الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن: التأميم.. «اللى بنى مصر»!

26/10/2016 - 11:39:32

بقلم - أمانى عبدالحميد

«بوابة الحلواني»، و«ناصر ٥٦»، من أهم الأعمال الفنية في تاريخ الدراما والسينما المصرية والعربية، والتي قدمها الكاتب والسينارست الكبير محفوظ عبد الرحمن، ففي «البوابة» استحوذت حكايات القناة، وكيف أنها أثرت فى حياة المصريين بداية من مشروع حفرها، وحتى قرار تأميمها، الذى ألقاه الزعيم جمال عبد الناصر فى خطابه الشهير بميدان المنشية بالإسكندرية كما جاء فى فيلمه «ناصر ٥٦».


“عبد الرحمن” يتذكر في السطور العملان، ولحظات كتابتهما، والظروف التي مرت بهما؛ فلازالت أغنية تتر «بوابة الحلواني» للفنان على الحجار «اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني»، تجد من يبحث عنها يومياً على «اليوتيوب»، ولازالت الأسرة تلتف حول الشاشة عند عرض العملين.


“بوابة الحلواني»، و»ناصر ٥٦»، من أهم الأعمال الفنية في تاريخ الدراما والسينما المصرية والعربية، والتي قدمها الكاتب والسينارست الكبير محفوظ عبد الرحمن، ففي «البوابة» استحوذت حكايات القناة، وكيف أنها أثرت فى حياة المصريين بداية من مشروع حفرها، وحتى قرار تأميمها، الذى ألقاه الزعيم جمال عبد الناصر فى خطابه الشهير بميدان المنشية بالإسكندرية كما جاء فى فيلمه «ناصر ٥٦».


“عبد الرحمن” يتذكر في السطور العملان، ولحظات كتابتهما، والظروف التي مرت بهما؛ فلازالت أغنية تتر «بوابة الحلواني» للفنان على الحجار «اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني»، تجد من يبحث عنها يومياً على «اليوتيوب»، ولازالت الأسرة تلتف حول الشاشة عند عرض العملين.


فعن «ناصر ٥٦»، متحدثاً، البداية لم تكن عن قرار تأميم القناة؛ لكنها كانت عبارة عن مشروع كبير لكتابة عدة سهرات تليفزيونية تدور أحداث كل حلقة منها حول إحدى الشخصيات، التى أثرت فى تاريخ مصر بتكليف من اتحاد الإذاعة والتليفزيون، وبالتعاون مع مجموعة من الكتاب والمخرجين والفنان الراحل أحمد زكى، حيث كان الممثل الوحيد المتحمس للمشروع, ومع مرور الوقت فقد الكثيرين حماستهم وتخلوا عن المشروع باستثنائى أنا وزكي.. اتفقنا على عقد جلسة نهائية لتحديد الموقف حتى تم الانتهاء على كتابة سبعة شخصيات فقط بعدما كان المطلوب أكثر من ثلاثين شخصية, كانت شخصية جمال عبد الناصر على رأس القائمة، التى تقدمت بها, ثم وقع الاختيار على قرار تأميم القناة دون التخطيط المسبق، حيث إننى اخترت تلك الفترة بالإحساس وليس بالعقل فقط, كنت على قناعة أنه ليس من الضرورى أن تقدم تاريخ الشخصية بالكامل من بدايتها إلى نهايتها، يكفينا أن نعرف الناس بتلك الشخصية من خلال سرد تفصيل حدث أو اثنين أو حتى ثلاثة أحداث فقط لتعبر عنها وتكشف عن ملامحها, مثال ذلك إذا أردنا أن نقدم شخصية الزعيم سعد زغلول فإننا لا نستطيع أن نغفل عن حدث ضخم كثورة ١٩١٩, لذا اخترت قرار تأميم القناة لكى يمثل الشخصية الحقيقية لعبد الناصر.


ويتابع «عبد الرحمن» قرار تأميم قناة السويس هو أهم قرار تم اتخاذه فى العالم الثالث أجمع خلال القرن العشرين, قرار غير خريطة العالم وفتح أبواب لعدد من الدول، التى كانت تعانى مما عانت منه مصر, فقناة السويس ملك لمصر وبالقرار عادت إليها، وهو الأمر الذى تسبب فى بث الذعر فى الغرب كله نتيجة ما ترتب عليه من الاستقلالية والكرامة.


تفاصيل كثيرة، وصعوبات، ومواقف، تخللتها أحداث فيلم «ناصر ٥٦»، يسرها المؤلف الكبير، الفيلم استغرق إعداده وقتا طويلة وواجه صعوبات جمة، خاصة أن وقتها لم تكن شخصية عبد الناصر تظهر على التليفزيون نهائيا, وواجهتنا أيضا مشكلات فى إقناع المسئولين بتصوير الفيلم بالأبيض والأسود، حيث شعروا بالاستغراب فى البداية, ثم اختاروه ليكون فيلم افتتاح مهرجان الإذعة والتليفزيون, والشيء الغريب أن المخرج محمد فاضل اختار لندن ليقوم بعملية المونتاج فيها، حتى تتوافر أمامه أية مواد فيلمية وثائقية قد يحتاج إليها، وهو الأمر الذى أخر الفيلم هُناك، ولم يره أي من المسئولين قبل عرضه فى حفل افتتاح المهرجان, وبالتالى الفيلم لم يخضع لأية رقابة أو مشاهدة قبل العرض.


ولكتابة عمل مثل «ناصر ٥٦»، كان لابد أن يتوفر لكاتبه العديد من الكتب والمراجع، التي تناولت الفترة التي يحكيها الفيلم، «عبد الرحمن» يتذكر، قرأت كُل ما تم كتابته عن الموضوع، وقرأته عدة مرات وأشتريت العديد من الكتب، التى صدرت وبطبعاتها المختلفة، تفادياً لوجود أي تغيير قد يُمكن أن يكون قد طرأ عليه تغيير, واضطلعت على الوثائق وكل الوسائل، التى يمكن تخيلها علاوة على ذاكرتى الشخصية, وحاولت دائماً البحث عن المعلومة من عدة مصادر, علاوة على محاولة الإجابة عن عدة تساؤلات منها كيف “تأكل الشخصية التى أرسمها، ومتى تفرح ومتى تحزن، وكل ما يجعلها شخصية من لحم ودم, وحاولت أن استقى المعلومات من حكايات الأفراد والمصاحبين للشخصية”.. كُل يحكى من وجهة نظره, وفى المقابل حاولت أن استمع لكل الرؤى وأفرق بين الحقيقة والمبالغة, إذا لم أر الشخصية فى خيالى بشكل واضح وهى تأكل وتشرب وتتكلم.


وجزء كبير من التفاصيل كنت قد قرأتها من قبل من خلال الكتب والصحف خلال تلك الفترة، وحاولت الاضطلاع على كل ما تمت كتابته عن عبد الناصر حول العالم, وكنت أحاول أن أقدم الحدث بشكل درامى وليس تسجيليا, وكنت على علاقة ببعض الأشخاص الذين كانوا على علاقة قريبة بعبد الناصر حتى تعرفت على شخصيته من خلالهم, مع العلم أننى لم أكن أعرفه شخصيا قابلته مرتين خلال حياته فقط لا لم يكن بيننا علاقة بشكل عميق, لكنى تعرفت عليه من خلال حكايات المقربين منه عن مواقفه وعن كل شيء قد يستفزه أو يشعره بالسعادة، أو ماذا يحب وماذا يكره؟, وما يحبه من الطعام, كما أننى قابلت الدكتورة هدى عبد الناصر مقابلة عابرة استمرت لمدة ساعتين تقريبا، تحدثنا فيها عن بعض التفاصيل عن الشكل الأسرى, وأذكر أنها حكت لى عن قيام عبد الناصر بإرسال كروت بوستال من كل بلد يقوم بزيارتها عن طريق البريد العادى لأسرته، وكان يرفض إرسالها فى الحقيبة الدبلوماسية.


وعن كواليس خطاب المنشية، تحدث «عبد الرحمن»، عبد الناصر كان كجميع المصريين قلبه وعقله مع قناة السويس, ومن قبل ذكرت فى مسلسل «بوابة الحلوانى» أن المصريين كرهوا قناة السويس، لأنها كانت تمثل لهم كل المشكلات التى واجهونها, أولادهم ماتوا خلال عملية حفر القناة حتى بلغ عدد من ماتوا أكثر من ١٢٠ ألف متوفى, ودخول الإنجليز إلى مصر كان بسبب القناة, حيث أن أحمد عرابى كان قادراً على صد أى هجوم لكن «ديليسبس» أقنعه بأن الإنجليز لن يدخلوا القناة لأنها محمية بالقوانين الدولية, وهو لم يحدث, خرق الإنجليز المعاهدات الدولية وقاموا بدخول القناة, قرار التأميم جاء ليمحوا بعضا من إحساس المرارة التى عانى منه المصريون.. والدليل أنه حينما نطق عبد الناصر بالقرار، تعالت أصوات المصريين بالهتاف.


فترة قرار التأميم لم ينساها «عبد الرحمن» من ذكرياته، حيث كان طالباً وقتها، ويقول: كنت وقتها لا أزال أدرس فى الجامعة, وبالرغم من أننى كنت ضد النظام الحاكم وقتها, وكنت أحلم بنظام ديمقراطى برلمانى وثورى يقوم على عودة الجيش لثكناته, ومع ذلك شعرت بسعادة بالغة وقت الإعلان عن تأميم القناة.. القرار وحد الكل سواء المؤيدون أو المعارضون لعبد الناصر, الكل كان معه, ووقتها التقيت بالأصدقاء وقررنا البدء فى التدريب العسكرى, ومع أول أيام العدوان الثلاثى قررت مع عدد من ضباط الجيش السابقين وعدد من الصديقات أيضا الانضمام إلى المقاومة الشعبية, وعشنا فترة هناك على شط القناة وجمعنا الأهالى المتحمسة، حيث كان لهم دور كبير فى المقاومة والفدائية, ولا أحد ينسى محمد مهران أحد أبطال المقاومة الشعبية فى بورسعيد، والذى اقتلع الجنود الإنجليز عينيه لأنه رفض الهجوم على عبد الناصر, وقتها قامت المخابرات بعملية لإنقاذه من داخل معسكر الإنجليز ونقله إلى المستشفى لتلقى العلاج، وكان أول الزائرين جمال عبدالناصر فور انتهائه من خطبته الشهيرة من فوق منبر جامع الأزهر.


ورغم أن المؤلف محفوظ عبد الرحمن شارك في المُقاومة الشعبية؛ إلى أنه يُقدم عملا دراميا عنها، يسرد لنا تفاصيل ذلك، منذ ما يزيد عن عشر سنوات، وأنا أحاول أن أكتب عملا دراميا عن المقاومة الشعبية وعن الأعمال البطولية والفدائية، التى قام بها أشخاص قد لا يعلم عنهم الكثيرون؛ لكنى لم أنجح حتى الآن فى كتابتها بشكل أرضى عنه, كما أن هذا النوع من الأعمال الدرامية قد لا تجد الدعم الكافى لإنتاجه؛ بل إن فيلم «ناصر ٥٦» لم يجد من يتحمس له من الموزعين، وكان أقصى أمانينا أن يتم عرضه لمدة أسبوعين فقط فى دور السينما، ومع ذلك تم رفض تلك الفكرة؛ لكن بعد إلحاح شديد منا تم عرضه فى دور السينما، وكانت المفاجأة أن جيل الشباب الذى لم يعاصرعبد الناصر مثل حوالى ٨٠٪ من رواد قاعات السينما, ووقتها تصدر الفيلم قائمة أعلى الإيرادات فى السينما داخل مصر وخارجها فى الدول العربية,


لكُل كاتب أسلوبه في الكتابة، يختلف عن الآخرين، ومحفوظ عبد الرحمن واحداً ممن لهم أسلوبه المُتميز، ويقول: لا أعتبر أن هناك نموذجا للكتابة على الكاتب أن يتبعه عند كتابته لسيناريو كل فيلم يخرج بشكله الخاص.. عندما قررت أن أكتب عن عبد الناصر عكفت فى البداية على متابعة كل الأفلام العالمية مثل الروسية والأمريكية، التى جسدت شخصيات حقيقية وتاريخية؛ لكنى فى النهاية تركت كل شيء لأننى اكتشف أنه علىَّ الكتابة دون الالتزام بأية قوالب, حرصت على سرد كل الأحداث عند كتابة سناريو فيلم «ناصر ٥٦»، والتزمت بأن تكون الأحداث كلها تاريخية، كما جاءت فى الواقع باستثناء ثلاثة مواقف قمت بإضافتها على الفيلم من الخيال, أولها السيدة التى ذهبت لعبد الناصر لتمنحه ثوب جدها، الذى توفى خلال عملية حفر قناة السويس, وثانيها موقف المكالمة التليفونية التى كانت تأتى لعبد الناصر من سيدة تحدثه عن ابنها بالرغم من استحالة أن تتحدث سيدة ليلا مع رئيس الجمهورية؛ لكنى أضفت الموقف كمسحة إنسانية للفيلم, أما الموقف الثالث هو الموظف الذى كان يعمل داخل قناة السويس وتم طرده من وظيفته، وكنت قد شاهدت موظفين كثيرين يشبهونه.. ثلاث شخصيات من خيالى فيما عدا ذلك كل ما جاء فى الفيلم حدث بالفعل، لكنى أعدت صياغتها فى إطار درامي, مثلا ذلك الخناقة التى دارت بين عبد الناصر وبين صلاح نصر، كانت حقيقية بناءاً على ما تم كتابتها فى عدد من الكتب والمذكرات التاريخية, لكنى قمت بإعادة ترتيب الحوار ترتيبا دراميا فقط دون التدخل فى الحدث.


“عبد الرحمن” متحدثاً عن “بوابة الحلواني”، تعمدت أن أكتب ما يفيد مصر وما يمثلها بالنسبة لى، الكتابة ليست مجرد عمل لطيف أو ظريف تشاهده الناس لكى تقضى وقتا ممتعا, لكنها بالنسبة لى رسالة يجب أن تتناول موضوع يهم الناس ويدفعه إلى ما هو أفضل, وقناة السويس لها تاريخ طويل مع المصريين وكان لها ظل ثقيل معهم وحتى بعد قرار التأميم لم تعمل بشكل فورى, والمصريون عندهم حس عميق فلا يمكن أن نقنع أحد بشيء هم لا يشعرون به, وبالتالى يجب على الكاتب أن يكتب ما يمس الناس ويتحدث عنهم. وعن هل المصرى لا يزال يملك الروح الفدائية التى حارب بها العدوان على شط القناة، يقول «عبد الرحمن» الروح القتالية أو الفدائية لا تأتى من تلقاء نفسها؛ لكن يجب أن يكون هناك ظروف تهيئها,على سبيل المثال لم يكن أحد يتصور أنه من المُمكن له أن يُشارك فى مظاهرة قبل “٢٥ يناير” عام ٢٠١١؛ لكن ناس كثيرة شاركت, وأعتقد أن سيكولوجية الثورة لم يتم اكتشافها حتى الآن, كيف تندلع وكيف تستمر, اكتشاف عواملها أمر فى غاية الصعوبة.


الدراما تقدم وجبة تاريخية سلسلة بلغة بسيطة تصل إلى الجميع,ومن الممكن توصل إلى الناس المعلومة بسهولة.. هكذا كانت كلمات “عبد الرحمن”، مضيفاً: أذكر عند عرض مسلسل “بوابة الحلوانى” قام صديق لى بدعوتى على العشاء لكى أجتمع مع أطفال وشباب العائلة، وهناك اكتشفت أنهم قاموا بشراء كتب تاريخية للمرة الأولى فى حياتهم حول فترة الخديوى إسماعيل بعدما شاهدوا المسلسل.. انتهى كلام المؤلف الكبير محفوظ عبد الرحمن؛ لكن في قلبه لايزال هُناك الكثير من الأفكار يحلم بكتابتها؛ إلا أن ذلك يصطدم بقطار العمر، وأنه لم يعد لديه طاقة ليكتب ما يريد؛ لكنه في الوقت نفسه يُعلن التحدي وعدم الإستسلام.