدميرها ـ إحراقها ـ بأوامر مباشرة من انطونى إيدن ـ لإخفاء أى آثار عليها توقيع ممثله، (باتريك دين) أما النسخة الفرنسية فقد فقدت، لكن النسخة الإسرائيلية هى التى ظلت طى الكتمان والحفظ فى الأرشيف الخاص لبن غوريون ولم يسمح لأحد بالاطلاع ـ مجرد الاطلاع عليها إلا «بعد أربعين عاما بأوامر من شيمون بيريز» وبتصريح خاص يتضمن موافقة الخارجية البريطانية.


شهادات الشهود كثيرة، تؤكد حقيقة التواطؤ الثلاثى، فى مقدمتها شهادة «انطونى ناتنج» ومع أنه لم يشارك فى صياغة الوثيقة لكنه كان على علم بخطة التآمر (فى كتابه درس بلا نهاية، قصة السويس ١٩٥٧) ثم (كريستيان بينو) وزير الخارجية الفرنسى الذى كشف تفاصيل بروتوكول سيفر) فى كتابه عن السويس ١٩٥٦ المنشور عام ١٩٧٦، وقبلهما جاءت مذكرات (موشى ديان) الذى طرح رواية أدق وأكثر تفصيلًا عن الاجتماع فى (سيفر) فى سيرته الذاتية (قصة حياتى ١٩٧٦) .


أما الرواية الأخطر والأشمل فجاءت على لسان وزير الخارجية البريطانى (سلوين لويد) فى كتاب مخصص لحرب السويس يحكى تفاصيل اللقاءات البريطانية الإسرائيلية فى سيفر (السويس ١٩٥٦ (رواية شخصية) ١٩٧٨ ـ وكذلك فى مذكرات شيمون بيريز ـ القتال من أجل السلام (١٩٩٥) أى بعد مرور أربعين عام على حرب السويس، وكان أحد المشاركين فى إعداد الوثيقة واجتماعات سيفر فى باريس.


التطورات العسكرية، الخطط والإستراتيجية والعمليات القتالية سجلها تسجيلًا وثائقيًا محققًا الكولونيل» مورخاى بارعون»، الذى كان يتولى منصب مدير مكتب رئيس هيئة الأركان الإسرائيلى، وكان يعمل سكرتيرًا للوفد الإسرائيلى فى باريس لإعداد الخطة الثلاثية وسجل بخطه دقائق المباحثات والاتفاقيات (سجل ذلك كله فيما بعد فى رسالة للدكتوراه (كتاب مورد خاى بارعون التحدى والصراع) ١٩٩١.


ومن الجانب البريطانى على رأس شهود قصة وخطة التواطؤ نقرأ شهادة السير (دونالد لوجان) وكان يعمل سكرتيرًا خاصًا لوزير الخارجية (سلوين لويد) وحضر مؤتمر سيفر وسمح له بالاطلاع فقط (الاطلاع) على نسخة من البروتوكول فى السفارة الإسرائيلية فى لندن قبل الإفراج عن الوثيقة وهو الذى ساعد كذلك المؤرخ البريطانى «كيث كايل» فى ترجمة الوثيقة المكتوبة باللغة الفرنسية ـ إلى اللغة الانجليزية لتنتشر فيما بعد فى كتابه عن السويس (١٩٩١) صـ ٥٦٥ -٥٦٧ ملحق الكتاب وكان (دونالد لوجان) نفسه قد سجل حرفيًا نصوص اجتماعات سيفر عن السويس ٢٢-٢٥ أكتوبر ١٩٥٦).


المصادر والوثائق السرية اليوم بعد الإفراج عنها كان ماكميلان رئيس وزراء بريطانيا قد فرض حظرها حتى جاءت مرجريت تاتشر (١٩٨٠) لتفرج عن وثائق لا أول لها ولا آخر لمن أراد أن يحقق فى تاريخ التواطؤ والتآمر ضد مصر، الوطن والقائد والإرادة، كما عاصرها جيلنا عام ١٩٥٦ واستهدف من ورائها الفرنسيون عندئذ إسقاط عبد الناصر وبدأوا منذ لحظة تأميم القناة فى إعداد الخطط مع البريطانيين للسيطرة عسكريًا على القناة، ولكن أكتوبر اقترب ولم يكن ثمة ذريعة جاهزة يتستر خلفها الساسة الفرنسيون والبريطانيون لغزو مصر ـ وكادت الخطة تطوى فى الأدراج ولا ترى النور، لكن علاقات فرنسا الوثيقة بإسرائيل أتاحت لساستها أن يطرحوا فكرة قيام إسرائيل بشن هجوم على مصر يكون بمثابة (الذريعة)، التى تتعلل بها الدولتان فرنسا وبريطانيا للتدخل عسكريًا فى مصر.


فى الرابع عشر من أكتوبر ١٩٥٦ قام الجنرال الفرنسى «موريس شال» نائب رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية يرافقه «البرت جازية» نائب وزير الخارجية الفرنسى بزيارة (إيدن) رئيس الوزراء البريطانى فى منزله الريفى حيث عرض عليه الجنرال الفرنسى خطة العمل التى عرفت فيما بعد باسم خطة «شال أو سيناريو شال»، وتقوم الخطة أو السيناريو على دعوة إسرائيل لشن الهجوم على الجيش المصرى فى سيناء ومن ثم تشكل تهديدًا لقناة السويس، وهذا فى حد ذاته يتيح لبريطانيا وفرنسا المبرر والذريعة لتنفيذ خططها العسكرية واحتلال منطقة قناة السويس بادعاء الفصل بين القوات المتحاربة وتوفير الحماية للقناة، وراقت الفكرة (أنطونى إيدن) وطبقًا لرواية «انطونى ناتتنج» وزير الدولة البريطانى للشئون الخارجية ـ الذى كان حاضرًا الاجتماع، لم يتمالك (انطونى إيدن) أن يكتم فرحته الكبيرة، حتى أنه أعلن عدم التزام بريطانيا بالإعلان الثلاثى لعام ١٩٥٠ الذى كان يقضى بأن تتلقى مصر المساعدة إذا ما تعرضت لعدوان إسرائيلى، وذلك بعد أن أكد نائب وزير الخارجية الفرنسى «جازييه» أن مصر نفسها أعلنت أن (الإعلان) لم يعد سارى المفعول بالنسبة لمصر، وعندئذ صاح انطونى إيدن، إذن ليس علينا أى التزام أن نتصدى لهجوم الإسرائيليين، وإن كان (إيدن) قد فضل أن تتحرك إسرائيل من تلقاء نفسها دون أن يكون لبريطانيا صلة بذلك حتى لا يفسر ذلك بأنه تآمر أو تواطؤ.


كان الاجتماع مع أنطونى إيدن هو نقطة التحول فى خطة التآمر حتى أن( مجموعة السويس) داخل حزت المحافظين البريطانى ظلت تمارس ضغوطها على (إيدن) بأن يتشدد مع عبد الناصر وأن يتصدى له ويردعه ذلك فى الوقت الذى كانت الدبلوماسية البريطانية تناور، حيث كان (سلوين لويد) يحاول التوصل لتسوية سلمية للنزاع مع مصر فى مباحثاته مع الدكتور محمود فوزى، وزير خارجية مصر آنذاك، لكن إيدن كان مقتنعًا أنه لا حل من خلال الأمم المتحدة ولم يكن مرتاحًا لجهود (سلوين لويد) فدعاه ليقطع مباحثاته ويعود إلى لندن.


كان هبوط الفرنسيين بمثابة هبوط ملائكة من السماء تلقاهم إيدن ـ كما يصف الكاتب الإسرائيلى الليبرالى «آفى شلابم» فى دراسته عن بروتوكول سيفر ١٩٥٦ فيما سماه (بتشريح مؤامرة الحرب فى مجلة الشئون الدولية عام ١٩٩٧) فتلقف (إيدن) الرسالة الفرنسية بسعادة وإعجاب شديد وتحول عن أى مسار دبلوماسى إلى التخطيط للحرب ضد مصر بل استدعى (سلوين لويد) من نيويورك وعاد (لويد) ليجتمع مع إيدن ووزرائه فى ١٦ أكتوبر، حيث شرح «أنطونى ناتننح» لوزير الدولة البريطانى و(لويد) المستدعى من نيويورك تفاصيل الاقتراح الفرنسى وقد اعترض كلاهما على الاقتراح الفرنسى، لكن (إيدن) فرض رأيه فى الاجتماع وانتصر صقور حزب المحافظين ومنذ تلك اللحظة قرر (إيدن) أن ينفرد بالقرار ومضت خطة الحرب حيث بعث إيدن (رسالة) إلى رئيس الوزراء الفرنسى (جى موليه) فى ١٧ اكتوبر مؤكدًا موافقته على الخطة الفرنسية والمضى بها إلى طريق التنفيذ.


أما على الجانب الإسرائيلى، كان بين غوريون فى أقصى حالات الاستثارة لفكرة الشراكة العسكرية مع القوى الكبرى فى الحرب ضد مصر، وإن كانت تساوره شكوك قوية فى الموقف البريطانى عامة وفى رئيس الوزراء (إيدن) بصفة خاصة، ومع أنه كان يعرف تمامًا أن خطة الهجوم على مصر طرحها فى الأصل الجنرال الفرنسى (شال) كان يشير إلى الخطة على أنها «الخطة الإنجليزية» وكان لا يثق مطلقًا فى الضمانات البريطانية ويخشى من تراجع بريطانيا أو أن تخذل إسرائيل.


كان (بن غوريون) بأمل فى شراكة متكافئة لا شراكة (عمالة) بين إسرائيل وبريطانيا وفرنسا، ولذلك عندما يتيقن (بن غوريون) أن قمة فرنسية بريطانية سوف تعقد فى باريس بادر على الفور بأن طلب من الفرنسيين أن تكون قمة ثلاثية إسرائيلية بريطانية فرنسية.


ضم الوفد الإسرائيلى إلى قمة التواطؤ فى باريس فى ضاحية سيفر بن غوريون، الذى كان وزيرًا للدفاع ورئيس للوزراء وموشى ديان رئيس الأركان، وشيمون بيريز المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، أما فرنسا فقد مثلها رئيس وزرائها (جى موليه) ووزير خارجيتها (كريستيان بينو) ووزير دفاعها (موريس بورجيس مونوريه) والجنرال (شال وأبيل توماس مدير عام وزارة الدفاع الفرنسية هل كان اجتماعًا لكبار الساسة، لكن القادة العسكريين هم الذين ألحوا على عقد الاجتماع ـ للتصديق على الخطة العسكرية.


ظلت جلسات التواطؤ من يوم ٢٢ أكتوبر ١٩٥٦ حتى ٢٤ أكتوبر وصباح نفس اليوم كان (إيدن) فى مكتبة فى لندن يتلقى تقريرًا من «باتريك دين» الممثل البريطانى فى خطة التآمر الثلاثة ليبدى له القلق من نوايا عبد الناصر للأضرار بالمصالح البريطانية فى الشرق الأوسط، وعاد (باتريك دين) إلى باريس بتعليمات صريحة من (إيدن) أن التدخل العسكرى البريطانى لن يبدأ إلا بعد أن تتقدم القوات الإسرائيلية إلى ما وراء خطوط الهدنة وتهدد قناة السويس، مؤكدًا على ضرورة الحفاظ على السرية المطلقة لخطة الحرب، وانتهت الجلسات بأن عقد بن غوريون العزم واتخذ القرار بأن يخوض (جيش الدفاع الإسرائيلى)، المعركة ضد مصر وسجل ذلك حرفيًا فى يومياته شارحًا كل الاعتبارات وراء اتخاذ القرار وأن الهدف الأسمى والأكبر هو تدمير عبد الناصر، وهو الهدف الذى ظل مسيطرًا على عقول كل المتواطئين فى مباحثات سيفر.


ووصف (بن غوريون) الخطة التآمرية أنها (فرصة نادرة) بأن تنفق دولتان عظيمتان (بريطانيا وفرنسا) لإسقاط عبد الناصر، وأنها (أى إسرائيل) لن تكون بمفردنا «ضد عبد الناصر» فى الوقت الذى تتعاظم قوته (قوة عبد الناصر)، وأضاف (بن غوريون فى مذكراته، بل وربما تغير الموقف فى الشرق الأوسط تغيرًا جذريًا طبقًا لهذه الخطة).


وفى التاسع والعشرين من أكتوبر ١٩٥٦ كما نص بروتوكول (سيفر) دفعت إسرائيل بقواتها عبر الحدود المصرية، وفى أعقاب ذلك أذاع البريطانيون والفرنسيون إنذارهم المتفق عليه ٣٠ أكتوبر، الذى وافقت عليه إسرائيل فورًا ورفضه عبد الناصر لتبدأ الضربات الجوية الأنجلو فرنسية على المدن المصرية إلا أنه فى السادس من نوفمبر، بدأت الساعة الدبلوماسية الدولية تدق دقات متصاعدة عالية الأصداء فى العواصم الكبرى، ليثور الرأى العام العالمى ويتحرك الاتحاد السوفيتى (نيكيتا خرشوف) بضغوطه وإنذاراته (النووية والصاروخية) بتهديد العاصمتين البريطانية والفرنسية، والضغوط الأمريكية، التى كانت طائراتها ترصد تحرك القوات الإسرائيلية ليطالب ايزنهاور الرئيس الأمريكى آنذاك إسرائيل بوقف إطلاق النار تجنبًا لمواجهة نووية مع الاتحاد السوفيتى لتبدأ جولة شاقة من الدبلوماسية الدولية تحاصر إسرائيل سياسيًا فى الأمم المتحدة والعواصم الأوربية بعد إغلاق قناة السويس وانهيار الاسترلينى والتأثيرات السلبية الخطيرة على الاقتصاديات العالمى وتدهور التجارة الأوربية والمواقف المبدئية الدولية الشجاعة لوزير خارجية الهند (كرشنامينون) ولتصدر الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا (لم يتكرر بعد ذلك ) بتشكيل قوات لحفظ السلام فى مصر طبقًا لقرار سبق أن وافقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٥١ تحت اسم الاتحاد من اجل السلام، وكانت يوغوسلافيا ـ تيتو، هى صاحبة المبادرة فى تحريك قرار الأمم المتحدة الجمعية العامة المؤيد لمصر، وكانت هى المرة الأولى والأخيرة، التى يكون للجمعية العامة للأمم المتحدة ـ لا مجلس الأمن ـ صاحب الولاية الأصلية ـ فى اتخاذ مثل هذا القرار التاريخى بالوقوف إلى جانب مصر عبد الناصر.


عبد الناصر ٥٦ كان هو الزعيم الذى واجه التواطؤ من دول ثلاث ووقف صامدًا ليعلن من منبر الأزهر الشريف، سنقاتل ولن نستسلم أو ما كان يطمح إليه (إيدن) من إسقاط عبد الناصر، كما نقلت إليه تقارير (عملاء الداخل) (مقترحات لاغتياله أو تسميمه) واحتشدت الجماهير وراء عبد الناصر، الذى تحول إلى القائد الرمز والتاريخ وهو الذى كان قد اتخذ قرار التأميم، ليتحدى دولًا عظمى وليس له من قوة تسانده أو سلاح يتصدى به سوى إيمانه بالله وبوطنه وبإرادة شعبه وبحق مصر المشروع فى الاستقلال والسيادة والتحرر والكرامة.


المتواطئون بالأمس ونحن اليوم نرى خلفاءهم المتواطئين الجدد، وإن اختلفت مواقعهم ومصادرهم ومسمياتهم، المتواطئون اليوم قد يكونون دولًا فى الغرب أو حتى فى المشرق العربى للأسف، لكن المتواطئين هم أشباه أو أقزام دول أو بالأحرى (لا دول) كما نرى فى تنظيمات الإرهاب، التى تخرج علينا كل يوم باسم جديد، مرة (أنصار بيت المقدس) ومرة (أجناد مصر) وتتبدل زعاماتهم من (ظواهرى) إلى (بغدادى) إلى (عدنانى) وكلها فروع لشجرة خبيثة تسمى (بالقاعدة) غرستها ورعاتها وتعهدتها أجهزة استخبارات غربية كبرى، تسخرها اليوم لاستهداف مصر، مصر القيادة اليوم، مثلما استهدفت قيادتها فى خمسينات القرن الماضى وقيادتها الوطنية لإسقاط عبد الناصر، وتسخرها اليوم لكسر إرادة مصر، كما فعلت تمامًا منذ ستين عاما للثأر من استقلالية الإرادة والقرار للزعيم عبد الناصر.


لقد كشفت الوثائق بعد عقود طويلة عن المتواطئين القدامى فى حرب السويس ١٩٥٦ فهل يجئ اليوم التى تكشف فيه الوثائق والأسرار عن خلفائهم المتواطئين الجدد فى عواصم الغرب، وفى بعض عواصم المشرق العربى والشرق الأوسط؟