شيخ الإذاعيين فهمى عمر عن العدوان الثلاثى: «بثّينا» من سطوح مجلس الوزراء!

26/10/2016 - 10:53:05

  سليمان عبدالعظيم أثناء حواره مع الإذاعى فهمى عمر سليمان عبدالعظيم أثناء حواره مع الإذاعى فهمى عمر

حوار أجراه: سليمان عبد العظيم

«الخال».. «الحكيم».. «شيخ المُذيعين».. ألقاب أطلقها عليه محبوه، وأصدقاؤه، وتلاميذه،‏ هو شيخ الإذاعيين الإعلامى الكبير فهمى عمر، أول وأشهر صعيدى عرفه ميكروفون الإذاعة‏.. وهو من الرواد أصحاب الأيادى البيضاء على الإذاعة‏،‏ وأبرز الأسماء التى أضاءت مسيرة الإذاعة المصرية على مدار ٥٠ عاماً قدم خلالها نموذجاً مشرفاً للإعلامى العاشق لمهنته.


لازال الجميع يتذكر إلى الآن صوت «فهمي» المدوى أثناء العدوان الثلاثى عبر ميكرفون الإذاعة.. الإذاعى القدير كان ضيفاً على صفحات «المصور»، ليتحدث بصوته الجميل، الذى لم ينسه أى مصرى حتى الآن، عن ذكرياته وشهادته أثناء أحداث عام ١٩٥٦، ودور الإذاعة فى بث الوطنية عبر ما تُقدمه من مواد وأغان.


بابتسامة تملأ وجهه، بدأ يسرد ذكرياته وقصصه مع العدوان: كُنت أحمل المُسجل على كتفى وأتجول به فى الشوارع والنجوع وأنحاء القاهرة، وقت المعركة، لنقل هموم المواطنين، فضلاً عن بث الحماسة فى قلوبهم للتضحية من أجل الوطن، وكُنت أجد سعادة غامرة، ورغم مرور ٦٠ عاماً على حرب ١٩٥٦ لكنى لازلت أتذكر تلك الساعات، التى لا تزال محفورة فى مُخيلتي، ولا يُمكن محوها بمرور السنوات، لتمثل فى النهاية تاريخا لا ينسى ولحظات من الفخر والكرامة والعزة.


ولازال «عمر» يتذكر الأحداث التى وقعت فى تلك الأثناء وموقف الإذاعة المصرية ودورها فى ذلك الوقت، بقوله: مع إعلان الدول الثلاث «بريطانيا وفرنسا وإسرائيل» بداية العدوان الغاشم، بعد قيام الزعيم جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، كانت الإذاعة تبثُ برامج تحث المواطنين على العطاء والبذل والتضحية؛ لتوجه لهم رسالة بأن هُناك عدوانا وقع على مصر، برامج تتعلق بإثارة الحمية فى نفوس المواطنين، فضلاً عن توجيه خطاب حماسى شديد الروعة للمجاهدين بالجزائر الذين كانوا يقومون بثورتهم فى تلك الأيام، وأقصد هُنا جبهة التحرير الجزائرية، وشعرنا وقتها بأن الإذاعة لابد أن يكون لها هدف كبير ضد الاستعمار فى الجزائر ومصر، لما لها من دور فعال، وقد كان ذلك.. بداية من يوم ٢٩ أكتوبر اتخذنا من الإذاعة مقراً للمعيشة؛ لتكون الإذاعة هى بيت المذيعين ومقدمى البرامج، وكنا نتجول فى شوارع القاهرة، وبعضنا يتجول فى الأقاليم لتسجيل مشاعر المواطنين تجاه ما يحدث لمصر من عدوان غاشم.


وبنبرة صعيدية حماسية يسترجع رئيس الإذاعة الأسبق لحظة توقف البث الإذاعى قائلاً: أتذكر فى الساعة العاشرة والنصف ودقيقتين صباح يوم الجمعة ٢ نوفمبر ١٩٥٦توقف الإرسال، وأُعلن قطع البث نظرا لحدوث غارات، ولتصويب قنابل الأعداء على سوارى الإرسال فى «أبو زعبل»، ليتوقف بث الإذاعة عند هذه اللحظة؛ لكن الإذاعة كانت تتوقع «وعاملة حسابها» لمثل هذا اليوم، فكانت هُناك محطة بث إذاعى موجودة فى مجلس الوزراء لمساندة المجاهدين بالجزائر ومساعدتهم فى بث برامجهم ونداءاتهم، وقمت أنا والزميل أحمد سعيد بعد استدعائنا من جانب محمد أمين حمّاد رئيس الإذاعة وقتها، ليوجهنا إلى مجلس الوزراء، وكنت حينها أعمل مذيعاً، وأيضاً الزميل أحمد سعيد يعمل مذيعاً، وكان قد مضى على عملنا بالإذاعة ٥ أعوام، ببث الإذاعة من فوق سطح مبنى مجلس الوزراء، وبعد مرور ربع ساعة فقط قمنا ببث الإذاعة فى محيط القاهرة الكبرى؛ لينطلق صوتنا مرة أخرى بهذا الهتاف «يا أهل القاهرة يا أبناء مصر صوت مصر لم ينقطع.. صوت مصر الحاضر»، وراودتنى فكرة أن أستعين بحسن إمام عمر نائب رئيس تحرير مجلة «الكواكب» حينها للاتصال بالأقارب والأصدقاء؛ ليبحثوا عن موجة الإذاعة لتحقيق انتشارها، وبعد مرور ١٠ دقائق فقط كان مُعظم سكان القاهرة يستمعون لشبكة إذاعة «سطوح» مجلس الوزراء عن طريق الميكروفون فقط، فلم يكن لدينا وقتها اسطوانات.. مُجرد صوت يقول «هُنا القاهرة»، وبعد صلاة الجمعة تمكن المهندسون من التقاط الصوت ووقف الرئيس جمال عبد الناصر على منبر الجامع الأزهر ليقول مقولته الشهيرة: «سنقاتل سنقاتل»، وذلك بعد أن عاد البث مرة أخرى من الإذاعة المصرية.


حافظ ابن الصعيد على أخلاقيات المهنة، وكان سببًا فى النهوض بالإذاعة المصرية، وقدّم العديد من البرامج الإذاعية التى كان من أهمها «ساعة لقلبك»، وتدرج فى منصبه حتى أصبح رئيسًا للإذاعة المصرية فى ١٩٨٢ واستمر فى منصبه لمدة ٦ سنوات، وطوال هذه الفترة كان عمر منبرًا للتنوير فى حياة المواطن المصري.


تفاصيل كثيرة سردها، الإذاعى القدير فهمى عمر، خلال أحداث العدوان الثلاثي، تذكرها وهو يشعر بالفخر: بعد دخول الإنجليز لمدينة بورسعيد توزعت كتائب المذيعين، وتوجهت لمدينة السويس، وكنت أبلغ من العمر وقتها ٢٧ عاماً، والتقيت بقيادات الشئون العامة للقوات المسلحة فجراً، وتوجهت لمقر المُقاومة الشعبية بالسويس، وكان قائدها حينذاك صلاح سالم وزير الإعلام الأسبق، وقمنا بالتسجيل مع بعض المتطوعين بالموقع ودورهم الفدائى للتضحية فى سبيل ذرة رمال.. وتذكر «عمر»أن وزير الإعلام صلاح سالم أشاد حينها بدور الإذاعة فى بث روح النضال فى نفوس الجماهير، وقدمت حينها الإذاعة بعض الأغانى الحماسية التى مازالت تردد إلى الآن منها نشيد «الله أكبر» و«دع سمائى»، وذلك أثناء العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦، كما قمنا بتسجيل بعض التسجيلات للمواطنين، وزرنا المستشفيات والجمعيات الخيرية والتى كان دورها ملحمة شديدة الروعة، وعملت الإذاعة فى ذلك الوقت على إثارة حماسة الجماهير، والتنبيه إلى المخاطر الاستعمارية المحيطة بالبلاد.


وعن أبرز الأسماء السياسية التى شاركت الإذاعة فى تحفيز المصريين على التضحية والصمود، يتذكر «عمر» كمال الدين حسين قائد الحرس الوطنى بالإسماعيلية، ومُعظم الصف الثانى للضباط الأحرار، الذين انخرطوا فى العمل السياسي، ومعظم السياسيين فى هذا الوقت كانوا يعقدون المؤتمرات ببورسعيد وكانت الإذاعة تصاحبها الإذاعة، وكان لها دور عظيم فى بث روح الثورة فى كل منزل بمصر، وكانت الإذاعة تبث أغانى على مدار اليوم.. وأتذكر أن الزميل أحمد سعيد فى نهاية عام ١٩٥١ وبداية ١٩٥٢ اختفى، وعندما سألنا عليه فوجئنا أنه مصاحب للفدائيين فى معاركهم بالإسماعيلية.


يتذكر الإذاعى الكبير فهمى عمر اللحظة التاريخية لتأميم قناه السويس، بقوله: «شاركت أنا والزميل جلال معوض فى إذاعة الحفل الذى أعلن فيه جمال عبد الناصر تأميم القناة، وقفز الجماهير يعانقون بعضهم البعض، وزحفت الآلاف من المواطنين من النجوع والكفور من الإسكندرية إلى القاهرة.. وفى ٢٣ ديسمبر ١٩٥٦ حددت الأمم المتحدة رحيل آخر جندى ببورسعيد، ومنع دخول أى مصرى تلك المنطقة؛ إلا بعد خروج آخر جندى من قوات الاحتلال.. وحينها أرسلتنى الإذاعة ومعى سائق سيارة الإذاعة ومهندس التسجيل، وأحد العمال الآخرين، للذهاب لمدينة بورسعيد لإرسال تقرير يومى عن الأحداث بالمدينة، وظللت لمدة ١٠ أيام أرسل تقارير عن التعليم والصحة والكهرباء. ويتابع «عمر» سرد هذه اللحظات التاريخية: استعنت فى ذلك الوقت بالمقدم أحمد إسماعيل على قائد الكتيبة الثانية مشاه ببورسعيد الذى كان مكلفا من القيادة العامة بتأمين مدينة بورسعيد بعد انسحاب القوات البريطانية منها، وطلبت منه المساعدة لعدم وجود مكان أسكن فيه أنا وزملائي، ورد قائلاً: هل تستطيع أن تعيش حياه الجندية؟ فأجبت بنعم، وبالفعل فرشنا فى الأرض الفضاء خياما للمجندين ولى أيضاً أنا وزملائى.. وأصبح هذا المقدم فى حرب ٧٣ القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية المصري، وقمت بتسجيل لقاءات مع الفدائيين.. وكنت الإعلامى الوحيد الذى سجل لحظة سقوط تمثال «ديليسبس» وتسلق الجماهير أعلى التمثال الذى حطمه أهالى بور سعيد عن طريق الحبال.