السمسمية.. البندقية

26/10/2016 - 11:29:55

عادل جرجس

السمسمية هى تلك الآلة الموسيقية الشعبية ذات الخمسة أوتار والتى كثيرًا ما التف حولها أهالى بورسعيد فى الشوارع والحوارى يتسامرون ويتراقصون على نغماتها الساحرة كانت السمسمية تبعث البهجة فى النفوس وتشيع جوا من الحميمية بين مستمعيها ومريديها ولم يكن يخطر على بال أهل بورسعيد أن تلك الآلة رقيقة النغمات عذبة الألحان سوف تتحول فى يوم ما إلى سلاح للمقاومة ضد طغيان ثلاث دول على مدينتهم الهادئة فعقب هجوم العدوان الثلاثى على بورسعيد تحولت أغانى السمسمية إلى طلقات فى صدور الأعداء تلك الطلقات التى كانت تحفز الجميع على المقاومة وتدفع شعب المدينة إلى الصمود والتصدى أمام عدو غادر جبان وبعد أن كانت السمسمية تتغنى بأغانى الحب وسير العشاق أصبحت تغنى لرصاص البندقية والمقاومة الشعبية فتغنت (غنّى يا سمسمية..لرصاص البندقية..ولكل إيد قوية..حاضنة زنودها المدافع..غنى لكل دارس..فى الجامعة والمدارس..لمجد بلاده حارس..من غدر الصهيونية..غنّى لكل عامل..فى الريف وفى المعامل..بيأدى الواجب كامل..وادّيله ورده هدية..غنّى ودق الجلاجل..مطرح ضرب القنابل..راح تطرح السنابل.. ويصبح خيرها ليّا) وعن التحول فى أغانى السمسمية أثناء العدوان الثلاثى يقول الشاعر الغنائى البورسعيدى سامح الرازقى ( السمسمية نداهة هى اللى بتختارنا وليس نحن من يختارها هى تختار من يصنعها ومن يغنى ومن يعزف عليها فهناك علاقة خاصة بين السمسمية وعاشقيها فهى الرئة التى يتنفسون منها والحب فى عشقها مذاهب والسمسمية هى نوع من الحكى الشعبى مثل المواويل فى الريف والقرى ومن خلال السمسمية غنى رواتها على ألحانها كل ما يتعلق بحياتهم فغنوا لقناة السويس وغنوا للبحر والسمك والحب والعشق ولكن كل هذا الحق قد تجمد ما ان انطلق هجوم العدوان الثلاثى على بورسعيد وحدث تغير نوعى فى حكايات السمسمية وكشرت تلك الآله عن أنيابها وأطلقت نغماتها طلقات فى صدور الأعداء ) أما عن كيفية إنتاج أغانى الثورة أثناء العدوان الثلاثى فيكمل الرازقى ( لم تكن التقنيات الحديثة قد دخلت إلى عالم الغناء كما فى أيامنا هذه مثل الاستديوهات والتسجيلات وخلافة كما أن السمسمية هى فن ارتجالى وليد اللحظة وفرقة السمسمية يطلق عليهم الصحبجية أى أنهم رابطة من الأصحاب هؤلاء الصحبجية لا يفترقون عن بعضهم فى كل الظروف ومن الطبيعى أن يكونوا أيضًا صحبة أثناء المقاومة الشعبية التى تكونت فى بورسعيد أثناء العدوان وحملوا السلاح مثل كل الشعب البورسعيدى ولكن لم تفارقهم السمسمية أثناء المقاومة المسلحة فكانوا يحملون بيد السلاح ويد أخرى تحمل عشقهم السمسمية وفى فترات الهدوء التى كانوا يقبعون فيها فى الملاجئ والمخابئ ومعسكرات العدو كانوا يبدعون فى نظم أغانيهم التى تجسد اللحظة فخرجت طلقات السمسمية وسط طلقات البندقية وغنت السمسمية للبندقية وحمت البندقية السمسمية) وعن تنوع تلك الأغانى يقول ( تنوعت الأغانى الشعبية التى تغنى بها الصحبجية على أنغام السمسمية ومثلت منحنيات تجسد عمليات المقاومة وبطولات الفدائيين فى بورسعيد ففى ذروة اشتعال الهجوم على بورسعيد بكل الأسلحة القتالية برًا وبحرًا وجوًا لقمع المقاومة فى بورسعيد استبسلت تلك المقاومة فى صد تلك الهجمات وسطر الشعب البورسعيدى ملحمة من الكفاح وتساقط العديد من الشهداء وكان كلما سقط عدد من الشهداء فى إحدى الغارات كانت المدينة لا تبكى شهداءها بل تدفع بأضعاف مضاعفة من هؤلاء الفدائيين فى وجه العدو ورصدت السمسمية الحدث فغنت « فى بورسعيد الوطنية.. شباب مقاومة شعبية. دافعوا بشهامة ورجولية.. وحاربوا جيش الاحتلال.. بالطيارات والمدافع.. فشل هجومهم مش نافع.. وإحنا ببنادق بندافع.. وربنا نصر الأبطال « ويتوالى رصد السمسمية لبطولات الفدائيين وتنشد السمسمية « بلدى يا بلد الفدائيين.. بلدى يا بلد الثوريين.. بافخر بيكى فى كل مكان.. وأحلف بيكى بألف يمين.. بلدى يا بلد الفدائيين.. اسمع قصة جندى شهيد.. ابن بلدنا الحر سعيد.. ضحى بهمة وعزم حديد.. يوم عدوان ستة وخمسين.. بلدى يا بلد الفدائيين.. كان يومها ماسك دورية.. ع القنصلية الإيطالية.. مليان حماسة ووطنية.. عن الأعادى ما غمض عين.. بلدى يا بلد الفدائيين.. من الوحش الهمجيين) ويكمل شاعر بورسعيد الغنائى القول ( صاحبت السمسمية أهل بورسعيد فى كل مكان فمن المعروف أنه أثناء العدوان الثلاثى تم تهجير بعض العائلات من كبار السن والأطفال إلى خارج بورسعيد خوفًا على أرواحهم فيما عرف بالهجرة الأولى فمن المعروف أنه كانت هناك هجرة ثانية عقب حرب ٦٧ وعلى الرغم من أن فترة الهجرة الأولى لم تكن طويلة بالمقارنة بالهجرة الثانية التى استمرت قرابة الست سنوات إلا أن الحنين إلى أرض الأجداد كان جارفًا وهو ما جعل الصحبجية ينشدون بعض الأغانى التى تثبت المهجرين من أهالى المدينة وتحثهم على الصمود وكان من تلك الأغانى «يامسافر بورسعيد.. عند البلد الحزينة.. سلم على كل نسمة.. بترفرف ع المدينة.. وهات حفنة تراب.. واقطف فى عرق غاب.. يا بلدى يا عزيزة.. فى نسمتك اللذيذة.. شوقى يوم عن يوم يزيد.. للغالية بورسعيد ) ويتذكر سامح الرازقى الرعيل الأول من الصحبجية أو عاشقى السمسمية ومغنيها فيقول ( البورسعيدية كلهم صحبجية وكلهم عاشقون ومغرمون بتلك الآله ولا يوجد بورسعيدى لا يحفظ الكثير من هذا التراث الجميل ولكن كان هناك جيل وهب حياته لتلك الآله وكانوا بحق فدائيين النغم مثل الريس إمبابى والريس أحمد وليم وسعد أبو الشحات ومحمد القط. ومن الجيل المعاصر الشيخ رجب ومحمد السعيد والسيد الجيزاوى ومرسى إبراهيم وحمام وحسن العشرى وأحمد كنش والعربى جاكوما ومنصور حسين ومسعد باغة ومحمد المصيلحى والعربى البيه وسامى عبدالنبى ومحسن جبريل وشوقى الريدى وصابر جزر وصلاح الحصرى وزكريا إبراهيم وعلى رأس الجميع كامل عيد درويش الذى كان له دور لا ينسى أثناء الحروب على بورسعيد حيث تم استبقاؤه فى المدينة وصدرت له أوامر من القيادة السياسية وقتها بتكوين فرقة للسمسمية فى بورسعيد كان مغنوها وعازفوها من جنود القوات المسلحة ومن تبقى فى المدينة من رجال المقاومة المدنية وطافت تلك الفرقة جميع مدن مصر التى هاجر إليها أهل بورسعيد حتى كانت آخر أنشودة له عقب العودة من التهجير وتغنى قائلًا ( مركبنا المهاجرة.. جيالك يا مينا.. جيالك بالسمسمية.. جيالك بالصحبجية.. وبالفرحة والزينة.. جايلك يا بلدنا يا حرة.. جيالك مشتاقة وطايرة.. وأهى لفت على قد ما لفت.. فى جمالك مالقتش مينا.. ولا ذى حنانك حنية.. ولا ذيك فى الدنيا مدينة.. يافنارة لالى يافنارة.. رجعنالك تانى البحارة.. ويا فرحتكم يابمبوطية.. لما تهل عليكوا سفينة)