كابتن غزالى يُغنّى: مطرح ضرب القنابل راح تطرح السنابل

26/10/2016 - 11:23:44

  كابتن غزالى مع أحبابه ومحررا «المصور» أشرف التعلبى ومحمود أيوب - عدسة: سامح كامل كابتن غزالى مع أحبابه ومحررا «المصور» أشرف التعلبى ومحمود أيوب - عدسة: سامح كامل

حوار: أشرف التعلبى - محمود أيوب

قديس السويس، قلبها النابض بالحياة، إنه التاريخ عندما يمشى على الأرض، الكابتن غزالي، بطل المقاومة الشعبية، مؤسس فرقة أولاد الأرض، الذى قاوم الاحتلال، بالسمسمية، وعندما بلغ من العمر ٨٥ عامًا، غنى وغنينا معه:


غنّى يا سمسمية


لرصاص البندقية


ولكل إيد قوية


حاضنة زنودها المدافع


غنى لكل دارس


فى الجامعة والمدارس


لمجد بلاده حارس


من غدر الصهيونية


غنّى لكل عامل


فى الريف وفى المعامل


بيأدى الواجب كامل


وأدّيله وردة هدية


غنّى ودق الجلاجل


مطرح ضرب القنابل


راح تطرح السنابل


ويصبح خيرها لى


ما أجمل الجلوس إلى جوار هرم كبير من التاريخ والتضحية والبطولة والعفوية، ما أجمل الجلوس إلى برج عالٍ مبنى بعرق المقاومة والنضال، محمد أحمد غزالى، الشهير بـ كابتن غزالى،.. المصارع، الشاعر، الفنان، المثقف الشعبى، السياسى، حليف البسطاء، وبطل البندقية والسمسمية، استخدم كلماته كسلاح يحرك الهمم والعزيمة ليشعل حماس الأبطال، ارتبط اسمه بالسويس، فمنهم من لقبه بـ «خال السوايسة» وآخرون لقبوه ببطلهم، الكل اختلف فى اللقب لكنه اتفقوا على تاريخه العريق، ونضاله الناصع.


لا يمكن الحديث عن المقاومة بدون الحديث عن كابتن غزالي، والسمسمية، هذه الآلة التى يعرفها كل أبناء القناة، بعد أن رسمت بسمة التضحية على وجوههم...


بالسمسمية وحدها يهزم الغزالى أعداءه، «أنا شاعر مهتم بالعمل الوطني، وأنتمى للفصيل السياسى اليسارى المصري، وقد حدث أمر غريب بعد الحرب الخاطفة سنة ٥٦، حيث لم يكن هناك فرصة لكتابة الأدب، أو لتعاطى الثقافة أو للفن، وبعد انتهاء العدوان بدأ الفنان الشعبى يغنى مردداً: سبع ليالى وصبحيه وغيرها من الأغانى الوطنية، وهى أغانٍ عفوية، وآلة السمسمية لم تكن آلة يغنى عليها، بل كانت عفوية وارتجالية، تمتاز بطعم السخرية التى هى وظيفتها الأصلية، حيث السخرية من الواقع ومن الفاسدين ومن الجبابرة، بأقل كلمات، وبعد انتهاء العدوان بدأ الفن يتحدث عن الحكايات والماضي، ويأخذ من الناس ويغنى عن الأبطال، وأثناء العدوان كنا مشغولين بالحرب، وبدأت السمسمية تسقى النفوس بالهمم والحماس».


كابتن غزالى يرى أن تجربة السمسمية تختلف من السويس عن بورسعيد، «لابد أن نفهم فى الدرجة الأولى أن السمسمية على طول خط القناة آلة مصرية كانت موجودة فى مصر منذ القدماء الفراعنة عمرها آلاف السنين، وهى آلة الكنر، ومرت بمراحل كثيرة جدا وأخذها عن مصر كل الغزاة من الرومان والإغريق والعثمانيين وغيرهم، وهى تمثل فكرة الصندوق المصوت، والسمسمية فى السويس هى الأقدم، كما أن ٨٠٪ من الخريطة السكانية بالسويس كانوا من جنوب الصعيد والنوبة، والشمال كان من وجه بحرى وهو أرقى ومتفتح، وهذه الآلة موجودة فى كل دول إفريقيا الآن، وحتى سنه ٦٧ لم يكن للوجه البحرى علاقة بالسمسمية، وهى آلة متواضعة جدا، والأوتار كانت من خيوط الأمعاء، وبالتالى كانت ذات صوت منخفض، ثم تم استخدام الأسلاك فى أوتارها فأصبحت ذات صوت يشبه جرس السلسلة، لذلك أصبح اسمها سمسمية».


الأشعار لها طعم مختلف على صوت السمسمية، خاصة إذا كان هذا الصوت من حنجرة كحنجرة كابتن غزالي، غنت للمقاومة، فقالت: ؟


.. غنّى يا سمسمية


لرصاص البندقية


ولكل إيد قوية


حاضنة زنودها المدافع


غنى لكل دارس


فى الجامعة والمدارس


لمجد بلاده حارس


من غدر الصهيونية


غنّى لكل عامل


فى الريف وفى المعامل


بيأدى الواجب كامل


وأدّيله وردة هدية


غنّى ودق الجلاجل


مطرح ضرب القنابل


راح تطرح السنابل


ويصبح خيرها ليّ


وقصيدة فات الكثير........


فات الكتير.. يا بلدنا


ما بقاش إلا.. القليل


بينا ياللا بينا


نحرر أراضينا


وعضم اخواتنا


نلموا.. نلموا


نسنوا.. نسنوا


ونعمل منه


مدافع


وندافع


ونجيب النصر


هدية لمصر


وتحكى الدنيا.. علينا


بكرة يا بلدنا ح نعوض اللى فاتنا


قصيدة هيلا هيلا هيلا......


هيلا هيلا هيلا هيلا


شباب السويس.. تلاقينا


فى الخنادق بالبنادق


على كل شبر عنينا


أنا صاحى يا مصر أأنا صاحى


سهران وفى حضنى سلاحي


واللى يقلل من قيمتى


واللى يكسر عزيمتي


يحرم عليه صباحي


اسمع يا إسرائيلي


بحق وطنى وديني


وثقتى اللى فى زعيمي


فى قنالى.. مش.. ح تمر


ح تشوف من عزمى المر


قالها أبوخالد... حبيبي


وغيرها العديد من القصائد


حكايات السمسمية لا تنضب ولا تنفد، «الحكايات كانت كثيرة جدا، والفن الشعبى كان يستوحى الكلام ويأتى بالمفردات الشعبية الجميلة، حيث يقول: يا بورسعيد شباب ورجال... الفخر لينا مدى الأجيال... حاربنا جيش الاحتلال... سبع ليالى وصبحية، سدوا القنال ولا عادش مرور، قطعوا المياه وكمان النور، والعيشة صبحت ظلم وزور، سبع ليالى وصبحية، بلليل سمعنا عربية، ماشية تذيع روسيا جاية، أتاريها خدعة أنجليزية، مع العصابة اليهودية، حيوا معايا البطل مهران، له فى التاريخ قصة ونضال، قدم عيونوا فدى الأوطان، وتعيش بلدنا فى حرية، عسران يا أسم باقى هيعيش، حط القنبلة فى رغيف العيش، وخلى وليم مات فطيس، وولعوا به العربية، عملوا حصار ع المدينة... ميتين وخمسين سفينة... وفى لحظة قاموا هجموا علينا سبع ليالى وصبحية، غاروا علينا بأساطيلهم، فى الجو تيجى تنزلهم، وإحنا بشجاعة نقاتلهم سبع ليالى وصبحية آه يا سلام يا سلام يا سلام... لما فشل ايدن واحتار صب القنابل ع الأحرار، ضرب البلد وحرقها بنار، سبع ليالى وصبحية آه يا سلام يا سلام يا سلام... إيه يا غنجليزى أخرتها معاك شارب زبيب ولا كونياك، ورجعت وشك زى قفاك».


«هذه الكلمات كانت تتحدث عن السبع ليالى الأولى للعدوان، وكل أغانى المقاومة كانت فى السويس اضرب هنضرب هنموت، ولا أحد يحاسب الفنان الشعبى المرتجل، وكل ما يأتى على لسانه يردده، وكان لابد من حركة ثقافة وفنانين وعين للمسالة حتى يضيفوا للفنان الشعبي».


ذكريات المقاومة مازالت عالقة بذهن كابتن غزالي،


« الحمد لله رب العالمين أنا موجود فى العمل الوطنى سنين طويلة حيث شاركت فى حرب ٥٦، وعشت عدوان ٥٦ وحرب ٦٧ وحرب ٧٣، وهذا ليس تفردا، لكن لأن السويس هى ميدان للقتال، وأى قوة تريد احتلال مصر تأتى فى منطقة القنال، كان لى بدروم تحت الأرض وكنا نجتمع فيه مع القيادات العسكرية ونتناقش، وكان هناك حماس كبير جدا، وقد اخترت منهجا فى الكتابة يتناسب مع إدراكى و ثقافتي، وبالتالى كان كلاما غريبا عن الكلام الدارج وقتها، وهو أن الكلمة لها وظيفة قتالية زيها زى البارود، ومن ضمن الأغانى غنى يا سمسية للمدافع، غنى للجنود، غنى لكل دارس..... وغيرها لاستنهاض الهمم، وكل الاغانى تؤكد أن المصريين الفقراء البسطاء هم من كانوا يدافعون عن مصر، وجرى تصنيف هذا النوع من الغناء على أنه أدب الحرب، وهى كلمات تحس على «افعل، دافع، موت».


مشوار فرقة ولاد الأرض يطويه كابتن غزالى بهذه الكلمات «كان اسمها فى البداية بطانية، نسبه إلى البطانية التى كنا نجلس ونجتمع عليها، وتعتبر فرقة ولاد الأرض الفرقة الأم لبقية الفرق الأخري، وبعد ٥ يونيه ٦٧ مباشرة اكتشف شباب السويس حجم الكارثة التى حدثت، وعلى الفور أصبح هذا الشباب منقسما، قسم مشغول فى الأعمال الفدائية لمنظمة سيناء العربية، وقسم مشغول بالحراسات الليلية حتى يتفرغ الجيش للأعمال المهمة، وقد انشغلت بشكل شخصى فى عمل الندوات لإلقاء قصائدى الشعرية مع زملاء آخرين، تلك القصائد التى كانت تشعل الحماس وترفع الروح المعنوية، وقد فكرت فى تحويل هذه القصائد إلى أغانٍ حتى يسهل استيعابها ويزيد تأثيرها فى الجنود وعلى لشعب، وبدأنا بشكل عفوي، حيث كنت أثناء حرب الاستنزاف قائد المجموعة السابعة، وهى أكبر مناطق التجمع الشعبى وأنشطها بما فيها من أدباء ومثقفين، وأثناء حضورنا أحد الاجتماعات العسكرية، كانت معى هذه المجموعة، فغنينا بعد الاجتماع بعض الأغانى التى كتبتها، فنالت إعجاب الجميع، وطلب منى قادة الجيش أن نزور كل المواقع العسكرية من الغردقة حتى بورسعيد، أى على طول الجبهة، وأصبحت هذه الأغانى أحد الأسباب الرئيسية فى رفع المعنويات، من خلال لغة الشعب الحرة والمنطلقة فى التخاطب، وقد ساعد ذلك فى تجييش وجدان الناس فى كل مصر، وبدأ الشباب فى كل قرى مصر يحاكى تجربة ولاد الارض بعمل فرق تغنى ذلك بطريقتهم، وكان أعضاء جماعة وفرقة ولاد الارض من الشباب المتطوع الذى شارك بعضهم فى أعمال منظمة سيناء العربية وشارك بعضهم فى أعمال الحراسات الليلية، وأى متابع لأغانى ولاد الأرض يجد أنها ترصد يوميات وحركة القرار السياسى وتأثيره على الجبهة، كما كنا ننقل ردود أفعال الجبهة إلى الوطن، ولم نترك أى سلوكيات سلبية فى مصر إلا ونددنا بها بشكل شعبى وصادق، وأصبح لجماعة ولاد الأرض فروع فى كل مكان، وقد حرصنا بعد موت الزعيم جمال عبدالناصر على أن نشارك فى جنازته المهيبة بأغانينا وبشكلنا الذى اشتهرنا به، فكنا نلبس (الافرولات ) ونمسك الطبول ونغنى وسط الجنازة (لا والف لا عبدالناصر مامتش) واذا بمصر كلها تستجيب لهذه الاغنية وتنتشر فى الجامعات وفى القري، وتحولت فرقة ولاد الارض إلى فرقة فنون شعبى، كانت تقدم الرقصات الحربية المعبرة على المسرح، وتحولنا بعد ذلك إلى العمل المسرحي، وقدمنا مسرحية «أغنية على خط النار».


حكايات الغريب هى الحكايات التى أثرت وجدان الشعب المصري، هذه شهادة من كابتن غزالي، أحد الغرباء!


«كان جمال الغيطانى صديقا مقربا، وأراد أن يصنع فيلما عن الغريب يوضح فيه دور الشعب والمقاومة فى الحرب، والغريب هو دليل على أنه ليس من السويس، لكنه جاء واستشهد فى السويس، وكان لى دور مهم جدا فى الفيلم، لكن الرقابة كان لها رأى آخر، وتم رفض دوري، حيث كنت وقتها مراقبا من أمن الدولة، فجاء الفنان محمد الشويحي، وجسد دورى فى الفيلم».


كابتن غزالى فخور بانتمائه إلى من يسميه شعب السويس.. كان السوايسة يعيشون فى رغد، وكانت السويس أسعد مدينة فى مصر، لم يكن فيها عاطل، الكل يعمل فى الشركات والمصانع، والمدينة جاذبة بصناعة البترول والسفن، والقناة، والرئيس جمال عبدالناصر قام بخطط تنمية فى المدينة، لكن كان للعدوان خسائر وأثر كبير بالتأكيد، حيث كانت القناة مصدرا رئيسيا للدخل المصري، ومصالح الناس فى السويس كانت مرتبطة بحركة القناة من البنبوطية والبحرية والصيادين وكل هذا توقف».


وعن مصادر تمويل المقاومة فى الخمسينيات والستينيات، يؤكد غزالى أن «التمويل كان ذاتيا، من الشعب، وكانت هناك حركات وطنية مثل الوفد وغيره تقوم بالتمويل».


قرار تأمين قناة السويس سيظل ومضة فى جبين التاريخ، اللحظة التاريخية تلك يذكرها كابتن غزالى وكأنها وقعت أمس، «قرار التأمين هز الدنيا وكانت هناك ردود أفعال قوية وعنيفة، والإنذار الشهير من انجلترا ورجوع الجيش المصرى من سيناء كان له أثر كبير، لكن بعد أن خسر الانجليز المعركة لم يتعاطف معهم العالم، وأمريكا وجدتها فرصة سانحة للتخلص من انجلتر وفرنسا، وبدأوا من خلال مجلس الأمن يضغطون لوقف العدوان، وكانت الثورة بدأت والناس تتجيش، وأصبح السلاح فى يد الجميع وكانت المعنويات فى السماء، والسويس كانت تقع تحت قيادة برئاسة صلاح سالم، والجيش المصرى والشعب كان يدا واحدة، وأصبح فى الأدوار العليا بالعمارات والمنازل بالسويس رشاشات ومدافع مضادة للطائرات، وكنا نسمى هذا بفرح العمدة، وعندما حدث العدوان حاولنا الذهاب لبورسعيد وفعلا ذهبنا فى أتوبيسات، ولم نستطع دخول المدينة حيث تم منعنا».


بعد مرور ٦٠ عاما على العدوان، يحلم كابتن غزالى بـ «القضاء على البطالة فى السويس، والتى لم تكن موجودة، وكذلك انتشار القمامة فى كل البلد، وغيرها من المشاكل الاقتصادية التى زادت فى السويس خلال الفترة الأخيرة».